القاهرة ـ «القدس العربي» : الأيام تجري بسرعة والسيسي أوشك أن يكون على موعد مع انتخابات جديدة، بينما الجوع يعصف بالأغلبية، لذا فالخيارات التي أمام الرئيس الذي بنى حكمه على رفات دولة الإخوان المسلمين تتقلص على نحو غير مسبوق، فيما ترسانته الإعلامية أحرقت أوراقها مبكراً، ولم يعد بين يديها ما يمكن أن تقدمه للأغلبية كي تقبل بأن تمنح الرئيس تفويضً جديداً.
وفيما أقدم الإخوان أو أحد أبرز أجنحتهم على مراجعات أبدو فيها بعض الندم على أخطاء ارتكبها الإخوان على مدار السنوات الست الماضية، تزايدت الأسئلة حول البديل المحتمل الذي بوسعه أن ينافس السيسي خلال المرحلة المقبلة.
وقد شهدت الصحف المصرية الصادرة أمس الخميس 23 مارس/آذار المزيد من المعارك الصحافية، أبرزها حول المراجعات الإخوانية، التي رحب بها البعض فيما استغلها كتاب السلطة في الهجوم على الجماعة ورموزها. واهتمت الصحف الرسمية بصورة للرئيس وهو يستقبل سيدة مسنة قررت التبرع بثروتها لصندوق «تحيا مصر». كما اهتمت بالزيارة المرتقبة للرئيس للولايات المتحدة الأمريكية. وشهدت صحف المعارضة معارك متزايدة ضد الحكومة والبرلمان وإلى التفاصيل:
السيسي وجهه للحائط وظهره للبحر
مع بدء العد التنازلي لانتخابات الرئاسة المقرر عقدها منتصف العام المقبل، سيواجه الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال الشهور القليلة المقبلة، أصعب وأهم اختبار سياسي في رأي محمد عصمت في «البديل»: «قد يرى البعض أن هذه الانتخابات ستكون مجرد «مسرحية عبثية»، لن تسمح فيها السلطة لأيمن نور أو أحمد شفيق أو خالد علي أو أي مرشح آخر له ثقل سياسي بخوضها أمام السيسي. كما يتكهن آخرون بأن مجلس النواب سوف «يجيب من الآخر» ويقدم على إجراء تعديلات دستورية لمد فترة الرئاسة للسيسي عامين إضافيين، لتصبح 6 سنوات، وهو أمر في تقديري الشخصي لا يمكن أن يمر بسهولة، إلا من خلال سيناريوهين لا ثالث لهما: أولهما تحسن الأوضاع الاقتصادية التي يمكن أن ترفع شعبية السيسي، وتقنع المصريين بقبول هذه التعديلات الدستورية لمد فترته الرئاسية. أما السيناريو الثاني فهو أن يتم فرض حالة الطوارئ في البلاد لسبب «كارثي» أو لآخر، يتم بمقتضاه إلغاء العمل بالدستور نفسه، وتفويض الرئيس بإدارة شؤون البلاد، وهو سيناريو من الصعب تسويقه. وفي كل الأحوال تظل تقاليدنا المرعية في تزوير الانتخابات، مع إحجام المواطنين عن المشاركة فيها، هاجسا يراود معارضي الرئيس، الذين يتخوفون من أن تتحول انتخابات الرئاسة المقبلة إلى مجرد استفتاء روتيني بلا طعم ولا لون ولا رائحة، ليستمر الركود الذي يضرب كل أرجاء حياتنا السياسية حاليا، جاثما فوق صدور المصريين، يغتال كل أحلامهم في بناء نظام ديمقراطي قوي وعفي، يسمح بتبادل السلطة، ويكسر احتكار الصوت الواحد والرأي الأوحد، وينهي أسطورة الزعيم الملهم نصف الإله الذي يملك ويحكم، ويعرف ما لا نعرف ورغم ذلك، فإن أمام النخب السياسية المختلفة في مصر، فرصة كبرى لتغيير قواعد اللعبة الانتخابية، سواء بطرح برامج اقتصادية بديلة للسياسات التي يتبعها الرئيس السيسي والتي حولت حياة المصريين لقطعة من الجحيم».
