التوبة في السياسة ما أعظمها: قراءة في معاني هجوم بعض المعارضة السورية علي خدام
محمد الحسناويالتوبة في السياسة ما أعظمها: قراءة في معاني هجوم بعض المعارضة السورية علي خدام العلوم الإنسانية ـ كالاقتصاد والسياسة ـ ليست علوماً حقيقية بحتة كعلوم الفيزياء والطبيعة، لأن العلوم الإنسانية موضوعها الإنسان، والإنسان غير الجماد والنبات والحيوان من حيث: الإرادة والعقل، مما يتيح للإنسان هوامش أكبر في التصرف والتنكر أو الاحتيال، ومما يعجز عن ضبطه الباحث العلمي بالموازين أو المقاييس أو الاستفتاءات أو التحاليل المخبرية، انتهاء إلي وضع القواعد والقوانين المضطردة. ولذلك كان ادعاء نظرية (الماركسية) فيما مضي أنها (علم) أحد مقاتلها، والمآخذ عليها، حتي اتضح ذلك بسقوط المنظومة الاشتراكية، فتراجعت (الماركسية) بشكل مريع علي صعيد النظرية والتطبيق. ومحور ضعفها (تصورها أن الإنسان آلة) لإخضاعه للعامل الاقتصادي، أو تفسير التاريخ من الوجهة (المادية) وحسب! وبذلك تسقط عوامل الإنسان الفاعلة ـ كالشجاعة والنخوة والكرم والتضحية ـ من الحساب، ومثل ذلك الرغبات والمثل العليا والقيم والجانب المعنوي من عالم الإنسان، ولم نقل (الروح).إذا انتقلنا إلي ساحة التطبيق مثل تحول شخصية سياسية من تيار سياسي إلي تيار آخر، أو من جانب السلطة الحاكمة إلي جانب المعارضة لتلك السلطة، كانتقال السيد عبد الحليم خدام نائب الرئيس السوري السابق، تجد الناس ينقسمون إلي مؤيد لهذا التحول أو الانتقال و إلي معارض له، وبين مطمئن إليه أو مشكك فيه، وهنا لا تدخل العوامل الموضوعية والذاتية لدي موضوع التحول (من نية واستقامة أو قناعة أو حسابات سياسية واجتماعية) وحسب! بل أيضاً العوامل المتحكمة بالباحث نفسه، وإلي أيّ حدّ يخضع للهوي أو العقل أو المذهب السياسي أو الانتماء، ومدي تخلصه منها كلها أو بعضها. من الظاهر ومن المتوقع أن تكون كل السلطة السورية ومن يتبعها أو تحت قهرها يخطّئون السيد خداماً، وكل من في المعارضة يرحبون بهذا التحول، والواقع الحالي ليس كذلك، فمعظم من في السلطة قد يكونون كذلك، ولكن لو كان الوضع السياسي السوري شفافاً، بمعني أن الناس من رسميين ومواطنين شعبيين مطلقو الحرية والإرادة، هل يكونون علي (دين النظام) آلياً، ولو كان الأمر كذلك لما كانت عملية (الردح) فيما يسمي مجلس الشعب، ورفع الدعاوي القضائية علي ماضي الرجل الذي لم يكن مسموحاً الاقتراب منه طوال أربعين عاماً مضت، والآن يتمّ تعميم العقوبة أو إجراءات العقوبات عليه وعلي أقاربه أيضاً، وليس شخصه وحده، خلافاً للقانون ولمطالب المعارضة في الماضي.خذ مسألة من المسائل يظن أنها شائكة عند بعضهم، وهي مسألة الاعتذار عن الماضي، ألا يكفي انتقال الرجل من موقف إلي موقف مضاد حتي يكون اعتذاراً؟ بعضهم يشدد أكثر، ويضيق الشروط فيطالبه بالاعتذار عن إسهامه في عهد الأسد الأب، وها هو ذا قد انتقد الأسد الأب في رسالته التي وجهها (إلي البعثيين بمناسبة ذكري تأسيس الحزب (في9/4/2006) (وكالات الأنباء) يقول: (فهو نظام عائلة استأثرت بالسلطة، وأحكمت الظلم والفساد. ومن الأخطاء الكبري للرئيس حافظ الأسد أنه كرس حكم العائلة، فغلبت عاطفته مسؤولياته كرئيس للدولة، وكان قراره بالتوريث تكريساً لحكم العائلة وخروجاً عن كل القيم السياسية والحزبية في سوريا).