في أحد سجون مصر العديدة التي يتعهد النظام ويلتزم التزاماً شبه ديني بزيادتها ويتحمل في سبيل ذلك مشقةً جبارةً وتكلفةً باهظة مسابقاً الزمن، تحديداً سجن وادي النطرون، قبع منذ مايو الماضي وحتى وقتٍ قريب شابٌ يسمى أحمد الخطيب يقضي عقوبةً بالسجن لعشر سنوات.
وإذ عانى من تدهورٍ شديد في حالته الصحية طيلة السبعة شهور الأخيرة، تم نقله إلى مستشفى سجن طرة، بعد أن تقدمت عائلته باستغاثاتٍ عديدة وشكاوى إلى إدارة حقوق الإنسان بوزارة الداخلية (ليست هذه مزحة فهناك بالفعل هذه الإدارة) والمجلس القومي لحقوق الإنسان، وأخيراً نقل صباح الأربعاء 22 مارس إلى مستشفى الحميات العمومي وهو يعاني من هزالٍ وضعفٍ شديدين، وقد تبين أخيراً وبعد اشتباهٍ سابقٍ بإصابته بسرطان الدم، بأن حالته المؤسفة والمتردية تلك نتيجة إصاباته بطفيل «الليشمانيا»- يدٌ أخرى بيضاء من الدولة ووزارة داخليتها ومصلحة سجونها.
للأسف قصة أحمد الخطيب، ذلك الشاب الوسيم في مقتبل العمر، على حزنها المزعزع وما تسببه من ألم، ليست فريدة، بل مكررة آلاف، بل عشرات الآلاف من المرات، هي عدد المكومين فوق بعضهم بعضا في السجون والمعتقلات المصرية، كما أن تفاصيلها أيضاً مكررة، من اختفاءٍ قسري ثم اتهامٍ بالانتماء لجماعة إرهابية ومحاكمة فسجن.
بل لعل أحمد الخطيب أوفر حظاً من غيره، فهو ينتمي إلى تلك الفئة ممن أسميهم «مشاهير المساجين وضحايا النظام» من أمثال قيادات الجماعة وكوادرها الكبار كالمرشد السابق مهدي عاكف والباحث والكاتب هشام جعفر وإسماعيل الإسكندراني على سبيل المثال لا الحصر، ويتميز هؤلاء بوجود هيئات صحافية أو تنظيمية (ولو حتى تحت الحصار) أو لشهرتهم السابقة، تنادي بحريتهم وحقهم في العلاج، لكن عشــــــرات الآلاف غيرهم يقبعون إلى جانبهم في السجون نفسها أو أقسى يعانون ويقضون دون أن يدري بهم أحد سوى ذويهم، وربما دائرةٌ ضيقة من المعارف وزملاء العمل الخ، وليعذرني هؤلاء إن لم أذكرهم بالاسم.
ذلك هو الوجه الآخر لمصر، وتلك هي الحال التي وصل إليها المجال العام والسياسة -القمع التام والسحق تحت ثقل دولةٍ فظة وشديدة التضخم بقدر الترهل، ذلك هو الواقع الذي يهرب منه الجميع ويشيحون وجوههم عنه. والويل لمن يهاجم هذا الواقع ولو على استحياءٍ، حتى ولو من باب النصح والحرص على مصلحة النظام، وعلى سبيل المثال حين دعا صحافيٌ شهير كعماد الدين حسين في جريدة «الشروق» إلى الإفراج عمن لم تثبت الأدلة تورطهم في الدماء، ومن تستدعي حالتهم الصحية ذلك، متذرعاً بأن ذلك أحكم وأكثر حنكةً ويصب في مصلحة النظام والقبول به، هوجم. وحين دعا طبيبٌ شابٌ ناشط هو الدكتور طاهر مختار بحق الرعاية الصحية في السجون مندداً بجريمة الإهمال، حُبس.
وجهٌ آخر مسكوت عنه لصورة النظام ورئيسه
والسؤال الذي ينتصب متضخماً في وسط كل هذا الجنون: لماذا كل هذا؟ لماذا يصبر الناس وتتحمل ضمائرهم جريمة المشاركة ولو بالصمت على كل هذه الدماء؟ لماذا يتجاهلون ويشيحون بوجوههم؟ والإجابات سهلة وحاضرة يجترها الكثيرون ولن يلبثوا أن يصفعوا بها أي مشكك: الحفاظ على الدولة، الخوف مما هو أسوأ، لقد تعبنا، قمنا بثورة وانظر أين نحن، المؤامرات.. الاستقرار.. وبالطبع لن يكتمل الرد دون الاستشهاد بالصيغة والمقولة المأثورة والمؤسسة لتحالف 30 يونيو: أليس أفضل من أن يحل بنا ما حل بسوريا والعراق؟
لست هنا بصدد المزايدة على الناس، وأتفهم تماماً احتياجاتهم وأشواقهم للاستقرار، كما أدرك وأتعاطف مع ما حط عليهم من الإعياء جراء تدني مستويات المعيشة، نتيجة سوء الأداء الاقتصادي وتحرير سعر الصرف والتضخم. إلا أن السؤال الأهم الآخر، وهو في الحقيقة توأم السؤال الأول: هل هذه دولة وهذا نظام يستحقان الاستمرار؟
مما لا شك فيه أن تلك الحالة المتردية للاقتصاد هي نتيجة مباشرة لســـياساته وخياراته وانحــــيازاته الاقتصادية، ومن التجني، بـــل البذاءة، تحميلها للناس أو منظمات المجتمع المدني من هيئاتٍ حقوقـــية وأحزاب الخ.
