جرت انتخابات التجديد النصفي لمجلس نقابة الصحافيين المصريين، وكانت المنافسة على موقع النقيب وعلى مقاعد ستة آخرين من أعضاء مجلس النقابة، وانعقدت الجمعية العمومية، وتأجلت من الجمعة 3 آذار/مارس ليوم الجمعة 17 مارس الحالي، لعدم اكتمال النصاب، وتقدم لموقع النقيب سبعة مرشحين؛ بينهم النقيب المنتهية مدته يحيى قلاش، ووكيل النقابة الأسبق عبد المحسن سلامة، والمتنافسون على نصف مقاعد المجلس كانوا 73 مرشحا من مختلف الصحف والاتجاهات؛ منهم 17 مرشحا من مؤسسة «الأهرام».
وكان التوقع أن تكون الانتخابات الأعنف والأكثر توترا؛ في تاريخ نقابة عريقة؛ تجاوز عُمرها 75 عاما. وهناك من توقع أنها لجر الجماعة الصحافية بمجملها إلى مسافات تبعدها عن العمل النقابي والمهني. وكانت المقدمات غير مبشرة مع تصاعد حملات شيطنة الصحافة والصحافيين، إلا أن المتحصنين بالوعي والمتميزين بسعة الأفق والولاء الوطني لعبوا دورا في التغلب على ما تسعى له قوى لا ترى أبعد من وقع أقدامها، وتعادي الحريات لمصلحتها الخاصة أو لارتباطات غير معلومة، أو المؤيدين لعودة منظومة «الاستبداد والفساد والتبعية»، وبعض هؤلاء حقق نجاحات كبيرة، وأعاد إنتاج سياسة تجاوزت ما كان عليه الوضع إبان حكم عائلة مبارك، ونزلت عليه تبرئة الرئيس المخلوع من تهمة قتل المتظاهرين، وبعودته إلى قصره الفخيم، مكافأة له على أكبر عملية نهب حدثت في التاريخ المصري المدون؛ نزلت عليه بردا وسلاما!.
وكان المناخ الذي سبق إجراء الانتخابات مشحونا بشكل كبير ومحتقنا بين أوساط عريضة من الرأي العام؛ بعد صدور أول حكم في تاريخ الصحافة المصرية بحبس نقيب الصحافيين واثنين من زملائه في مجلس النقابة لمدة سنتين وتغريم كل منهم عشرة آلاف جنيه؛ ونتج ذلك عن تداعيات اقتحام قوات وزارة الداخلية لمقر النقابة مساء الأحد الأول من أيار/مايو الماضي؛ بدعوى «ضبط وإحضار» إثنين من شباب الصحافيين؛ هما عمرو بدر ومحمود السقا، بتهمة مخالفة قانون التظاهر، وتم الاقتحام بعد أسبوع من «جمعة الأرض» في 25 نيسان/أبريل 2016 ردا على التنازل عن جزيرتي «تيران وصنافير»، ونشبت أزمة بين الرئاسة والحكومة ووزارة الداخلية كطرف أول، والنقيب وأغلب أعضاء مجلس النقابة ومؤيديهم كطرف ثاني.
تجاهل الطرف الأول أو تناسى أن الأصل هو واقعة الاقتحام، وما بدر من الطرف الثاني من رد فعل ومن توابع وتداعيات الفعل الأصلي، ولم تبد الرئاسة والحكومة ووزارة الداخلية أي مرونة، ولم تعنها التهدئة، واتخذت من دعوة نقيب الصحافيين لاستقالة وزير الداخلية، واعتذار رئيس الجمهورية على تصرف لم يحدث إلا في عهده وتحت رئاسته، وقابلت هتافات الصحافيين على سلم النقابة المحاصرة بقوات الأمن، وحملت الرئاسة مسؤولية قرار الاقتحام؛ قوبل ذلك بتصعيد غير مبرر، وبدء تشغيل آلة «التأديب» وإطلاقها على الصحافة والصحافيين. وصدر حكم الحبس الخاص بالنقيب يحيى قلاش ووكيل النقابة خالد البلشي وسكرتيرها العام جمال عبد الرحيم؛ بالحبس سنتين وتغريم كل منهم عشرة آلاف جنيه، وحين تم الطعن في الحكم أمام محكمة مستأنف جنح قصر النيل، في 25 شباط/فبراير الماضي، تزامن موعد نظر الطعن مع توقيت إجراء انتخابات التجديد النصفي لمجلس النقابة، في الثالث من مارس الحالي، لكنه تأجل إلى السابع عشر منه، بسبب عدم اكتمال النصاب.