وهناك من المتشددين في شروط انتقال السيد خدام، فيطالبه أن يعترف بالخطاْ علي نفسه أو بالذنوب التي ارتكبها هو، أي لا الاكتفاء بانتقاد غيره، وهاهو السيد خدام يقول ذلك، فكان استعجال المستعجلين عليه خلافاً للعمل السياسي البصير، يقول الرجل في الرسالة نفسها إلي الحزبيين: (أقول لكم بكل صدق وصراحة وشعور بالمسؤولية: إننا في قيادة الحزب عند مناقشة الدستور ارتكبنا خطأً فادحاً في وضع نص المادة الثامنة التي تقول: إن حزب البعث العربي الاشتراكي يقود الدولة والمجتمع، وبذلك أغلقنا الباب أمام بناء نظام ديموقراطي كثيراُ ما ناضلنا لتحقيقه).والحقيقة إن رسالته هذه للحزبيين حافلة بالتقويم الانتقادي لتجربة الحزب الحاكم التي أسهم فيها السيد خدام طوال أربعين عاماً، وفيها ردود مباشرة وغير مباشرة علي كل الذين تناولوا تحوله بالنقد والتشكيك، كما فيها دروس (رفاقية) للبعثيين الحقيقيين (داخل السلطة وهم قليلون) و(خارج السلطة وهم كثيرون)، نلفت النظر المعنيين إلي أهمية دراستها، ونقدر أنها أقوي وثيقة في الموضوع الذي نحن بصدده من المقابلات التلفزيونية والصحفية. وكان واضحاً من اللحظات الأولي لتحول أبي جمال نقده للتدخل الأمريكي في القطر العراقي، ورفضه تكرار المأساة، وتحديده الجرائم الكبري التي اقترفت بأمثلة منها (إقصاء حزب البعث وحل الجيش العراقي الوطني)، بما يعني أن هذه الأمور مرفوضة أيضاً علي الساحة السورية(التدخل الأجنبي مضافاً إليه إلغاء الجيش وحزب البعث).في عام 2003م نشر عبد الحليم خدام في الدار البيضاء ـ المغرب عن المركز الثقافي العربي .. كتاباً بعنوان (النظام العربي المعاصر: قراءة الواقع واستشفاف المستقبل) وفيه رسائل للمعارضة السورية وللرأي العام العربي بالذات، ولكن من احتفل بذلك؟ بل من كلف نفسه الاطلاع عليه؟ علي العكس إن الذين اطلعوا عليه أو استمعوا لمحاضرات منه في (الكويت) ذهبوا إلي أن نائب الرئيس السوري يخادع القراء والمواطنين السوريين والرأي العام، حين يقول الحق ويمارس خلافه، ولم يخطر ببالهم أن الرجل كان يعيش تجربة الازدواجية في السياسة العربية، التي يصر عليها المجانين والمنافقون حتي الموت أو الانهيار، أو التي يخرج منها أصحاب الإرادة والضمير متأخرين أو غير متأخرين. وفي هذه الحالة يأتي دور المحللين المتمكنين والحريصين علي المصالح العامة لا الثأر واحتكار الصواب والمزايدات، للتعاطي مع هذه الحالة التي تفتك بمجتمعاتنا وأنظمة دولنا، وهي ليست يتيمة ولا جديدة في تاريخنا ولا تاريخ المجتمعات البشرية، وسببها الأول والأهم هو (الاستبداد) وافتقاد الشفافية وتداعياتها في الفرد والمجتمع علي حدّ سواء.كلنا يذكر تحول الناس في صدر الإسلام إلي الإسلام جماعات وقبائل وأفراداً، كما نذكر قول الرسول المفصلي في فتح مكة: (من دخل بيته فهو آمن، ومن دخل بيت أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل الكعبة فهو آمن) وقوله لما اجتمع أهل مكة يخطب بهم بعد أن عاد إليهم فاتحاً منتصراً و بعد الهجرة والمطاردة والاضطهاد: (ما تظنون أني فاعل بكم. قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم. قال: اذهبوا فأنتم لطلقاء). لكن لماذا لا تفعل مثل هذه الصفحات المشرقة في حياتنا اليوم؟ أهي الأنانية أم الجهل أم الغفلة، أم الإصرار علي استيراد الأفكار والسياسات والتنظيرات؟ أم الاستهتار بخبرات هذه الأمة وبرصيدها الفكري والحضاري؟مرة أخري لم تكن هذه المسألة يتيمة في تاريخنا ولا في تاريخ الأمم الأخري، فعمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي تحول بالخلافة تحولاً يعبر عنه هذه الأيام بالانقلاب الأبيض، ومن قبله المرشح للخلافة معاوية بن يزيد حين استشار شيخه العالم، فقال له: إن كنت لا تستطيع العدل فاعتزل، وقد اعتزل الخلافة، وتركها لغيره، أو لم يحمل أوزار الظلم ومفرداته، وقد استشهد بهذه الواقعة المعارض السوري البارز الأستاذ رياض الترك بعد خروجه من سجن الرأي، ومطالبته النظام السوري بالإصلاح وبمناسبة توريث الرئيس الجديد، وكانت آخر مطالباته استقالة الرئيس وحكومته للبدء بصفحة جديدة في تاريخ سورية وإنقاذها.وفي تاريخنا الحديث اعتزل المشير عبد الرحمن سوار الذهب رئاسة الدولة العسكرية بعد انقلاب الجيش السوداني علي استبداد النميري، وأتاح المجال لغيره وللشعب من أجل تأسيس حياة سياسية ديموقراطية.وها هو ذا كل من النظامين الحاكمين في (المغرب العربي) و(الجزائر) يقودان (مصالحة وطنية) مع شعبيهما في ميدان حقوق الإنسان، والتخلي عن سياسات القمع والاستبداد وإعادة الحقوق لأصحابها، وهذا خيار متاح للأنظمة العربية الشمولية، ولا سيما النظام السوري. ولا ذريعة يعتدّ بها حول الضغوط الخارجية والظرف الصعبة، بل إن هذه الضغوط الخارجية والظروف الصعبة، هي التي تقتضي مثل هذه التحولات والانعطافات التاريخية، من باب إعادة المياه إلي مجاريها الطبيعية، أو إعادة السياسة إلي الشعب صاحبها الحقيقي، وهي أيضاً في الوقت نفسه ورقة الإنقاذ الوحيدة من المخاطر كلها، الخارجية والداخلية علي حدّ سواء. ومن هذا الوجه تنظر المعارضة السورية الراشدة والمحللون المتمكنون إلي تحول السيد خدام وأمثاله من صف السلطة إلي صف المعارضة.عوداً إلي كتاب السيد خدام: (النظام العربي المعاصر: قراءة الواقع واستشفاف المستقبل) أقل ما يقال في توصيفه وتقويمه اليوم أنه منهاج نظري لما يمارسه الآن الرجل بعد تحوله من السلطة أو المعارضة، في محاوره الثلاثة: (النظام العربي في فترة الحرب الباردة ـ المشروع الصهيوني ـ المشروع القومي العربي)، ففي المحور الثاني يري أبو جمال: (أن مواجهة المشرع الصهيوني لا تتم عبر التنازلات المتتالية، ولا الخضوع للضغوط الخارجية، وإنما بالرؤية الشاملة لطبيعة الصراع وحقيقته، ومراجعة بنية النظام العربي الراهن، وبناء نظام عربي جديد علي أسس جديدة، والتركيز علي تنمية الوعي السياسي، وإدراك الأخطار التي تهدد الأمة العربية، وتنمية حركة شعبية عربية تكافح المشروع الصهيوني وسياسات الهيمنة الأجنبية، وتوفير متطلبات تحقيق توازن القوي في المنطقة في المجالات السياسية والعلمية والاقتصادية، بالإضافة إلي توفير متطلبات الدفاع).وفي المحور الثالث يري (أن التفكير المستقبلي في المشروع القومي يمكن أن يقوم علي المباديء التالية: 1 ـ الإبقاء علي مبدأ الوحدة العربية ولكن بوسائل متدرجة وشبكية، والعمل وفق مبدأ المشاركة بما يعنيه ذلك من تنازلات من جميع الدول. 2 ـ تحديد مفهومي الأمن الوطني والقومي والعلاقة بينهما. 3 ـ العمل المشترك في مستويات السلطة الثلاثة: التنفيذية والتشريعية والقضائية. 4 تحديد الأهداف الاقتصادية والاجتماعية. 5 ـ تطوير الأنظمة السياسية نحو مشاركة شعبية واسعة وفعالة.)البنود التي شددنا عليها باللون الأسود كافية للدلالة علي تحول فكر الرجل من سلطة إلي معارضة، وعلي الأخص حديثه عن (تطوير الأنظمة السياسية نحو مشاركة شعبية واسعة وفعالة)، لكن لماذا لم يلتفت الناس إليها قبل تحوله، ولماذا أحدث تحوله هذا السجال الواسع؟أما الجواب علي التساؤل الأول فقد صار معروفاً، أما الجواب علي السؤال الثاني، فهو أن الناس تهتم بالممارسات لا بالأقوال، ولاسيما المواطن السوري والعربي والإسلامي المسحوقين تحت وطأة الأنظمة الشمولية الاستبدادية، وقد ملوا الازدواجية بين الأقوال والأفعال، حتي ظنوا أن الازدواجية جزء لا يتجزأ من السياسة، وكان ذلك أحد أسباب انصرافهم عن السياسة.وفي ذلك درس آخر للمعارضة السورية، مفاده أن الاكتفاء بالشعارات والبيانات التنظيرية لا تغني في عملية التغيير، فجبهة (إعلان دمشق) التي توافق عليها أكبر طيف سوري معارض لم تخط بعد إعلانها خطوات عملية، مثل تشكيل قيادتها ومؤسساتها، ولا رسمت خطوات متدرجة أو عملية للتغيير، علي حين خطت (جبهة الخلاص الوطني) خطوات عملية أكثر، علي الرغم من اعتبار نفسها جزءاً لا يتجزأ من (إعلان دمشق). وإذا استمر البطء في سير (إعلان دمشق) والتحرك في خطوات (جبهة الخلاص) فإن (الفرع) سوف يحل محل (الأصل) وليس هو المطلوب.إن تحول السيد خدام كان فعلاً اختباراً لفكر المعارضة السورية وممارساتها في الداخل والخارج، فبدلاً من توظيف هذا التحول إلي ظاهرة تفتح الباب واسعاً للمقموعين من رجال الحزب والسلطة، أو الراغبين الحقيقيين في التغيير مع المعارضة أو حتي بموازاتها، اشتغل فربق من المعارضة بالتشكيك أو التعطيل لخطوة السيد خدام المتميزة، مما أتاح للنظام اللعب بين الخطوط والادعاء بانقسام المعارضة أولاً والإخوان المسلمين ثانياً، وبالتالي الزعم بضعف المعارضة، وهذا ما سوقته أجهزته الإعلامية والأمنية، وحتي ما قيل لسجناء الرأي من الإخوان المسلمين في الداخل ومطالبتهم بالانشقاق وبإصدار بيانات تنديد في ذلك!! ولعل النظام صدٌق لعبته!وقد فطن الدكتور برهان غليون إلي (إشكالية المعارضة السورية بين الداخل والخارج)، مما يتيح للنظام أن يلعب ألعابه الخطرة، فليس كل مواطن سوري يقدر الظروف التي تعوق عمل معارضة الداخل أو تحدده أو تؤثر فيه. وبين كتابة الدكتور غليون مقالته المذكورة وببن ما فعلته الآلة السلطوية من زمن، وبين حجم المتاح الإعلامي للمعارضة وللسلطة من فروق كبيرة..تلعب السلطة أيضاً ألعابها المعلومة.ومع ذلك في النهاية لن يصح إلا الصحيح، وفي السياسة وفي الحياة ـ كما في الحرب ـ كرّ وفرّ، والعبرة في الخواتيم.ہ كاتب سوري، عضو رابطة أدباء الشام8