يقدّم الباحث العراقي فارس نايف الفايز في كتابه الصادر حديثاً «تمثّلات الموت في الرواية العراقية 2003- 2013» مبحثاً مهماً من مباحث السرد العراقي، سرد الكتابة وسرد الحياة معاً، فلم تتخلص رواية أو مجموعة قصصية أو شعرية عراقية من فكرة الموت وتمثّلاته، حتى عدّ بعض النقاد أن اللغة العراقية لغة حزن منذ سومر وحتى الآن.
الحزن العراقي كان واضحاً في الرواية، منذ بداياتها وحتى يومنا هذا، وهنا يتحدث الفايز عن الموت وأشكاله مبيناً أنّ الباحث الذي يدرس الموت عليه أن يضع في حساباته الانزلاق بين فكّيه، يعاني (فوبياه)، ويصارع أوهامه التي تحط به على تخوم الرعب من المصائر المجهولة، ويكابد ما ستقوده إليه عنوة مشاعره وأحاسيسه من أخاديد الكآبة، وأنفاق الحزن والآلام، لأن مجرد ذكر اسم الموت، يستدعي في ذهن الإنسان أمواجاً متلاطمة من الأفكار، والهواجس والتأملات في عوالم محاطة بالأسرار والألغاز، وتلك هي قضية الإنسان الكبرى، والصخرة التي تكسرت عليها أحلامه، وآماله وطموحاته ولذائذه.
ويضيف الفايز في تقديمه لكتابه، أنه مثلما تكفلت الرواية بواجبها، ورصدت انهيار الواقع، وغطت حركة التاريخ والمجتمع، فامتلأت بذلك مشاهدها وفصولها السردية، وأعرب كتابها عن مواقفهم في إدانة الوضع المأساوي المتردي، فإنه يتعين على الباحث كذلك أن ينهض بدوره، فيستغور هذه النصوص الروائية، ويستكشفها وينقب في المضامين التي انبثقت عنها، ليجلو العوامل والدوافع، ويحلل مواطن القوة والضعف، ويطرح مساءلاته التي تسهم حتماً بإنضاج الفعل الإبداعي، وإنارة المساحة التي تقف عليها الرواية العراقية وسط مثيلاتها من الإبداع الروائي العربي والعالمي، فكانت هذه المهام التي تناط بالنقد من أهم البواعث التي حثت الكاتب على اختيار موضوعة الموت في الرواية العراقية.
قسّم الفايز كتابه إلى ثلاثة فصول، كان الفصل الأول معنياً بـ»تمثيلات الموت في المتن الروائي»، تناول فيه أشكال الموت في الرواية والمؤديات التي أنتجت تلك الأشكال الموتية، ولم يقتصر فيه على الموت المادي الفيزيقي، إنما شملت الدراسة مظاهر الموت الرمزي والمعنوي كذلك.
في حين استعرض في الفصل الثاني «دلالة الموت في البنى الروائية» الدلالات والإيحاءات التي ينسجها الموت في تعالقه مع البنى الروائية، وكيف أن الروائي يبث الموت وسط تلك البنى مستثمراً الإمكانات المعبأة في المفهوم ليصل إلى غايات معينة، ولكن بطرائق فنية تتسم بالتجديد والجرعات التجريبية المنفلتة عن التقليدي والنمطي، لشد المتلقي والاستحواذ على ذهنه وإمتاعه بطرق مغايرة.
وفي الفصل الثالث «التوظيف الفني للموت في الرواية» تتبع الكاتب التوظيف الفني للموت وما خلقه من معطيات فنية وجمالية في الرواية والدماء الجديدة التي يمكن أن يضخها في شرايين العناصر السردية، والجاذبية المترتبة عنها في النص والمناص في الآن نفسه.
وانطلاقاً من فكرة الانفتاح النابعة من عدم استقرار الرواية على شكل نهائي، وتمردها على التنميط والثبات، واتساع موضوعة الموت على جوانب عدة تاريخية، واجتماعية، ونفسية، فضلاً عمّا أحدثه من إضافات بنيوية، وموضوعية في الراوية العراقية، ارتأى الفايز أن يتكئ في مقاربة النصوص على أكثر من منهج نقدي، نافراً من الرؤية الأحادية، والأحكام المسبقة، والقوالب المعدة سلفاً للتفسير سعياً لإثراء التأويل وتجنباً لتقويل النص ما لم يقله.