ورغم ذلك وضعت الإنتخابات أوزارها، وفاز عبد المحسن سلامة بمقعد النقيب، حيث أدلى 4631 عضوا بالجمعية العمومية بأصواتهم، وبلغت الأصوات الصحيحة 4417 والباطلة 107 صوتا؛ حصل سلامة منها على 2457 صوتا، ونال قلاش 1890 صوتا، وكان الفارق 567 صوتا، وفاز واحد من الاثنين اللذين اعتصما بمبنى النقابة طلبا للحماية، قبل عملية الاقتحام وضبطهما والقبض عليهما، وادعى بيان وزارة الداخلية بأنهما ليسا صحافيين، وهذا الفوز دحض ما جاء في البيان الذي بررت به وزارة الداخلية واقعة الاقتحام. وهذا مع فوز ستة من بين المرشحين على نصف مقاعد مجلس النقابة؛ بينهم عمرو بدر المحكوم عليه بسنتين وعشرة آلاف جنية غرامة، وأكد فوزه على وعي الجماعة الصحافية، وجاء في صالح العملية الانتخابية، على الرغم من قول أحد شيوخ المهنة أن فوزه كان «خطأً»، وكان بذلك ملكيا أكثر من الملك!.
وضرب يحيى قلاش النقيب السابق والمرشح الخاسر؛ ضرب كعادته المثل؛ متقبلا الخسارة بسلوك مُتحضّر، كما جاء في تعليق الكاتب أحمد عبد التواب في عموده «كلمة عابرة» المنشور في اليوم التالي بصحيفة «الأهرام»، وقال أن قلاش تقبّل الأمر دون جدال «وتقدّم فوراً بالتهنئة للنقيب الفائز عبد المحسن سلامة وللأعضاء الداخلين للمجلس الجديد». ورأى عبد التواب أن ذلك يوفر أجواء صحية لعهد جديد بلا مُنغصّات تُضاف إلى طبيعة العمل النقابي الصعب في ظل ظروف عامة لا تكون عادة مواتية للمأمول.
واقترح عبد التواب، ويبدو أن اقتراحه نابع من حرص على النقابة والعمل النقابي؛ اقترح أن يكون أول التحديات الكبرى على عاتق النقيب سلامة، أن يعمل على تصفية القضية التي كانت محور الخلاف الكبير في النقابة عبر الأشهر الأخيرة، «والتي صدر فيها حكم ابتدائي بحبس النقيب السابق قلاش، ومعه عضوين من المجلس السابق؛ بتهمة توفير المأوى لمطلوبيْن من النيابة العامة، خاصة أن الجمعية العمومية أعطت ثقتها لأحد العضوين المدانين، وفاز فى المجلس الجديد (جمال عبد الرحيم)، بل فاز أيضاً أحد المتهميْن الرئيسييْن فى القضية (عمرو بدر)، وهى رسالة قوية تحمل معاني كثيرة، ينبغي أن يأخذها النقيب سلامة في اعتباره، وحتى لا يكون لعهده سابقة أن يشهد لأول مرة فى تاريخ النقابة حبس نقيب سابق في قضية نقابية». وأضاف عبد التواب أن النقيب سلامة يعلم أن النقابة تمرّ الآن بظرف جرى فيه استقطاب حاد بين أطرافها في قضايا سياسية، وبعضها مسائل يستحيل فصلها، ورأيه يصدر من شخص على دراية وفهم لطبيعة العلاقة بين الصحافة والسياسة؛ «مما يجعل الكلام عن الفصل الكامل بين العمل النقابي والنشاط السياسي اختيارا غير عملي في الممارسة اليومية»، ويمكن الاتفاق على ألا يُزَجّ بالسياسة، ولكن يستحيل تجاهلها بالمطلق. وضرب مثلا بما شهدته النقابة قبل عقدين مع واحدة من أكبر معاركها، واعتبره وسيلة إيضاح للتداخل الطبيعي بين الصحافة والسياسة، ونجح النقيب آنذاك في إدارتها بالاشتراك مع كل الاتجاهات النقابية والسياسية؛ حتى عبرت النقابة إلى برّ الأمان. وهو ظرف شبيه يواجهه اليوم النقيب الجديد، ولديه قدرات شخصية وخبرات نقابية سابقة وتجربة العمل في مجالس الإدارات، ما يمكنه أن يقطع أشواطا كبيرة سريعة.
وذلك هو مربط الفرس في الدراية والفهم، فكل الوافدين إلى المواقع المسؤولة في السنوات الست الأخيرة دخلوها «من الدار للنار» ويخلطون بين الأعمال الخيرية والنشاط النقابي، وبين العمل الإداري والعمل السياسي، والوظيفة التنفيذية، ولا يفرقون بين الدور التشريعي وتقديم الخدمات، وهكذا لكل مجال أصوله وقواعده ورجاله والضالعون فيه. وكلها مجالات مختلفة ومستقلة؛ لكنها متصلة ومتكاملة.. ولو كان ذلك الفهم سائدا، لانحسر الخلط وقل الارتجال، وما كان لهذه الأزمة أن تحدث. وما كان لها أن تكون من الأصل.
٭ كاتب من مصر
محمد عبد الحكم دياب