محاولة شجاعة للمراجعة
إعلان جناح أخواني إجراء مراجعات حول أخطاء الإخوان خلال الأعوام الستة الماضية أثار جدلاً واسعاً، وممن شاركوا في النقاش أحمد بان في «البديل»: «انتقدت الدراسة أيضا التركيز على الجانب الخدمي الذي أصبح الخادم في تحديد رموز العمل المجتمعي، الذين لم يكونوا بالضرورة مؤهلين للتحول بتلك السرعة إلى رموز عمل سياسي أو حزبي، وهذا اعتراف شجاع من تلك المجموعة بأن غلبة التنظيمي في الاختيار أدت إلى اختيار الأسوأ، في المحور الثاني الذي كان عنوانه غياب العلاقات المتوازنة مع الكيانات المجتمعية الأخرى من الناحية التكاملية أو التنافسية أو الندية، لم يكن صريحا بالقدر الكافي في تحميل التنظيم مسؤولية الفشل في التنسيق، أو التعاون أو حتى المنافسة أو التكامل مع غيره من الكيانات المجتمعية، ليس فقط لأن هذه الكيانات كما أشار كانت كارهة للجماعة ولم تقبلها، لكن لأن عقل الجماعة لم يكن يعترف سوى بنفسه، ومن على شاكلته ويتبعه، حيث بقيت كل القوى لديهم مجرد مسهل سياسي يختبئون خلفه أو يتحالفون مع بعضه فقط عند الحاجة، دون قناعة حقيقة بالشراكة الوطنية أو قدرة على إبرام تحالفات عادلة وصحيحة . ربما كان المحور الثالث من أفضل المحاور التي اعترفت فيها الدراسة بعيب خطير، وهو كما أطلقت عليه غياب مشروع سياسي متكامل للتغيير وإدارة الدولة، وهو اعتراف نادر يأتي لأول مرة من داخل الجماعة، حاولت الدراسة نفي جريمة تورطت فيها الجماعة وهي اشتراكها في مخطط الالتفاف على الثورة، بادعاء أنها هي وكل الفرقاء السياسيين لم ينتبهوا لخطورة ترك العسكريين ينفردون بوضع أسس المرحلة الانتقالية، وهو ما صنع كل المسارات التالية. في كل الأحوال، نحن أمام محاولة شجاعة للمراجعة، لكنها ما زالت تتمسك بأهداب الخجل».
مراجعات تفتقر للحقيقة
«تُلحّ وسائل الإعلام المصرية، منذ عزل الرئيس محمد مرسي، على وجود مراجعات داخل تنظيم الإخوان، الذي دخل في حرب مفتوحة مع نظام 30 يونيو/حزيران، أعادته وفقاًلأحمد الخطيب في «الوطن» إلى مربع الجماعات الراديكالية المؤمنة بالعنف وحمل السلاح، وإلى باحة التكفير التي راوح مقعده منها مؤقتاً قبل 40 عاماً، جراء قوة سلطة الدولة التي أجبرته على الجنوح عنوة إلى معسكر الاعتدال.. أو هكذا شُبه لهم نظريات «فقه المراجعات»، الذي تتفرد فيه الحالة المصرية، تشير بوضوح إلى أن قرار لجوء الجماعات الإسلامية لورقة «المراجعات» لا يكون إلاّ عقب الإيمان الكامل بالهزيمة، والتسليم بانتهاء المعركة، عندها تذهب إلى «المراجعات» راغمة، كمحاولة أخيرة تحافظ بها على ما تبقى لها من قوات مُحاربة، وفق الاستراتيجية الأثيرة للحفاظ على التنظيم. وإذا طبقنا هذه النظرية التي عاشتها الدولة المصرية، مع أكثر من جماعة إسلامية، منها تنظيم الإخوان، نفسه عقب أزمته الشهيرة مع نظام الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ثم مع تنظيم الجماعة الإسلامية أواخر التسعينيات، وجماعة الجهاد قبل نحو عشر سنوات، سنجد أن تنظيم الإخوان لم يعلن الهزيمة بعد، ولم يؤمن بأنه سُحق، كما لم يُسلّم بأن النصر في معركته قد اقترب، وهو الأمر الذي يشي بأن الحديث عن وجود مراجعات يجريها التنظيم، ما هو إلا «ترهات» إعلامية وقبض ريح… قد تكون هناك «مراجعة سياسية» بدأها بعض المجموعات داخل التنظيم جراء الفشل الواضح في تجربته السياسية عقب ثورة 25 يناير/كانون الثاني، واعتلاء عرش السلطة والحكم، إلا أنها تبقى مراجعات فردية، حيث يقول التنظيم بوضوح إن الوقت ليس وقت الإعلان عنها، لأنه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.. وهي تلك المعركة التي يؤمن الإخوان كتنظيم بأنها لا تزال مستعرة، لذا فإن الحديث عن مراجعات سياسية مجرد إرهاصات لم ولن تتحقق بعد انقسام الإخوان بين ثلاث مجموعات، واحدة ضمت «إخوان المهجر»، وإخوان السجون، وإخوان الداخل».
الحاكم والإيمان
«ما الفارق الجوهري بين الحاكم المؤمن بالله وقدرته وقضائه وقدره، وبين الحاكم الذي يؤمن بأن قوته مصدرها السلطة والقوة والمال؟ هذا كان سؤال عماد الدين أديب في «الوطن» الذي واصل كلامه قائلا: في هذا العصر الذي طغت فيه وسائل العلم وثورة الاتصالات «حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا» واغتر الإنسان بقوته الذاتية، وتخيل كذباً أنه -والعياذ بالله- هو الآمر الناهي فيها وصاحب السلطان الأوحد، تصبح مسألة الإيمان مسألة جوهرية في صناعة القرار. الحاكم المؤمن يدرك حقيقة حجمه في هذا الكون، ويؤمن تمام الإيمان بأن مخافة الله في كل ما يفعل هي المقياس الأساسي في توفيقه في ما يفعل. الحاكم المؤمن حينما يخشى الله قبل أي شيء وكل شيء يخاف أن يُظْلَم إنسان في عهده، ولا يخاف لومة لائم في إقامة العدل ومحاربة الفساد والمفسدين. الحاكم المؤمن لا يخاف، إذا كان مع الله، أي قوة عظمى حتى لو كانت مدججة بترسانة نووية. هل هذا يعني أن يكون الحاكم «درويشاً» و«ناسكاً» يقبع في المسجد وينتظر الخير والبركات والحلول من السماء؟ الإجابة بالطبع لا، لأن الله أمرنا بالأخذ بأسباب العلم والقوة والتدبر والتفكير من أجل إقامة مجتمع صالح يوفر الحياة الكريمة وفرص العمل والرزق لكل الناس. القوة بلا إيمان طغيان واستبداد.. والإيمان بلا قوة تخاذل».
لن يبكيهم أحد
شهداء القصف الأمريكي بقيادة البنتاغون على مسجد الجينة في سوريا مؤخراً لم تتذكرهم معظم الصحف غير أن خديجة جعفر في «مصر العربية» اهتمت بالمأساة: «يوم الخميس من كلّ أسبوع يجتمع بعض أهالي بلدة الجينة لأجل جلسة دعوية تقودها مجموعة من المُصلحين والدعويّين يُقال لهم «الأحباب» في مسجد عمر بن الخطّاب، قُدّر عدد الأهالي المجتمعين نهاية الأسبوع لحضور الجلسة الدّعوية بثلاثمئة، كان منهم أب يُدعى الدكتور محمود السّايح، وكان له من الأبناء والبنات سبعة: حمزة، ورند، وبيبرس، وريماس، ووئام، وأسيل، ولين. قُتِلوا جميعًا في القصف الأمريكي على مسجد الجينة. فور حدوث القصف، توجّه فريق «الخوَذ البيضاء»، الذي حصد فيلم وثائقي عنه جائزةَ أوسكار قريبًا، إلى مكان القصف. يقول مصطفى عبيد عضو فريق الخوَذ البيضاء، إن الطائرات ألقت ثلاثة صواريخ على المسجد، ثمّ ألقت الصاروخ الرابع على من حاولوا الخروج من المسجد. ادّعت الولايات المتحدّة أن دفاعها قد نفّذ غارة جويّة على مكان لاجتماع قادة في تنظيم «القاعدة» في شمال غرب سوريا، وأنّها قتلت العديد من «الإرهابيّين». فقد عُدّ أولاد الدكتور محمود السّايح من الإرهابيّين، ولكن، ما أن أذاعت المصادر المحليّة أن الغارة نُفذّت على مسجد ليس له علاقة بأي فصائل مقاتلة في سوريا، وأنّ القتلى والجرحى هم من المصلّين المسالمين الآمنين؛ حتّى سارعت وكالات الأنباء العالمية بنقل الخبر، ناقلةً معه النفي القاطع من البنتاغون بمسؤوليته عن المجزرة التي ارتكبها، على الرغم من أنّه أذاع بيانه يوم الثلاثاء نفسه الذي أعلن فيه أنّه نفّذ غارة جوية ويا للعجب، هو مكان وقوع هذه المجزرة الإنسانيّة المروّعة نفسه. في سبيل الأمن القومي الأمريكي، سيدفع كثيرٌ من الأبرياء حيواتهم، ولن تجد هذه الحيوات بواكي لها لم ينعَ الأبرياء أحد».
ريما بمليون راجل
«استقلت لأنني أرى أن واجبي ألا أكتم شهادة حق عن جريمة ماثلة» هكذا خرجت ريما خلف من منصبها الأممي بكلمات تبقى في ذاكرة التاريخ، كما يتوقع عبد الله السناوي في «الشروق»: «لقد كانت هذه المرة الأولى منذ ربع قرن التي تدمغ إسرائيل بالعنصرية في إحدى وثائق الأمم المتحدة، وفق أدلة تثبت ضلوعها في ممارسة هندسة ديموغرافية ضد الفلسطينيين حتى تكون دولة يهودية مبرأة من أي تنوع عرقي أو ديني. أرجو أن نتذكر ما كتبه المفكر اللبناني الراحل كلوفيس مقصود عن ريما خلف في مذكراته «من زوايا الذاكرة»: «إنها تتحلى بقدرات عالية في التجديد والابتكار والانضباط، كما بالقدرة على التواصل وتوليف الأفكار، بلغة تشد القارئ من دون تجاوز الضوابط التي تتميز بها تقارير الأمم المتحدة».. «إنها تدرك تماما ما يمكن قوله وما لا يمكن. تلك الشهادة تكتسب خصوصيتها من أنه هو الذي قدم نائبة رئيس الوزراء الأردني الأسبق إلى العمل الأممي. المعنى أنها تدرك أن ما أقدمت عليه مما لا يمكن قوله بموازين القوة في المنظمة الدولية، لكنها تحملت مسؤوليته بحسابات الضمير والحقيقة. غير أن القضية بعد ذلك كما يشير السناوي تتجاوز ما هو أخلاقي وحقوقي إلى وقائع وتطورات تومئ إلى احتمالات تصفية القضية الفلسطينية كلها. هناك تحركات واجتماعات، بعضها غير معلن والآخر مسرّب، تحاول ترتيب المسرح الإقليمي لدمج إسرائيل فيه بلا تخل عن أرض محتلة، أو اعتراف بأي حقوق لم يكن «حل الدولتين» جديا منذ توقيع اتفاقية «أوسلو» منتصف تسعينيات القرن الماضى بالنظر إلى السياسات الإسرائيلية في التوسع الاستيطاني وهضم أراض من الضفة الغربية والعمل على تهويد القدس والسعي لـيهودية الدولة».
قمة محاطة بالخوف
القمة العربية على الأبواب يحيط بها الكثير من المخاوف وعدم الثقة في نتائجها غير أن أحمد يوسف أحمد في «الأهرام» يتمنى أن تخرج القمة بنتائج مشجعة تضع العمل العربي المشترك على بداية طريق الفعل، خاصة أنها تُعقد هذه المرة في ظل الدبلوماسية الأردنية التوافقية النشيطة. كما أن التوقعات تشير إلى حضور قيادي أعلى مستوى من سابقاتها، ربما يصل إلى أكثر من الضعف، غير أن فاعلية القمة تتطلب قرارات جريئة وقوية في قضايا الصراعات المشتعلة التي تدمر قدرات النظام العربي شيئاً فشيئاً، ولا يمكن أن يتحقق هذا الإنجاز دون مبادرة عربية كبرى لوقف إطلاق النار في هذه الصراعات وتثبيته تحت إشراف دولى وإجراء انتخابات ديمقراطية وإعادة الإعمار، وكذلك وقف تدخلات الدول العربية في شؤون بعضها بعضا لأن هذه التدخلات مسؤولة عن عسكرة الانتفاضات التي تمت ومن ثم جلبت مزيداً من التدخلات الخارجية فيها. وليست مصادفة أن البلدين اللذين انتصرت فيهما هذه الانتفاضات بسلاسة نسبية هما البلدان اللذان لم تتم عسكرة الانتفاضات فيهما. ومن ناحية ثانية يتعين على القمة أن تضع السبل الكفيلة باسترداد القرار العربي من أيدي القوى الخارجية التي باتت تنفرد به في بعض الحالات، كما رأينا، كذلك آن الأوان لمواجهة التغول الإسرائيلي على حقوقنا، فمن الإصرار على يهودية الدولة الصهيونية وعاصمتها القدس الموحدة إلى الانتشار السرطاني للاستيطان إلى رفض حل الدولتين، إلى اعتبار الجولان السورية جزءاً من أرض إسرائيل، وأخيراً وليس آخراً مواجهة الأفكار المضطربة المشوشة للرئيس الأمريكي الجديد، من حديث تارة عن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وتأييد الاستيطان ثم تهدئة لنبرة الحديث، وتارة أخرى عن أنه لا يأبه بحل الدولة أو الدولتين مادام قد اتفق الطرفان، وتارة ثالثة عن مؤتمر ثلاثي يجمعه مع نتنياهو وعباس، أو مؤتمر إقليمي يتضمن «صفقة كبرى» قد تكون فكرته الجهنمية عن حلف عربي سني إسرائيلي يواجه الإرهاب الإيراني».
تسمم لا مفر منه
الظاهرة الغريبة هذه الأيام التي يهتم بها جمال سلطان في «المصريون» هي تسمم طلاب المدارس بشكل غامض وواسع الانتشار معا، حدث ذلك في سوهاج حيث تجاوزت الإصابات الألف طالب، وحدث بعدها في السويس ثم في المنوفية ثم في أسوان، ولا ندري غدا أين سيحدث هذا التسمم؟ وهي ظاهرة مثيرة للدهشة بالنظر إلى اتساع مساحتها، فهي ليست مقصورة على مديرية واحدة للتعليم أو حتى محافظة واحدة، وإنما العديد من المحافظات والمديريات، من صعيد مصر جنوبا إلى الدلتا شمالا. الأخبار تنشر بشكل عادي في وسائل الإعلام الرسمية، كأنها أخبار الطقس والمناخ ودرجات الحرارة المتوقعة، من دون تعليق ومن دون سؤال ومن دون تفسير ومن دون استغراب، كما أن الأغرب أنه لم نسمع عن قيام أي جهة مسؤولة بالتحقيق في تلك الوقائع لمعرفة الحقيقة، ناهيك عن التحفظ على «المورّد» للأغذية التي تسببت في تسمم الطلاب، فضلا عن استدعاء مسؤولي التعليم والطلاب أنفسهم لسماع شهاداتهم وطلب تقارير طبية. لكننا سمعنا نداءات من أعضاء في البرلمان تطالب بتولي القوات المسلحة عملية توريد أغذية الطلاب لوقف هذه الظاهرة، وحماية الطلبة من التسمم، بسبب خراب ذمم الموردين، وهي دعوة غريبة، كما أنها إعلان واضح لغياب الحكومة. والسليم بأننا في مصر لم نعد نملك شيئا من مظاهر الدولة ومؤسسات الحكم إلا القوات المسلحة! الظاهرة الجديدة تذكرنا بما حدث في عهد الرئيس الأسبق محمد مرسي، عندما انتشرت فجأة ظاهرة تسمم مئات الطلاب في المدن الجامعية التابعة لجامعة الأزهر، التي أعقبتها مظاهرات صاخبة عمت ضاحية مدينة نصر إلى العباسية، وكما ظهرت حالات التسمم فجأة بين طلاب الأزهر اختفت فجأة».
