في سبعينيات القرن الماضي عملت في جنيف منظمة صدقات «ساذجة»، وضع نشطاؤها على رؤوسهم قبعات ملونة واستمعوا إلى أغنيات يوديل وأكلوا في مطاعم فوندو الفاخرة. وعندما تبين أنهم من مؤيدي م.ت.ف أظهر السويسريون السذاجة: «ماذا تريدون؟ هذه منظمة من اجل التعاون»، قالوا. «هم محقون»، قالت الاجهزة الأمنية الإسرائيلية، «هذا تعاون بين فتح والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية».
لقد نجحت «م.ت.ف» في حينه في تحويل اموال التبرعات للإرهاب إلى فن حقيقي، لكن منذ تمأسست هذه المنظمة ومنذ اقامة السلطة الفلسطينية، احتلت حماس مكانها كجهة فلسطينية فاعلة تجند الاموال لصالح الإرهاب. شبكة التجنيد الدولية التي يترأسها الشيخ يوسف القرضاوي من قطر، تعمل في عشرات الدول بثلاث مستويات مختلفة. دول مثل إيران وسوريا تقوم بنقل الاموال إلى القطاع سراً، ودول مثل الدول الاوروبية تموه هذه الاموال من خلال ايصالها عن طريق منظمات «ساذجة»، ودول مثل تركيا تمول بشكل علني وفي وضح النهار، بزعم أن هذه الاموال مخصصة للصحة والرفاه.
إن اعتقال محمد فاروق شعبان مرتجى، وهو مهندس بناء في غزة، تم زرعه داخل الوكالة الحكومية التركية لدعم حماس في غزة، قد يحرج الحكومة التركية. مرتجى وهو من اعضاء كتائب عز الدين القسام، الذراع العسكري لحماس، حصل على التعيين الهام بفضل الدور الذي أخذته تركيا على عاتقها منذ تولي اردوغان، أي مساعدة الفلسطينيين «المحاصرين» في قطاع غزة. وقد طلبت حكومة تركيا من مرتجى مؤخرا نقل 25 مليون دولار من اجل اعمار القطاع. إلا أن هذا المبلغ الذي كان يفترض أن يصل إلى جمعيات الزكاة في غزة، التي تقوم باعمار المنازل واعمار المؤسسات التعليمية ودعم العائلات التي تضررت في غزة، «سُرق» من قبل قيادة حماس. صحيح أن 13 مليون دولار تم اعطاؤها للعائلات المحتاجة، و4 ملايين تم تخصيصها لعرس جماعي، و3 ملايين أعطيت كمساعدات لعائلات في القطاع، و3 ملايين اخرى أعطيت كمنح للطلاب، أما الباقي فتم تخصيصه لشراء طرود الغذاء، لكن الاموال لم تصل إلى جميع السكان في القطاع، بل وصلت فقط إلى «عائلات نشطاء حماس».
ما هي النتائج التي يمكن توقعها في اعقاب ذلك؟ أولا، احراج تركيا، حيث إن شخص ما في حكومة اردوغان «سيدفع الثمن» عن الحادثة التي جاءت في التوقيت الاسوأ لحكومة تركيا. العلاقة الحميمية مع إسرائيل بعد فترة طويلة من البرود السياسي، حيث حصلت تركيا تقريبا على جميع مطالبها، وهي تحاول الحصول من جديد على المساعدات الأمنية من إسرائيل. وسيتم الطلب من تركيا تقديم التفسير. اردوغان ومساعدوه سيبررون ذلك ببساطة بـ «التنسيق والتعاون». يبدو أن إسرائيل ستتجاهل وتعود إلى البرنامج اليومي.
ثانيا، الرقابة على اموال الإرهاب. صحيح أن إسرائيل ستظهر الحادثة أمام ادارة ترامب المتعطشة لمحاربة اموال الإرهاب. استخدام منظمات الإرهاب لمؤسسات كهذه من اجل تجنيد الاموال، ليس جديدا. ترامب قد يفاجأ بأن حماس برئاسة موسى أبو مرزوق جندت في الثمانينيات في الولايات المتحدة الاموال من اجل خطف وقتل الجنديين آفي ساسبورتاس وايلان سعدون تحت شعار «تنظيم الرفاه والمساعدة الإنسانية»، حيث تم اعطاء الاموال للقتلة وعائلاتهم.
هل الكشف عن القضية سيدق إسفين بين رؤساء حماس وقادتها المسرفين، وبين باقي السكان؟ لا توجد فرصة لذلك. يتوقع أن يمتص السكان البؤساء هذه الاهانة ويستمر الوضع. إن تمويل الإرهاب هو نتيجة الدمج بين الايديولوجيا الإسلامية المتطرفة والاقتصاد الاسود الذي يقوم بصيانة الإرهاب الإسلامي (بما في ذلك الحركة الإسلامية في إسرائيل)، وبالطبع كراهية إسرائيل، لا يجب أن نتوقع وجود معايير انسانية هناك. حتى لو كان الحديث يدور عن «مساعدات انسانية».
إسرائيل اليوم 23/3/2017