الإنشاد الديني طلب ونشدان، طلب يلوذ فيه المنشِد بالمدائح والأذكار وترتيل القرآن والإشادة بسيرِ الرسول والصحابة ومقامات الأولياء سبيلاً إلى تحقيق سكينةِ روحه، ونشدان يتقصده الدنيوي لمعانقة فضائه الإلهي. وهو ممارسة نجد لها حضورا في ثقافة المجتمعات القديمة على غرار الترانيم اليهودية وتراتيل الكنائس المسيحية وأغاني الفراعنة لنهر النيل.
ثم إن الإنشاد تعزز بمجيء الإسلام، فاتخذ له في بداياته صورة ترتيل القرآن والحرص على طراوةِ صوتِ الأذان حتى قال فيه عمر رضي الله عنه: «لولا الخلافة لأذنت». وقد اشتهر بعض الصحابة بحسن تلاوتهم للقرآن مثل أبي موسى الأشعري الذي خاطبه النبي لما سمع تلاوته بقوله: «يا أبا موسى لقد أوتِيت مزمارا من مزامير آل داوود» وفق رواية البخاري. ثم تطور الإنشاد في ما بعد ليأخذ له أشكالا عديدة ظلت تمارس داخل المساجد على غرار الدعاء والتسبيح والمديح والأذكار في المناسبات الدينية مثل عِيدي الأضحى والفِطر والمولد النبوي الشريف.
والظاهر أن الإنشاد الديني شاع في البلدان الإسلامية مع ظهور الطرق الصوفية، إذ لم تعد ممارسته حكرا على المساجد وإنما اتخذ له في الزوايا شكل «الحضرة» التي يروض فيها الجسد والنفس بأشعار ابن عربي وابن الفارض والحلاج وأبي شعيب الأنصاري لاستحضار حالة إيمانية صافية.
وقد استمر حضور الإنشاد في مناسبات الناس الدينية والشخصية إلى يومنا هذا وانتشر في أغلب أقطارنا العربية وصارت له مدارس تنتمي كل واحدة منها إلى قطب من أقطاب الصوفية كالقادرية والشاذلية والعيساوية والنقشبندية والسلامية على حد ما هو موجود بشمال افريقيا وخاصة في تونس. وفي هذا الشأن يذكر الباحث فتحــي زغندة المختص في التراث الموسيقي التونسي ضمن مقالة له موسومة بـ«الأناشيد الصوفيـة والموسيقى الدنيوية في تونس بين الائتلاف والاختلاف» أن الزوايا في المغرب العربي وفي تونس خاصة قد لعبت دورا محوريا في انتشار الأناشيد الصوفية «حيث وجد فيها أتباع الطرق ملاذا يمارسون الموسيقى والإنشاد بعيدا عن أنظار المحرمين للممارسة الموسيقية، والزاوية فضاء لزيارة الأولياء والصالحين، يجتمع فيه المنتسبون إلى إحدى الطرق الصوفية قصد التعبد والذكر والتقرب من الله تعالى ومدح شيوخ الطريقة وتقديم النذور والصدقات للفقراء والمحتاجين وللتعارف والترفيه عن النفس بإنشاد القصائد والمدائح». ومن أشهر نصوص الإنشاد الديني في تونس ما ابتهل به لطفي بوشناق لله تعالى:
يا سيدي أتيت لك ٭ عبدا وقد أسلمت لك
العجز لي والملك لك ٭ والذل لي والعِز لك
فالعبد عبد ما سلك ٭ كلا ولو حتى ملك
فالفضل كل الفضل لك ٭ لولاه كل قد هلك
أنت الذي أجرى الفلك ٭ ولكل شيء قد ملك
فارحم عبيدا قد قال لك ٭ الذنب لي والعفو لك
وقد انفتح الإنشاد على استعمال بعض الآلات الموسيقية في اللاحق من تاريخه، حيث جمع بذلك بين الأهداف الدينية والأهداف الفرجوية. ومن تلك الآلات التي تحضر في الإنشاد الديني في تونس نذكر «الدربوكة» و«البندير» و«الزكرة» و«الكلارينات»، وهي آلات تؤثث بها «الخرجات» التي تتخذ لها صورة احتفال شعبي يتجمهر فيه أتباع الطريقة الصوفية رافعين أعلام زواياهم وتكاياهم وهم يتوجهون صوب ضريح من أضرحة أولياء الله الصالحين وسط أجواء دينية تفوح منها روائح البخور والعنبر والمسك وتتخللها نخبة من الأشعار والمدائح والابتهالات الصوفية.
ومن أشهر تلك «الخرجات» و«مواسم» الإنشاد الديني التي يقبل عليها الناس في تونس نذكر سهرة «الحضرة» التي أخرجها الفنان الفاضل الجزيري وشارك فيها لطفي بوشناق، و«خرجة سيدي علي الحطاب» في مدينة المرناقية و«خرجة سيدي أبي سعيد الباجي» في ضاحية سيدي بوسعيد و«خرجة سيدي مسعود» في جزيرة قرقنة و«خرجة سيدي الشريف العجمي» في ضاحية حلق الوادي و«خرجة سيدي عامر» في مدينة المنستير و«موسم سيدي عبد القادر» في منزل بوزلفة و«موسم سيدي علي عزوز» في مديـــنـــة زغـــوان و«موسم سيدي الصحبي» في القيروان و«موسم سيدي أحمد التليلي» في فريانة و«موسم سيدي بو علي» في مدين نفطة.
وتتحول الخرجات في تلك المدن والضواحي إلى مسارح مفتوحة وعروض كرنفالية كبيرة يشارك فيها الصبية والنسوة والرجال، وتذبح فيها القرابين، وترتفع فيها الأدعية، وتشعل فيها الشموع، ما يجعل الديني فيها يمتزج بالدنيوي ويرقى به إلى المراقي الوجدانية العليا التي تصفي الروح وتخفف عنها ثِقل أيامها وحمولاتِ أوهامها، وغالبا ما تبلغ نشوة الإنشاد الديني ببعض المنشدين والحضور مبلغ حالات الإغماء والتخمر.
ومن أشهر المنشدين الدينيين في تونس نذكر الشيخ علي البراق والشيخ عبد المجيد بن سعد والشيخ محمد شقرون، وقد ظهرت أسماء جديدة في مجال الإنشاد نخص بالذكر منها فوزي بن قمرة وحسين بن عامر وأحمد الجلمام وحاتم الفرشيشي ومنير المهدي وعادل سلطان.
عبدالدائم السلامي