لصوص الشعب
أما كرم جبر في «اليوم السابع» فيرى أن «الضربات المتتالية التي توجهها الرقابة الإدارية في قضايا الفساد، تؤكد الحاجة الملحة إلى ثورة تشريعية، تسد الثغرات وتمنع الفساد من المنبع، فما يتم اكتشافه قد لا يشكل إلا نسبة قليلة وما خفي كان أعظم، والأمر الغريب هو الجرأة والبجاحة وعدم الخوف، واتباع الأساليب القديمة نفسها في الرشوة، ولا يفكر هؤلاء في عيون الرقابة التي تتابعهم وترصد تحركاتهم، ولا في لحظات السقوط المدوي، ولا في العبر والدروس من سابقيهم، وأشهرهم وزير الزراعة الأسبق، الذي خرج من الوزارة مباشرة إلى طرة، انتظارا لمصير أسود، بعد أن كان صاحب منصب يتودد له الجميع. الناس جميعا يعلمون أن هناك جنة وناراً وحساباً وعقاباً وموتاً حتمياً لا يفر منه أحد، ورغم ذلك لا يفكر أحد في لحظة أن يغلق عليه القبر المظلم المخيف، تماما مثلما لم يفكروا أنه سيأتي يوم تغلق عليهم أبواب الزنازين، فتمتلئ الأرض والسماء بدموع الندم، وقت لا ينفع ندم ولا تجدي توبة. لقد تصور الفاسدون أن «الكفن له جيوب» فأخذوا يملأونها بالمال الحرام، الذي يمنحهم القوة في الدنيا، فلم يعطهم إلا عاراً في الدنيا، وحساباً عسيراً في الآخرة، هل سيذهبون بما نهبوه إلى القبر؟ هل يستمتعون به في زنازين طرة؟ هل تساوى الدنيا كلها الحبس والسجن والبهدلة؟ لو كانوا يعلمون مصيرهم، هل ارتكبوا الجرائم نفسها؟ المشكلة ألا أحد كان يفكر في المصير… أتعجب لرجال أعمال ومسؤولين سابقين، تسلحوا بالغباء والعناد وهم يُحاكمون الآن فى قضايا فساد، ويعضون بالنواجذ على المال الحرام الذي جنوه باستغلال النفوذ وتسخير السلطة، ولا يبادرون إلى التصالح وإبراء ذمتهم وضميرهم ورد الأموال المشبوهة للدولة، حتى يريحوا ويستريحوا ويعيشوا فى هدوء وسلام، ويغلقوا ملفاتهم السوداء ويعودوا إلى الحياة من جديد، لكنهم يصرون على المناورة والمماطلة والتلاعب أمام المحاكم».
مدارس لتخريج المجرمين
نتحول لحادثة تكشف مدى انهيار التعليم في مصر كما يشير مجدي سرحان في «الوفد»: «كالعادة.. تمخض الجبل فولد فأرا. الجبل هو النظام التعليمي المأسوف على عمره.. الذي لم تبق منه إلا أطلال منشآت ومدارس مهجورة من الطلاب والمدرسين، يعشش في أركانها العنكبوت وينسج الفساد خيوطه في كل مكان. أما الفأر، فهو العقوبة الهزيلة المعيبة، التي فرضتها مديرية التربية والتعليم في محافظة دمياط على «التشكيل العصابي» المتنكر في هيئة طلبة وطالبات في المدرسة الثانوية الفندقية المشتركة في رأس البر، الذين ارتكبوا واقعة الاعتداء السافر والإجرامي على معلمة اللغة الإنكليزية في المدرسة وئام الألفي، لأنها تجرأت وطلبت من 3 «بلطجيات» ولا نقول طالبات أن يدخلن فصولهن وألا يتسكعن بين طرقات المدرسة.
فقد قررت المديرية ـ مشكورة ـ معاقبة البلطجيات الثلاث بالفصل من المدرسة لمدة 15 يوما، ليعدن بعدها إلى المدرسة منتصرات معززات مكرمات. أما المعلمة التي أهدرت كرامتها وأهينت وطرحت أرضا وأشبعنها لكما وركلا بالأقدام والأحذية، فليس أمامها إلا أن تعيش وسط هؤلاء «الحوش» ذليلة مكسورة، أو تصون كرامتها وتجلس في بيتها، لتنعى انهيار الأخلاق وموت الضمير وانحطاط قيمة العلم. هذا الحادث لم يكن ولن يكون الأخير بين الجرائم التي يرتكبها ثلة من حثالة المجتمع المندرجة في مدارس التعليم الفني التي تحولت إلى «مفارخ» للمجرمين والفاسدين والمنحرفين».
الإضراب على الطريقة اللبنانية
الدرس اللافت في إضراب المعلمين في لبنان الذي يجب أن نتوقف عنده كثيرا في مصر، والذي استنتجه أشرف البربري في «الشروق»: «أن المعلم اللبناني لم يفكر في اللجوء إلى زيادة دخله على حساب الطالب والعملية التعليمية لمواجهة انخفاض دخله الرسمي، سواء كان ذلك في صورة دروس خصوصية للطلبة، أو البحث عن عمل آخر يستقطع جزءا كبيرا من وقته وجهده على حساب الطلبة في النهاية، وإنما لجأ إلى ممارسة حقه المشروع في الإضراب لكي يضع الدولة أمام مسؤوليتها في توفير دخل محترم للمعلم، حتى يقوم بدوره الحيوي في التعليم. بالطبع لا أدعو هنا المدرسين المصريين إلى الإضراب من أجل تحسين أوضاعهم، لأن الوقت في مصر قد تجاوز هذه المرحلة، وأصبح إصلاح المنظومة التعليمية أكثر تعقيدا من مجرد زيادة أجر المعلم، ولكن ما لفت نظري هو أن وزير التعليم اللبناني مروان حمادة، لم يخرج ليتهم المدرسين المضربين بالتأمر على مستقبل الطلبة ولا بالتخريب، وإنما أكد انحيازه وانحياز وزارته إلى المعلمين في مطالبتهم بالحصول على أعلى نسبة ممكنة في زيادة الأجور. كما أكد اتفاق الوزارة والمعلمين على ألا يؤدي الإضراب إلى إلغاء الامتحانات وإضاعة عام دراسي على الطلبة. الدرس اللبناني الذي لفت نظري هو هذا التفاهم بين مكونات المنظومة التعليمية الثلاثة، حتى في مشهد تبدو فيه المصالح متعارضة، فأولياء الأمور يؤيدون حق المعلمين في الإضراب، والوزير كذلك، والمعلمون يؤكدون حق التلاميذ في الحصول على خدمة تعليمية متميزة، مع حرصهم على مصلحة التلاميذ، على الرغم من الإضراب. في المقابل فإن المشهد في مصر على النقيض تقريبا حيث يبدو الأمر أقرب إلى تواطؤ أطراف المنظومة التعليمية على إفشالها».
عالم الكبار وعالم الصغار
«روت الصحف ونقلت خبر شراء مرسيدس للوزراء ونوابهم ولرئيس مجلس النواب ورؤساء المجالس النيابية. وهي من نوع خاص، مصفحة لتحميهم من طلقات الرصاص. وفي الوقت نفسه، كما يشير حسن حنفي في «المصري اليوم» لا حرج على الشعب من اقتناء التوك توك غير المرخص، المستعمل أو الجديد، المحلي أو المستورد، حتى يفك الشعب أزمته في المرور. يسير بها في كل مكان من دون مراعاة لقواعد المرور. فالحداقة والفهلوة تكفيان أو بضعة جنيهات لرجال المرور، كما يحدث حاليا في الأقاليم وأحياء الموتى. الوزراء سعداء بمركباتهم الفارهة وسائقيها على نفقة الدولة. والشعب لاه في التقاتل على اقتناء التوك توك، والسير في الحواري الضيقة. فالعالم عالمان: عالم الكبار وعالم الصغار، عالم المستكبرين وعالم المستضعفين، أهل الجنة وأهل النار. أهل الجنة يريدون المزيد. وأهل النار لا يشعرون بها ومثلها غيرها من الروايات الدالة على ما حدث في المجتمع المصري من تفاوت شديد بين طبقاته. ويتذكر الإنسان ثورة 23 يوليو/تموز القضاء على الإقطاع وورقة 30 مارس/آذار 1968 عندما طالب الشعب بألا تزيد الطبقات الاجتماعية عن واحد إلى عشرة بعد أن ظهرت الطبقة الجديدة من داخل الثورة، رجال القطاع العام وكبار الضباط، لولا أن عبد الناصر قضى نحبه قبل أن يحقق ثورته الثانية. في حين انقلبت الثورة الأولى إلى ثورة مضادة بعد نصر أكتوبر/تشرين الأول 1973 بما يسمى الانفتاح الاقتصادي، الذي بدأ بنهب أموال الشعب. وأصبح الفارق شاسعا بين سكان العشوائيات وسكان المدن الجديدة، بين من لا ماء للشرب لديهم ولا صرف صحي، وبين الحدائق والمساحات الخضراء حول الفيلات الجديدة، وأصحاب المرسيدس سعداء لأنهم يخدرون الشعب كل عام بأن مشاكلهم ستحل العام المقبل. فيعطونهم أملا خادعا للمستقبل. وينتظر الشعب عاما وراء عام والمشاكل تزداد. وكلما زادت المشاكل زاد الوهم بالخلاص، إن لم يكن في الدنيا ففى الآخرة».
هنيئا للديكتاتور
قلة فرحت ببراءة المخلوع مبارك من بينهم عبد الناصر سلامة في «المصري اليوم»: «هل كان الشباب الذي رفع شعار (آسف يا ريّس) على مدى ستة أعوام مضت، أكثر إدراكاً للواقع من السياسيين والمراقبين، هل كان حزب الكنبة الذي آثر الصمت أكثر فهماً لحقيقة ذلك الذي يدور في المجتمع، هل كان الانتقال الرسمي من حالة مبارك إلى حالة أبوتريكة أخيراً، بمثابة تأكيد على استمرار الطريقة نفسها في التفكير، من دون اعتبار لطبيعة المصريين، هل نحن شعب طيّب يغضب سريعاً ويعود سريعاً؟ هل هو اعتراف بالخطأ أم عفا الله عما سلف؟ هل هناك مستفيدون من استمرار هذه الأوضاع الملتهبة، عشرات الآلاف في السجون، ساحات المحاكم متخمة، تحقيقات هنا وتصفيات جسدية هناك؟ أعتقد أن الإفراج عن الرئيس الأسبق حسني مبارك يؤكد أننا كنا أمام وضع استثنائي، من الطبيعي ألا يستمر طويلاً، أو ألا يدوم، بالتالي كان يجب عدم تكراره، أو عدم التمادي في مثل هذه الإجراءات، لا بالمنع من السفر، ولا بترقب الوصول، ولا باعتقالات جزافية، ولا بأحكام جماعية، ولا بإقصاء، ولا تنكيل، ولا إدراج في قوائم سوداء، ذلك إذا كنا نبغي الاستقرار والأمان، والعودة إلى العمل والإنتاج بعد معاناة طويلة مع الاضطرابات والقلاقل، خسرت بسببها الدولة الكثير مادياً ومعنوياً على كل الأصعدة. بالتأكيد مصر «فيها حاجة حلوة» تمتاز بها عن سائر الأمم من حولنا، وهي أن الانتقام ليس من شيمة أهلها، يعودون إلى رشدهم مهما طال الزمن، الملك فاروق تم وداعه بـ21 طلقة وهو يغادر مصر، وعلى المركب المفضل لديه، وهو تكريم كبير في ذلك الوقت».
حسام عبد البصير