في شعار الإسلام هو الحل
إدريس الكنبوريفي شعار الإسلام هو الحل ليس هناك شعار استطاع تأجيج المشاعر الدينية للمواطن العربي المقهور من المحيط إلي الخليج مثل شعار الإسلام هو الحل الذي أثيرت من حوله الكثير من الزوابع في فترة من الفترات، حتي أصبح عملة مسكوكة صالحة للرواج في جميع الأسواق، ومع تكراره والإصرار عليه ووضعه في إطار من القداسة التي أضفاها البشر عليه ليعد أحد يجرؤ علي التشكيك فيه وتمحيصه من دون أن يوضع مباشرة في الصف الآخر التي تكال له الشتائم.لقد كاد الناس ينسون هذا الشعار في السنوات الأخيرة بفعل التطورات الفكرية والانفتاح الثقافي وانتشار المعرفة في العالم العربي وتقلص نسبة الأميين الذين كانوا بالأمس يصفقون لأول من طلع علي المنبر، غير أن الانتخابات المصرية الأخيرة عادت لتحييه مجددا بعدما طواه النسيان وصار جزءا من الأدبيات القدي’e3ة للإخوان المسلمين، ثم ذكرت به الانتخابات الفلسطينية التي فازت فيها حركة المقاومة الإسلامية ـ حماس. وإذا كان لإخواننا في فلسطين مبرراتهم في رفع هذا الشعار بسبب حالة المواجهة الخاصة مع الصهاينة ووجود تأصيل قرآني للصراع، فإن الإسلاميين في مصر أو في أي مكان آخر لا يملكون مبررا لرفعه في قبالة سياسيين آخرين لهم حظهم من القرب أو البعد من الأصول الإسلامية ضمن مساحات اجتهادية تضيق أو تتسع، آية ذلك أن لا أحد من الإسلاميين يجرؤ علي تكفير الآخرين من الفرقاء السياسيين، من تم فإن إعلان شعار الإسلام هو الحل يعد تكفيرا مقلوبا أو مهذبا، أي إخراج الآخر من الملة من دون اتهامه بالزندقة علنا.أثير شعار الإسلام هو الحل في فترة زمنية خاصة في مصر وبعض بلدان المشرق العربي، تميزت بالمواجهة بين القطبين الرأسمالي والاشتراكي، وكان تعبيرا عن التميز وسط تلك التقلبات اتضح جيدا مع الشعار القائل لا شرقية ولا غربية ، أو لنقل إنه كان بمثابة حركة عدم انحياز فكرية وإيديولوجية انطلاقا من الدين، أملتها العاطفة الدينية للمسلمين أكثر مما فرضتها العقلانية الفكرية، إذ لم يواكبها اجتهاد معاصر يجدد العلاقة مع الإسلام بعد ردح من التسلط العثماني والتحجر الفكري وانسداد باب الاجتهاد، كما أن الذين رفعوا ذلك الشعار كانوا ممن أعلنوا القطيعة المعرفية والمنهجية مع فكر جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا، الثلاثة الذين كان من الممكن أن يشكلوا بداية حركة تجديد واسعة في الفكر الإسلامي الذي تحول إلي مجموعة من النقول والحواشي والاستعادة السلبية لتراث الأموات، وبكلمة أخري، لقد كان ذلك الشعار مجرد يافطة لإثبات الحضور في معمعان العراك الحضاري للمسلمين الخارجين لتوهم من لحظة غياب تاريي طويلة.إن شعار الإسلام هو الحل عندما طرح مع جماعة الإخوان المسلمين في مصر كان شعارا سياسيا أرادت منه الجماعة تمييز نفسها من جهة، وتأكيد نوع من العلاقة مع زمن السلف الصالح من جهة ثانية، ولم يعكس أي حالة من التطور الفكري والإنتاج الثقافي والسياسي والتجديد الفقهي يجدد طريقة فهم الدين وكيفية تنزيله في الأحداث، خاصة وأنه كان موجها إلي السلطة بوجه الخصوص وليس إلي الأمة، الغرض منه القول بأنه تم تجريب جميع الإيديولوجيات ولم يبق سوي الإسلام الذي يتضمن جميع الحلول لجميع الأقضية، وهكذا أصبح ذلك الشعار خاصية مميزة للإسلاميين في كل مكان، علي اعتبار أن الحركات الإسلامية في العالم العربي خرجت كلها من معطف الإخوان في مصر، إلي هذا الحد أو ذاك، فلم يعد من الممكن عدم رفع ذلك الشعار الذي صار عملة مسكوكة صالحة للتداول لدي الجميع.والحقيقة أن شعار الإسلام هو الحل كان بمثابة حالة ارتداد كبري في تاريخ الإسلام المعاصر أكثر مما كان انعكاسا لحالة امتداد نحو التعاطي المتجدد مع قضايا الأمة. لقد كان إجابة خاطئة علي أسئلة صحيحة طرحت في ما يصطلح عليه بعصر النهضة العربية، فتم تقليص جميع مشكلات الأمة إلي المشكلة السياسية، وسرعان ما قلصت المشكلة السياسية إلي مشكلة الحكم والسلطة، وأصبح الإسلاميون ينظرون إلي هذه الأخيرة كأنها مفتاح كل خير ومغلاق كل شر، حتي إن احد قادة العمل الاسلامي لم يتردد في تأويل الحديث النبوي الشهير ألا إن في كل جسد مضغة إذا صلحت صلح سائر عمله وإذا فسدت فسد سائر عمله والتي عرفها بأنها هي السلطة في حالة المجتمع، والتي عليها يتوقف صلاح المجتمع أو فساده. أما النتيجة التي كان من المنطقي أن تقود إليها هذه الاختزالية فهي استبعاد المجتمع من صيرورة التغيير، عدا اعتباره مجرد مطية يتم الركوب عليها للوصول إلي مقعد الحكم، ومن هنا كان من الطبيعي أن ينشأ ذلك التشوش والتناقض في فهم الإسلاميين للديمقراطية، أي باختصار وضع الشعب في الحساب في معادلة الوصول إلي السلطة. لقد أدي ترويج شعار الإسلام هو الحل وتكريسه في الذهنية الإسلامية إلي مجموعة من الانزلاقات الفكرية التي قادت في النهاية إلي تسييج الإسلام كدين واسع وعميق ومتعدد الأبعاد في إطار ضيق، من هذه الانزلاقات الشعار الآخر الذي يقول إن الإسلام دين ودولة ، والذي لم يكن في أصله سوي تنويعا علي الشعار الأول، كونه يتلاقي معه في العمق، وهو التأكيد علي مركزية الدولة في فكر الإسلاميين. وقد حصل هذا الانزلاق الخطير في فهم الإسلام بعد التحريف الذي خضع له شعار الإسلام دين ودنيا الذي يعبر عن حقيقة الإسلام وشموليته، ولكنه لا يحدها في الحكم أو السلطة، وإنما يوسعها لتشمل سائر مناحي الحياة، ولكن الإسلاميين اختزلوا الدنيا كلها في الحكم، بعد أن اختزلوا الإسلام كله في أنفسهم هم، فأصبحنا أمام استعادة تاريخية لعصر بني أمية.إن اختزال الإسلام في شعارات مسكوكة قد تسبب في الكثير من المآسي في الأمة منذ قرونها الأولي، إذ لا يجب أن ننسي أن بداية الخوارج وتأسيس الفكر الخارجي كانت من شعار مختزل يقول لا حاكم إلا الله الذي قال عنه الإمام علي بن أبي طالب إنه حق أريد به باطل ، وتحت هذا الشعار تمت الكثير من المذابح والصراعات، أي الاطل والإفساد في الأرض. وعندما قال الإسلاميون في بداية القرن الماضي إن الإسلام مصحف وسيف فقد كانوا بذلك يؤسسون لنهج دموي دون شعور منهم، فقد جعلوا من الإسلام دين إرهاب وسفك دماء، ودين موت لا دين حياة، ولذلك لم يكن مستغربا أن تأتي طائفة من السلفيين في القرن الواحد والعشرين لتقول إن النبي صلي الله عليه وسلم كان قتالا وذباحا ، تحريفا للحديث النبوي الذي له مكانه وزمانه ومعناه السياقي، لتكون تلك أكبر جريمة بحق الإسلام وخاتم المرسلين من طرف مسلمين، فليس هناك ما هو أخطر من اختزال الإسلام في قضايا جزئية وتحويله إلي شعارات واكليشيهات تضيق منه وتخنقه.ہ كاتب وصحافي من المغرب8