سعى الفايز في كتابه هذا إلى تتبع كل ما يمكن أن يمت للموت بصلة وطرحه من خلال رؤاه النقدية، الموت جسداً أو غياباً أو انفصالاً أو في أشكاله العديدة الأخرى، وهذه الرؤى هي ما أوصلته لنتائج كثيرة في بحثه، فقد تمثلت الرواية العراقية الموت بكافة أشكاله وطرزه، المادي والمعنوي، والآتي منها بسبب طبيعي أو بأثر العنف، ولكن التركيز كان على الموت العنفي في محاولة من كتاب هذا الجنس الإبداعي- الرواية- للحفر عن العوامل المؤدية إلى هذه الكثافة من الموت وبيان آثاره وما أدى إليه من تسميم حياة الشخصيات وحشرها في مصائر مأساوية ونهايات فظيعة.
كما أظهرت النصوص الروائية في جل محكياتها أن المتسبب الأول في جريان أمواج الموت المتلاطمة وعلى طول التاريخ هو السلطات الشمولية المستبدة وما تعاقب معها من الغزاة والمحتلين، إذ لم يقدم الجميع للمجتمع الخاضع لكلا القوتين (السلطة/ الاحتلال) غير الفقر المدقع والأمراض والخراب والزج في الحروب بالنيابة أو الحروب العبثية والقهر السياسي وقمع الحريات وانتهاكها ونصب الخوازيق والمشانق وإقامة كرنفالات الإعدام الفردي والجماعي وملأ بقاع البلاد بالمقابر الجماعية، واتفقت كافة المسرودات في الرواية بعد 2003 على استئثار البعثيين بالنصيب الأوفر من تدمير حياة العراقيين وحشرهم في مطبات الموت اللانهائية.
من جهة أخرى، فقد كان الموت المعنوي الذي كابدته الشخصيات موازياً بقوته واحتدامه الموت المادي العنفي، فقد أحدثت الحروب المتوالية وصروف الاستبداد والقهر وانتهاك الكرامات وامتهان إنسانية الشخصيات إلى زعزعة القيم وتشويش الأفكار وانحطاط المجتمع فسادت الخيانات والسرقات والإساءة إلى العلاقات الإنسانية فتشتت العائلة وتشرذمت ودب في كيانها العداء والتناحر وتهاوت صروح المثابات الأخلاقية والقيم الإنسانية إذ تنكر الأب لأولاده والزوجة لزوجها والجار لجاره فانتشرت حواضن الرذيلة والانحدار والبغضاء والفجور.
كما تسببت المناخات نفسها بتعطيل عوامل النهوض والتقدم، فبدلاً من بناء المصانع والمؤسسات والمجمعات السكنية بنيت معسكرات الجيش وزنازين السجون وتشابهت حياة الشخصيات خارج تلك السجون مع التي في داخلها إذ أصبحت البلاد سجناً كبيراً مدججاً بالجوع والحصارات والانكسار وبالخوف والرهبة وتكميم الأفواه ورضوخ الشخصيات كالعبيد وتحولت الزنازين إلى قبور فوق الأرض فقد مورست على السجناء ألوان من التعذيب يصعب على الخيال تصديقها أدناها الاغتصابات وآخرها الجنون والمسخ كما في أبطال روايات «على فراش الموز» إذ يجبرون السجين على النهيق كالحمار، ومن يفلت من براثن الطغيان والظلم فإنه سيعاني مرارة المنفى وقلق الروح المنبتة عن موطنها يكتوي بنيران الحنين إلى الوطن الذي ذاق فيه العسف ويواجه الطرد من مجتمع لا يقبل ذوبانه فيه واندماجه بالكامل فيعيش تلك المنطقة الزئبقية من قلق المصير وضياع الهوية والتعليق في فراغ الروح الضائعة بين الحاضر والماضي.
ويلحظ الفايز أن الرواة والشخصيات لم ينشغلوا كثيراً في تأمل الموت وإبداء الأفكار العميقة حوله كما لم يعثر على تفسيرات فلسفية أو فكرية سوى بعض النتف المتناثرة من الأفكار التي تمت للفلسفة الوجودية كما في رواية «في الطريق إليهم» ورواية («في باطن الجحيم)» وإنما كان هاجس الشخوص الأكبر هو تسجيل صور الموت وحشد أكبر ما يمكن منها من المشاهد وبيان فظاعتها وكثافتها والقبض عليها في الذاكرة وتوجيه أنظار المروي إليه الداخلي والخارجي إلى بشاعة ما حدث ويحدث في حق شعب أحاط به مصير أسود.
