ما كشفت عنه «هآرتس» في الاسبوع الماضي أن وزير الامن الداخلي والشؤون الاستراتيجية جلعاد اردان يريد اقامة تجمع معلومات حول المواطنين الإسرائيليين الذين يؤيدون حركة المقاطعة “بي.دي.أس”. أثار التساؤل حول حدود حرية التعبير واستخدام الحكومة لمصادرها وامكانياتها من اجل متابعة الذين لديهم مواقف مختلفة.
هذا النشر سلط الضوء على وزارة الشؤون الاستراتيجية وأثار التساؤل حول طبيعة أهدافها ونشاطها الغامض. الآن، من خلال وثائق رسمية، تكشف الصحيفة عن جانب من سلوك الوزارة السري الذي في سياقه ما زال موقعها سريا ويعتبر أنه «تل ابيب الكبرى».
ويتم استخدام بعض المفاهيم داخليا وهي مأخوذة من مجال التجسس والأمن، ومن يقودون الوزارة يعتبرون أنفسهم مثل قادة الكوماندو ويعملون على عدة جبهات. «اذا أردت الانتصار في ادارة المعركة يجب عليك أن تقوم بذلك مع كثير من الجمعيات»، قالت المديرة العامة للوزارة في آب/أغسطس الماضي.
وقالت المراقبة الرئيسية سابقا سيما فاغنن غيل: «مثلما كنت أعمل في الامور العسكرية مثل حزب الله أو اموال الإرهاب أو سوريا، أو أي دولة اخرى ـ لم نذهب ونقول للطرف الثاني ما الذي نريد أن نفعله. وقد تركناه في حال عدم اليقين».
غيل قالت ذلك في النقاش الذي تم في لجنة الشفافية التابعة للكنيست قبل نصف سنة من نشر المبادرة الجديدة للوزير اردان. في الاسبوع الماضي بعد أن خرجت الامور من أروقة وزارة الشؤون الاستراتيجية قال مصدر أمني للصحيفة إنه بعد سن القانون الذي يمنع الأجانب الذين يطالبون بمقاطعة إسرائيل من دخولها في الكنيست، وجدت حاجة إلى ادخال مضمون حقيقي للقانون، وإلى جمع المعلومات الشخصية عن كل من يؤيدون المقاطعة.
يمكن معرفة كيفية حصول ذلك من متطلبات المهنة في الوزارة.
واحدى المهمات المركزية هي «مدير رفيع المستوى في الميديا الجديدة». ذلك الشخص يكون مسؤول عن ادارة الجهاز ضد حركة المقاطعة، وتتضمن مسؤوليته «تحليل وضع الشبكات الاجتماعية ومضمونها وخطرها، مع التأكيد على مراكز القوة والتأثير وطريقة العمل والرسائل والمنظمات والمواقع والنشطاء الاساسيين».
اضافة إلى ذلك يكون هذا الشخص مسؤول عن «تعلم المواصفات والمجالات والمواقع وانماط العمل الاساسية للأعداء وبلورة استراتيجية من اجل الدعاية وادارة الازمات في الشبكات الاجتماعية». أي ملاحقة ونشاط في المجال الرقمي بالاساس. المعلومات التي يتم جمعها تُنقل إلى «الجهات المختصة في الوزارة لمتابعة الامر».
تهتم الوزارة ايضا بـ «بناء خطط ابداعية وملائمة لوسيلة الإعلام الجديدة حسب اهداف المعركة والاستراتيجية الإعلامية». وما الهدف من كل ذلك؟ يمكن الاستنتاج على ذلك من الاقوال التي قالتها فاغنن في الصيف الماضي. «الانتصار في المعركة» سيتحقق عندما تكون الرواية في العالم «إسرائيل لا تساوي الابرتهايد.
ومن اجل الوصول إلى هناك وضع موظفو الوزارة بضعة اهداف مثل جمع ونشر المعلومات عمن يسمونهم «مؤيدو عدم شرعية إسرائيل». وهذا التعريف لا يشمل بالضرورة من يؤيدون حركة المقاطعة فقط، بل هو يبقى غامض عن قصد. ايضا حملات ونشاطات دعائية ضد هذه الجهات في البلاد والخارج.
يتبين أن الوزارة تنفق عشرات ملايين الشواقل من اجل التعاون مع الهستدروت والوكالة اليهودية والجمعيات ولاعداد ممثلين لإسرائيل في كثير من المجالات. وفي ذلك النقاش قالت فاغنن إن الوزارة تقوم باعداد 200 شخص «من أفضل الاشخاص في إسرائيل» كي يكونون سفراء الوزارة في الخارج.
«وزارة الشؤون الاستراتيجية والدعاية»، هذا هو اسمها الآن، تشكلت وهي تسير باشكال مختلفة على مدى السنين، لا سيما في ملف العزاء للوزراء والوزارة أقيمت للمرة الاولى في العام 2006 كملف وضع ليناسب افيغدور ليبرمان، وتم حلها بعد سنتين، وأقيمت من جديد في العام 2009. ومنذ ذلك الحين أصبح لها محتوى ومعنى جديد. وأثناء ولاية ليبرمان قيل إن صلاحيته هي «افشال خطة مشروع إيران النووي»، والتحريض الفلسطيني. واثناء ولاية يوفال شتاينيتس تم دمج الوزارة مع وزارة الشؤون الاستخبارية. وفي العام 2015 تقرر فصلها من جديد، والملف الاستراتيجي الذي تم دمجه إلى وزارة الدعاية أصبح خاضعا للوزير اردان.
في تشرين الاول/أكتوبر من ذلك العام قرر الكابنت السياسي والامني زيادة الاهداف الدعائية للوزارة، واعتبارها «مسؤولة عن تنسيق اعمال كل الوزارات الحكومية وجهات مدنية في البلاد والخارج في موضوع محاربة محاولة سلب الشرعية عن إسرائيل».
هذه التغييرات التي اعتبرها جزء كبير من الجمهور شكلية، بدت مختلفة في الدعاية. وفي العام 2016 وجهت انتقادات شديدة لها من مراقب الدولة. وفي التقرير الذي قام بنشره القاضي المتقاعد يوسف شبيرا عن نقل صلاحية الصراع ضد “بي.دي.أس” جاء أن نقل صلاحية علاج “بي.دي.أس” من وزارة الخارجية إلى وزارة الشؤون الاستراتيجية يضر بصلاحية وزارة الخارجية وانشأ ازدواجية شلت عمل الحكومة في هذا المجال. وهناك من يزعم أن الهدف من ذلك هو الميل السياسي الليبرالي الزائد، حسب رأي الحكومة، في أروقة وزارة الخارجية. وهذا التغيير أدى إلى التوتر بين الوزارة والدعائيين الجدد.
وتغيير الاستراتيجية لم يؤثر في حركة “بي.دي.أس”، التي حسب تقرير المراقب «تركز على توسيع النقاش مع الاشخاص والمنظمات والاتحادات والمؤسسات في الخارج». أي أن الحديث يدور عن نقاش وليس عن مطاردة للنشاط والاشخاص.
مثال على التغيير في طبيعة العمل يمكن ايجاده في التعريف القتالي لمنصب نائب المدير العام في الوزارة، تساحي غبرئيلي: «مدير المعركة ضد سلب الشرعية». غبرئيلي (43 سنة) هو محامي وكان مستشارا لرئيس الحكومة نتنياهو، وقبل ذلك عمل في مكاتب رؤساء الحكومات اهود اولمرت واريئيل شارون. وكانت له علاقة في اقامة هيئة الدعاية القومية، وقبل الانتخابات ترك مكتب نتنياهو وعمل مع موشيه كحلون من اجل تحضير برنامج حزب «كلنا» الانتخابي. وتولى منصبه في وزارة الشؤون الاستراتيجية في منتصف العام الماضي. وفي نقاش جرى في الكنيست قال غبرئيلي عدة مرات إنه من الافضل أن يتم النقاش بصورة أقل علنية. دور الوزارة مثلما قال غبرئيلي هو «التوضيح والاهتمام بأن تكون رواية إسرائيل كبيت قومي للشعب اليهودي، أمرا واضحا بدون تشكيك، سواء على مستوى الدول أو الجاليات أو الجامعات أو من يتخذون القرارات الاقتصادية أو القضاة في ارجاء العالم أو الاتحادات المهنية والكنائس». ولكن بنك الاهداف لا يقتصر على هذا، واضاف «يجب كبح ظاهرة سلب شرعية إسرائيل. ومن هنا توجد صعوبة في التحدث بشكل علني ومفتوح».
وعندما سئل عن تعريف الوزارة لـ «سلب الشرعية» قال إن الحديث يدور عن «اجتماع منظمات وافكار بخصوص مسألة قائمة وهي رفض فكرة دولة إسرائيل كبيت قومي للشعب اليهودي». وقد أخذت فاغنن اقواله خطوة اخرى إلى الامام وتحدثت عن مثال معين. «نحن نعتبر أن قصة وسم المنتوجات هي خطوة اولى في الطريق إلى شيء أوسع. لذلك فإن وسم المنتوجات في نظرنا هو من أعراض سلب الشرعية». وهنا تجدر الاشارة إلى أن حركة وسم منتوجات المستوطنات ليست جزء من حركة المقاطعة الدولية، وهي تريد فقط وسم المنتوجات من المناطق المحتلة.
