يحتفل الاتحاد الأوروبي بالذكرى الستين لإنشائه، ورغم الصعوبات نجح الأوروبيون في تطوير وحدتهم التي بدأوها خلال الخمسينيات. وفي التاريخ نفسه، تحرر العرب وحلموا بالوحدة. وبينما حقق الأوروبيون حلم الوحدة، رغم خروجهم من حرب طاحنة هي الحرب العالمية الثانية، فشل العرب فشلا ذريعا في تأسيس الوحدة وتحولوا إلى «ملوك الطوائف» رغم المبالغة في إنتاج خطابات الوحدة والتضامن.
وهكذا، فقد عانت القارة الأوروبية خلال النصف الأول من القرن العشرين من حربين عالميتين، الأولى ما بين 1914 إلى 1918 والثانية ما بين 1939 إلى 1945، وسجلتا أكبر الخسائر البشرية في تاريخ الحروب، لأنها شملت دولا كثيرة واستعملت فيها أسلحة متطورة، ومنها السلاح النووي عندما قصفت الولايات المتحدة الأمريكية اليابان. وكان الحديث عن السلام وسط أوروبا من الخيال العلمي، خاصة بين الفرنسيين والألمان، فقد كان التنافس بين الطرفين رهيبا منذ أواسط القرن التاسع عشر لينفجر على مستوى العالم في الحرب العالمية الأولى، التي خلفت ملايين القتلى، ثم الثانية التي خلفت عشرات الملايين من القتلى.
لكنه كما تتحول بعض روايات الخيال العلمي إلى واقع مثل رواية جول فيرن «السفر إلى القمر»، اعتقد أعداء الأمس، الألمان والفرنسيين بضرورة التوحد لتجاوز مآسي الماضي والتحصن من الكوارث السياسية التي قد تقع. وتعددت محاولات الوحدة الأوروبية، لكن انطلاقتها الحقيقية كانت سنة 1951 مع ولادة «المجموعة الأوروبية للفحم الحجري والفولاذ» بين فرنسا وألمانيا الغربية وإيطاليا وللكسمبورغ وبلجيكا وهولندا.
ومنذ هذه المحطة المهمة، 1951، توالت محطات سياسية أخرى على رأسها تأسيس «الوحدة الاقتصادية الأوروبية» (ارتأى بعض العرب بترجمتها السوق الأوروبية الموحدة) سنة 1957 في روما. وتبقى الانطلاقة الحقيقية سنة 1965 عندما تم إنشاء المفوضية الأوروبية، ومؤسسات أخرى تعمل على تنسيق عمل الدول الأعضاء. وتبقى محطة ماستريخت سنة 1992 هي الأبرز في تاريخ الاتحاد الأوروبي، فالأخير اكتسب تصوره الكامل في التكامل الاقتصادي والأمني والقضائي وحرية التحرك والعملة الموحدة.
تواجه الوحدة الأوروبية تحديات هائلة، خاصة في ظل التنوع الثقافي والاختلافات السياسية ومنها ظهور الأحزاب القومية المتطرفة التي تطالب بالانسحاب، مثل «الجبهة الوطنية» في فرنسا وحزب «من أجل الحرية» الهولندي، وقرارات بعض الدول بالانسحاب مثل بريطانيا بعد «البريكسيت»، لكن المحرك «الفرنسي- الألماني وبدعم من إيطاليا وبلجيكا ينجح دائما في تجاوز هذه التحديات، ويضع آليات التنسيق والتقدم.