وحسب الفايز، فإن ما يحسب للرواية العراقية بعد 2003 أنها تماست مع هموم مجتمعها وأعلنت عن نكباته وعرضت لمراحله السياسية والإيديولوجيات المتصارعة فيه وإلى نظمه العرفية وقد ابتعدت في ذلك عن ارتفاع منسوب الإيديولوجيا وتصاعد ضجيج الصوت الخطابي والشعاراتي وجسدت ما تريده من خلال حركة الشخوص وحواراتهم وسير حياتهم. لهذا فقد انشغلت الرواية العراقية بعد 2003 بإلقاء الضوء على صور الموت التي أعقبته بتداعيات الاحتلال الأمريكي، وقد اتفقت معظم محكياتها على تجريم المحتل وفضح وتعرية همجيته وعنجهيته وتعطش جنوده لدماء العراقيين، كما وثقت المآسي التي جرها على البلاد من خلال عمله على تغييب الوحدة الوطنية وبث روح الفرقة وانعاش الهويات الفرعية القومية والمذهبية فنمت منظومات فكرية متضاربة ومتقاطعة وتفشت الطائفية وأغرقت البلاد بدماء النزاع المحلي والقتل على الهوية وانتشرت عصابات الجريمة والخطف والقتل والسلب.
المحكيات الروائية التي درسها الفايز لم تقف عند عرضها للإرهاب عند تفاصيل تنظيمات الإرهابيين وتكوينات خلاياهم ودوافعهم الحقيقية في الانتماء لتلك التنظيمات والظروف المحيطة بشخصياتهم وتواريخهم والمجتمعات التي انحدروا منها فضلاً عن السلم التراتبي الذي تنتظم فيه خلاياهم وإنما انصب اهتمامها على تدوين بشاعة أساليبهم في القتل وإدانة وحشيتهم وتوثيق صور الجثث المحطمة والأشلاء المتناثرة جراءهم.
ولخصوصية الرواية النسوية العراقية، فقد كان لبصمتها الخاصة في تسجيل صور الفقد والمواجع المتقدة وبيان معاناة المرأة في ظل طواحين الموت بمختلف مواقعها، المرأة الأم، الزوجة، والحبيبة والأخت، وكذلك المرأة المثقفة المضطهدة وما تعانيه من حيف مزدوج فهي تقع تحت وطأة السلطة السياسية وسلطة أخرى هي التقاليد والأعراف وتحيزاتها الثقافية للذكورة والمرأة الكاتبة أقدر على استظهار كل ذلك واستنطاق المتواري والمسكوت عنه منه والعمل على مواجهته ومقاومته وتجلى جانب من تلك المواجهة في لون من السرد تقود فيه حركة الأحداث إلى تهشيم الصورة النمطية للمرأة الضعيفة السلبية وتمزيق أقنعة الذكورة المزيفة وقلب الصورة والوصول في مجريات السرد إلى قتل الذكر مادياً ومعنوياً أو فنياً للخروج من قمقم الخنوع والأنوثة الراضخة التي لا تعدو أن تكون جسدا للمتعة والتلذذ.
وبعد البحث تأكد للفايز أن الروائيين العراقيين سعوا إلى أن تكون كتاباتهم غير خاضعة للنظم المقولبة والتقليدية من حيث المواضيع أو التقنيات وبذلوا جهدهم في ارتياد مناطق جديدة من التجريب والتجديد وقد وظف كثير منهم أساليب القص الحديثة فتداخل في الرواية الخيال المغرق بالوهم والغرائبي والعجيب مع الواقعي المرجعي والتوثيقي والشعري مع التسجيلي والمحكي عملا على جذب المتلقي وشدّه بحبال التشويق والإدهاش، وأفادتهم ثيمة الموت كثيراً في ذلك لكون الموت من القضايا الحساسة والأساسية في حياة كل إنسان وكذلك توظيف ما تنطوي عليه فكرة ما بعد الموت بعوالمها المغيبة والملغزة في طرح نظم من القص العجائبي تمد المشاهد بجرعات من التجديد تأخذ بعنق المتلقي إلى ارتياد مناطقها والإنصات إلى أفكار الشخصيات وهموها وفق آليات مغايرة وغير مباشرة أو تقليدية.
ويختم الفايز كتابه مبيناً أن الرواية العراقية استثمرت موضوعة الموت فنياً فأثرت به موضوعاتها وبداياتها وإنتاج عناوينها المتشظية بالدلالات الجاذبة وتطريز مقدمات المحكي باستهلالات تضيف إلى رصيد المتلقي اللغوي والفكري. كما أفادت الرواية مما يجترحه الموت من طقوس تحيط به وأعراف ومشاعر من لون خاص وما يتطلبه من أماكن تنشأ بمقتضاه ما استولد أماكن بكر أغنت المحكي وشعبته وعبأته بالجاذبية والمتعة والتشويق.
فارس نايف الفايز: «تمثّلات الموت في الرواية العراقية 2003- 2013»
دار الرافدين، بيروت، 2017
252 صفحة.
صفاء ذياب