زيادة الميزانية
حسب تقرير المراقب الذي نشر في السنة الماضية، فإن نقل الصلاحية في مجال الصراع ضد “بي.دي.أس” إلى وزارة الشؤون الاستراتيجية اقترن بكثير من الميزانيات. وحسب موقع «مفتاح الميزانية» فقد بلغت ميزانية الوزارة إلى 8.8 مليون شيكل في العام 2015، وزادت في العام 2016 إلى 26.9 مليون وتضاعف هذا المبلغ في هذه السنة. ولكن هناك غموض حول الاموال التي تصل إلى الوزارة ونشاطاتها. فحسب فاغنن، فإن الميزانية الشاملة للعام الماضي بلغت 44 مليون شيكل. وميزانية نشاط مكافحة «سلب الشرعية» بلغت 128 مليون شيكل. من الواضح أن هناك زيادة في الميزانية. ورغم أنه عند النقاش في الكنيست قبل نصف سنة، عمل في الوزارة 16 شخصا أعلنوا عن النية لرفع العدد إلى 20 شخص.
هؤلاء الموظفون لن يعملوا لمعرفة المتعاونين مع حركة المقاطعة فقط، بل ايضا على «بلورة استراتيجية الوعي والإعلام لخلق تغيير حقيقي في صورة دولة إسرائيل فيما يتعلق بالمعركة على سلب شرعية إسرائيل». والقيام ايضا بنشاطات ميدانية ومشاريع مختلفة لتطبيق هذه الاستراتيجية. مثلا في حزيران/يونيو العام الماضي حصلت الوزارة على الاعفاء من العطاء من اجل الاتصالات بكلفة 1.6 مليون شيكل لاعداد الشباب للعمل في الشبكات الاجتماعية واللقاءات. وقد خرجت الوفود إلى المناطق التي حددتها الوزارة، وسيتم اختيار مجموعة من الشباب لتمثيل الوجه الحقيقي المتعدد لإسرائيل من اجل احباط سلب الشرعية. في النقاش حول الخطة قالت فاغنن إن «الوزارة ستحدد ايضا المدارس في الخارج، التي سيتم التوجه اليها. لأن هذه المدارس هي التي ستغذي الجامعات مستقبلا، حيث تدور المعركة الحقيقية».
في ايلول/سبتمبر الماضي قالت الوزارة ايضا إنها تنوي التعاون مع الهستدروت الجديدة عن طريق جمعية «المعهد الدولي للقيادة». وحسب الخطة سيتم استثمار 22 مليون شيكل لـ «العمل في اوساط الاتحادات المهنية واتحادات العمال في الخارج لمنع تأثير «بي.دي.أس» على هذه الاتحادات». هذا المشروع ليس الوحيد. ففي تشرين الثاني/نوفمبر طلبت الوزارة المصادقة على ميزانية عن طريق الوكالة اليهودية لنشاط الطلاب في أرجاء العالم بكلفة 16 مليون شيكل. وبشكل مواز، دخلت الوزارة في الاشهر الاخيرة إلى مجال التعاون مع جمعية «ايش هتوراة» بكلفة بلغت أكثر من 3 ملايين شيكل من ميزانية الوزارة. والهدف من النشاط الذي يتم مع جمعية دينية لها توجه يميني هو جلب وفود طلابية من الولايات المتحدة إلى إسرائيل.
في الشهر الماضي قررت الوزارة استثمار أكثر من 3 ملايين شيكل بالتعاون مع الفيدرالية الصهيونية البريطانية لاقامة مهرجان إسرائيلي ثقافي في لندن في ايلول/سبتمبر المقبل. وفي قرار المصادقة على الميزانية جاء «المهرجان سيوفر للشعب البريطاني الفرصة لمعرفة أوجه الثقافة الإسرائيلية المختلفة»، لا سيما أنه مكشوف على نشاطات معادية لإسرائيل ويتأثرون بحملة سلب شرعيتها». وهناك مشروع آخر نشر عنه مؤخرا يتعلق بتخصيص 3 ملايين شيكل لجلب وفود من الخارج لزيارة المستوطنات بالتعاون مع المجلس الاقليمي شومرون.
في بداية الشهر الحالي، في اطار مؤتمر لشركة «كيشت» من القناة الثانية، تحدث الوزير اردان عن التغطية المشوهة لإسرائيل في وسائل الإعلام الدولية. ولم يتم انتخاب هذه المنصة بالصدفة. حيث منحت وزارة الشؤون الاستراتيجية ربع مليون شيكل لشركة «كيشت» مقابل المشاركة في المؤتمر. وفي الأروقة اعتبروا ذلك فرصة لبناء علاقة مع «من يشكلون الوعي العالمي لمئات ملايين المشاهدين يوميا»، قالوا هناك، «وكجزء من اهداف الوزارة في الصراع ضد التغطية الكاذبة في وسائل الإعلام العالمية».
هآرتس 26/3/2017