والمفارقة أنه في الوقت الذي نجح فيه الأوروبيون في ظرف 60 سنة في بناء وحدة سياسية واقتصادية خلصتهم من قرون من المواجهات الحربية والتنافس الاقتصادي، ظلت الأنظمة العربية تردد شعارات الوحدة طيلة العقود الستة الماضية منذ الخمسينيات، تاريخ استقلال معظم الدول العربية إلى الوقت الراهن، أي ستة عقود من الزمن. وانطلاقا من الجامعة العربية التي تبقى مجرد اسم بدون هيكل سياسي حقيقي، حاولت مناطق من العالم العربي تأسيس اتحادات خاصة بها مثل، مجلس التعاون الخليجي، واتحاد المغرب العربي. ولم تتجاوز المحاولات التنسيق الأمني، بدون الانتقال إلى وحدة سياسية واقتصادية حقيقية تستفيد منها الشعوب.
ومن خلال الاطلاع على الأدبيات السياسية الخاصة بالوحدة والتكامل والاندماج، تعتبر الدول العربية الأكثر إنتاجا للخطابات السياسية حول الوحدة، وتعتبر الشعوب العربية الأكثر حلما بالوحدة. لكن من باب المفارقات التاريخية أن العالم العربي هو المنطقة التي تشهد غياب أي تجمع أو وحدة حقيقية في ظل التجمعات التي تتعاظم في وقتنا الراهن في جميع القارات بينما يتعاظم التشتت والتفرقة بين الدول العربية. ومن خلال إلقاء نظرة على الوضع السياسي الحالي سنرى التشتت العام ثم الثنائي، وهكذا، مواجهة بين المغرب والجزائر، ومواجهة بين مصر والسودان، ومواجهة بين العراق والسعودية، ومواجهة بين سوريا والأردن ودول الخليج.
لماذا هذا النضج الأوروبي ونقيضه العربي؟
أولا، الدول الأوروبية ديمقراطية، لم تسمح بدخول دول غير ديمقراطية، ما لم تنتقل إلى الديمقراطية مثل اليونان والبرتغال وإسبانيا وأوروبا الشرقية. وهذا يعني أن الأنظمة تمثل شعوبها ولا تمثل المصالح الضيقة للعائلة الحاكمة، كما هو الشأن في العالم العربي.
ثانيا، انطلقت الدول الأوروبية من مخططات براغماتية بإنشاء شبكة من المصالح الاقتصادية بين المؤسسات والشعوب، وجعلت هذه الشعوب تثق في الوحدة وتدافع عنها، رغم وقوع تشنجات، بينما في العالم العربي أنشأت الأنظمة شبكات لتهريب الأموال وتبييضها وتفقير شعوبها.
ثالثا، تآزرت الدول الأوروبية في ما بينها بإنشاء صندوق التماسك، وأصبح كل عضو جديد يستفيد من دعم مليارات الدولارات لتطوير بنياته التحتية وتأهيل مؤسساته ومنها الجامعية. وفي العالم العربي يغيب هذا التضامن، وإذا حضر كمساعدات مشروطة من الدول الغنية مثل الخليج لأخرى فقيرة كالأردن والمغرب، شريطة أجندة مثل الانخراط في «عاصفة الحزم» أو إيقاف الديمقراطية بعد الربيع العربي.
رابعا، تمتلك النخبة المثقفة الأوروبية، خاصة العاملة في مجال الفكر السياسي والاقتصادي، الجرأة في الإبداع لتطوير الوحدة الأوروبية، بينما اصطفت معظم النخبة في العالم العربي، وهي أصلا نخبة محدودة وضعيفة، الى جانب الأنظمة لتساعد في التفرقة. ومن ضمن الأمثلة، انظروا الى من يسمون بالمثقفين المغاربة والجزائريين كيف يدخلون في حروب كلامية فارغة أو بين المصريين والسودانيين.
وهكذا، يتقدم الأوروبيون في الوحدة السياسية والاقتصادية والأمنية والدبلوماسية رغم العراقيل، وتتقدم الأنظمة العربية في الوحدة في قمع شعوبها والاختلاس والديكتاتورية. وبعد ذلك تقول هذه الأنظمة «الغرب يتآمر علينا».
كاتب مغربي من أسرة «القدس العربي»