والشاهد أنه في غيبة تنظيماتٍ حقيقية ذات أرضية على الشارع (باستثناء الإخوان المسلمين وفق صيغةٍ من التعايش القلق مع النظام) جراء مزيجٍ من التهميش والقمع والمتغيرات العالمية، مما ليس هنا المجال للخوض فيه، افتُقدت قيادة حقيقية ذات مزاجٍ ونفسٍ ثوريين تستطيع أن تقود وترشد وتنتبه للمزالق والمؤامرات، قيادة ذات صوتٍ عالٍ مسموع لا يفلح النظام في تكميمه أو العلو عليه، وتلك نقطة فارقة الأهمية لا بد من التأكيد عليها.
يقيناً كانت هناك عقول ورؤى، لكن لم تستوف الشروط التي سبقت. لذا، فقد برز النظام، بكل علاته وعلى مرضه، أقوى، وتسيدت سرديته وأكاذيبه عن المؤامرة والحفاظ على الدولة التي بدت للكثيرين، ممن استبد به الخوف من الفوضى وافتقاد الأمن في الشوارع الملاذ الأخير. لم يلتفت كثيرون إلى مسؤولية تلك الدولة بالتحديد، عن فشل الثورة وعن الفوضى وغياب الأمن. لقد أضحت الدولة صنماً يركع ويسجد الناس أمامه حفاظاً عليه هلعاً من غوائل الطبيعة.
وفي غيبة تنظيماتٍ ثورية ذات صوتٍ مسموع ورؤى مغايرة، تسيدت رؤية الطبقة الحاكمة مرةً أخرى واستغل الإعلام، حكوميا وخاصا، وكلاهما تابعٌ للطبقة نفسها، لتسييد أخلاقياتها وأحكامها ومنظومتها القيمية على الناس، أي إعادة بسط هيمنتها الفكرية، مع فارق ربما بسيط ألا وهو محاولة سحب البساط من تحت الإخوان المسلمين وإعادة الاستحواذ وتأميم الخطاب بمفردات التأسلم، وهو ما لم تنجح فيه. ولما كانت الطبقة الحاكمة في مصر طبقة رثة تماماً، عديمة الكفاءة والخيال وقد استنفدت نفسها من الناحية الفعلية، منذ ما يزيد على الثلاثين سنة، فمن الطبيعي، بل المحتم، أن تأتي نظرتها وآراؤها حزمةً مهلهلةً من الهراء والغموض، فيخلط الناس بين مصر البلد، والدولة التي هي أداة ومركب اجتماعي- سياسي ذو انحياز في حقبة تاريخية، ومع شحن بطاريات الوطنية حد الهوس يتصور المواطنون ذوو الحمية والنخوة أن الدفاع عن الدولة، أي تلك الحلقة والحفنة من اللصوص والجلادين والبيروقراطيين المترهلين، هو عينه الدفاع عن مصر، غير مدركين أن الطغم العسكرية، في كل مكانٍ على سطح الكوكب، هي السبب في الهزائم والإفقار والتجريف وانتهت جميعاً تقريباً إلى مزابل التاريخ…وبقيت البلدان وبقي الناس.
لست آتٍ بجديد إذا أكدت أن الوضع شديد السوء والرداءة على كل الأصعدة، وأن الكثيرين مرهقون ويخشون الأسوأ في مستقبلٍ غامض ولا يُطمئِن وسط عالمٍ متغيرٍ بسرعة، وهم في خضم ذلك لا يريدون أن يروا تلك الدماء التي تسيل، ويريدون بشدة أن يصدقوا سردية النظام وأكاذيبه عن المؤامرات والإنجازات، ولم يعد لهم من همٍ سوى التحايل على المعايش والحفاظ على صنم الدولة ذاك. إلا أن الأكيد أيضاً بالأدلة والشواهد، هو أن هذه الدولة وهذا النظام ليس لديهما أي فهم للمشاكل العالقة والمتوارثة التي تسببا فيها، ناهيك عن المقدرة على التعامل معها، وعوضاً عن ذلك، واستمراراً واستمراءً للثأر، تتمادى الدولة في التوحش والبلادة وإدارتهما كبديلٍ وحيد للثورة التي تكنس جانباً كل هذا الركام.
السؤال هنا للناس المتغافلين والهاربين من الحقيقة: كم من الناس سيقضي في أوضاعٍ مزرية في السجون كالأضاحي على مذبح الاستقرار في طقسٍ بدائي همجي من أجل صنم هذه الدولة قبل أن يواجه الناس حقيقته؟
سؤالٌ آخر: هل نحن فعلاً متدينون ولدينا ضمير وأخلاق؟
٭ كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل