الخيوط في يد ترامب

حجم الخط
0

في التاريخ الحديث للولايات المتحدة يمكن رؤية نموذجين اساسيين لعملية اتخاذ القرارات في السياسة الخارجية. الاول يعتمد على رئيس ناجع ومتدخل يعمل في حالات كثيرة من البيت الابيض ايضا من خلال مستشار الامن القومي. وهذا على حساب وزير الخارجية الذي يتحول إلى «منفذ» للسياسة التي لا يشارك في رسمها. الرئيس جون كنيدي (بمساعدة مستشار الامن القومي في ادارته، ماكجورج باندي)، ومثله ايضا الرئيس ريتشارد نكسون في ولايته الاولى (الذي حظي باسهام هنري كيسنجر الابداعي)، هؤلاء يعبرون عن نموذج رسم السياسة، والمتضررون الاساسيون في هذه الحالة هم وزراء الخارجية الذين يبقون في الظل.
النموذج الثاني يعتمد على الرئيس البعيد واحيانا المفصل عن ساحة العلاقات الخارجية، والذي يمنح القوة والمناورة لوزير الخارجية. نائب الرئيس جيرالد فورد الذي تم تعيينه رئيسا في آب 1974 بعد استقالة نكسون المخزية، والذي كان مختصا في الشؤون الداخلية، هو التعبير عن نموذج «القيادة من الخلف». والمستفيد الاساسي كان كيسنجر الذي استبدل وليام روجرز في العام 1973 وأصبح لاعبا مركزيا في الادارة الجديدة.
اذا قمنا بتوجيه نظرنا الآن إلى الاشهر الاولى لترامب فسنحصل على الانطباع بأن هذين النموذجين لا يناسبان ديناميكية اتخاذ القرارات في الشؤون الخارجية للادارة الجديدة. صحيح أن الرئيس نفسه بلور قبل الانتخابات عددا من المباديء الاساسية التي ستميز سلوك الأمة في الساحة الدولية، لكنه لا يريد التدخل في تفاصيل السياسة الخارجية الأمريكية من المكتب البيضوي. وبدل ذلك يفضل ترامب تخصيص معظم وقته لعلاج المسائل الاقتصادية الداخلية التي تناسب خلفيته وتجربته في المجال.
إن رغبته في تحقيق هدف «أمريكا أولا» لم تقترن بتعيين وزير خارجية ديناميكي وصاحب خبرة دبلوماسية ويحظى بثقته الكاملة. وزير الخارجية ريكس تلرسون يبدو من خلال عمله حتى الآن كاستثناء للنموذج المقبول حول الموازنة بين رئيس يهتم بالشؤون الداخلية وبين وزير خارجية ماهر «قوي» وله تأثير كبير.
تلرسون يعبر عن ابتعاد وانفصال ولامبالاة تجاه التحديات التي توجد أمام أمته. ورغم أنه ما زال من السابق لأوانه الحكم عليه، هو يبدو متواضعا في اقواله وافعاله وقد تغيب عن معظم اللقاءات السياسية الهامة التي جرت مؤخرا في واشنطن بين الرئيس وبين رئيس حكومة كندا ورئيس حكومة اليابان. وقد سارع إلى الغاء مشاركته في مؤتمر وزراء خارجية الناتو في الشهر القادم، وهو يخاف من الصحافيين مثل خوفه من النار، ويُسلم بقرارات ترامب.
اذا كنا أمام نموذج جديد، فان الفراغ في وزارة الخارجية سيمتليء بلاعبين آخرين مثل المستشار الاقتصادي المقرب من ترامب ستيف بانون، وصهره الشاب غارد كوشنر، والطرف الثالث في المثلث سيكون المستشار الاول للامن القومي في ولاية ترامب، مايكل فلين، الذي ساهم بشكل سلبي في مكانة وسياسة ادارة ترامب. وهذا على خلفية علاقته الوثيقة مع موسكو وأنقرة عشية الانتخابات، وعلى خلفية نواياه الحالية التي هي توريط زملائه الذين كانت لهم علاقة جيدة مع بوتين ومساعديه في الصيف الماضي.

إسرائيل اليوم 27/3/2017

الخيوط في يد ترامب
الرئيس الأمريكي لم يقم بتعيين وزير ديناميكي له خبرة وتجربة في الشؤون الخارجية
ابراهام بن تسفي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية