الخبر المؤكَّد في القرآن تشريع للشكّ

حجم الخط
2

منذ اكتمال نزول القرآن، والعلماء مبهورون بما يحمل في طيّاته من عوامل إعجاز. ولأنّه نصّ، يحوي الكثير من عوامل الإبداع والفنيّة، فلا يمكن أن يقوم بذاته، إنّما الأمر يتوقّف على المتلقّي والمرسل إليهم، كعنصر أساسيّ من عناصر ولادة النصّ، لأنّ جميع المعجزات أسهم الجانب البشري في إنجاحها، ومعجزة القرآن تقوم على أبرز فعل بشري، وهو فعل الكلام والتكلّم. وهذا ما تنبّه إليه الإمام علي بن أبي طالب في قوله: «القرآن قول لا ينطق بنفسه بل يحتاج إلى رجال».
ومنذ ذلك الوقت، زخرت الكتب العلميّة والفكريّة بدراسات مختلفة تناولت هذا الكتاب المعجزة، بلغته في الدرجة الأولى، وكانت نظرية النظم للجرجاني النظرية الأكثر تأكيدًا على أنّ إعجاز القرآن لا يعود إلى ألفاظه ومعانيه واستعاراته وحركاته وسكناته، لأنّ نصوصًا بشرية سابقة ولاحقة لنزول القرآن، استخدمت فيها هذه العناصر نفسها، بل جعل الاعجاز يكمن في عملية النظم، ورصف الكلمات في سياقات معيّنة، حيث ولادة العبارات، موصيًا، ذلك العالِم الفذّ، بضرورة إلمام دارس القرآن بعلم النحو وتمكّنه من فكّ شيفرات الآيات لغويًّا، حيث المعنى منغلق ويبقى منطويًا على نفسه حتى يفضّه الإعراب، ليأتي علماء آخرون، ويسيرون على الطريق نفسه، مؤكّدين أنّ تفسير القرآن وتأويله يتوقّفان على عاملين أساسيين، وهما معرفة أسباب التنزيل وربطها بظروف استدعاء القرآن، أو تطبيق علم النحو والألسنية على تركيبه، فرفض الكثيرون، ممن يرون أنفسهم غيورين على الدين هذا الطرح، لأنه يتناقض مع تحليلهم الفقهي ويقلّل من نفوذهم وتحكّمهم بالكثير من العقول. فكثيرة هي القرائن اللفظية التي يتجاوزها المفسّرون والقرّاء، رغم أنّها تقلب المعنى رأسًا على عقب، فيتوقفون قبل التلفّظ بها، مع أنّ وجودها قد يغيّر الحكم من العام إلى الخاص، أو من الخاص إلى العام، أو يحصر دلالات الآية في إطار ظرفيّ ويخلّصها من الحكم الأبديّ الذي قد يجني على الآية نفسها في أحايين كثيرة.
وانطلاقًا من علم اللغة، النحوي والبلاغي وغيرهما، الذي استدعت الحاجة ولادته، لصون القرآن من اللحن وأخذه إلى ما لا تُحمد عقباه، يمكننا التساؤل، بعيدًا عن تحليل الفقهاء الذين ينبغي أن يتواضعوا أكثر، معترفين بأهمية هذا العلم الذي تُستمدّ شرعية أحكامهم منه ومن قواعده النحوية والبلاغية، تلك القواعد التي كرّسها القرآن وما سبقه من شعر عربيّ نعود إليه إن تعاجم علينا شيء من القرآن، كما يقول ابن عباس.
انطلاقا من ذلك، تستوقفنا شملة كبيرة من الجمل الخبرية التي تسيطر على مساحة واسعة من القرآن، وهذا أمر طبيعي إذ غالبًا ما قدّمت الآيات أخبارًا وقصصًا مرّ عليها قرون، مستخدمة الخبر الابتدائي… والخبر هو ما يحتمل الصدق أو الكذب، ولكن هل هذا ينسحب على قدسية الكتاب ذي الكلام القاطع الذّي لا يحتمل صفة الخبر وتعريفه؟ واللافت الأكبر، هو الخبر من نوع آخر، وهو الطلبي والانكاري المؤكّدين. فهل يحتاج الله سبحانه وتعالى، إلى تأكيد كلامه؟ وإذا كان هذا الأمر طبيعيًّا ومألوفًا في حديثه مع العامّة الذين رفضوا الكثير من الأحكام والروايات وكذّبوها، فكيف يمكن تفسير الكلام الخبريّ المؤكّد والموجّه إلى الرسول نفسه حينًا، وإلى الملائكة حينًا آخر؟ ذلك الكلام الذي ليس فيه من قرينة تجعله ينسحب على الناس عمومًا، ما يجعل التأكيد فيه مسوّغًا، فحين خاطب الله الملائكة ليضعهم في أجواء ما يريد فعله من جعل آدم خليفة على الأرض، نراه يستخدم الخبر الطلبي الذي لا تفسير له إلا تردّد المتلقّي في تقبّل الخبر. والمتلقّي هنا لا يحتاج إلى ما يجعله مصدّقًا كلام الخالق، وهو الأكثر معرفة به وبعلمه وقدرته وصفاته الأخرى «إنّي جاعل في الأرض خليفة، إنّي أعلم ما لا تعلمون، ألم أقل لكم إنّي أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون» فلماذا هذا التواتر في الكلام (ألم أقل)؟ ولماذا استخدام ما يؤكّده عند تكراره؟
وحين يخاطب الرسول في ظروف حرجة، نرى الخبر الطلبي والانكاري حيث أداة أو أداتان من أدوات التوكيد «إنّا أعطيناك الكوثر… إنّ شانئك هو الأبتر». «وإنّ لك لأجرًا غير منون… وإنّك لعلى خلق عظيم». «وللآخرة خير لك من الأولى.. ولسوف يعطيك ربّك فترضى»وغيرها من الآيات الكثيرة التي إذا طبّقنا عليها علم المعاني وقاعدة الجمل الخبرية لأدخلتنا في إطار السؤال: ما الذي يجعل الله سبحانه وتعالى مضطّرا لتأكيد كلامه، رغم أنّ الموجّه إليهم هذا الخطاب من الرسول والملائكة هم أكثر تصديقًا لما أنزل عليهم؟ إنّ أكثر من احتمال يراود السائل هنا، ومنها: هل كان المخاطَبون من الرسول والملائكة يحتاجون إلى ما يطئمن قلوبهم؟ هل كان النبيّ (ص) قد راوده شكّ ما، وسيطر عليه شيء من اليأس والإحباط في لحظات، الكلّ يجمع على مدى معاناته وإيلامه من أقرب الناس فيها؟ وهل هذا الشكّ المؤدّي إلى اليقين كان لا بدّ منه لكي يؤكّد الله بشرية النبيّ وصفاته التي تتقاطع مع غيره من الأنبياء والبشر؟ ألا يحقّ لنبيّ لم ير معجزة محسوسة كسابقيه من الأنبياء أن تراوده ومن سيأتي بعده من بشر تلك الأسئلة التي راودت أنبياء المعجزات الحسيّة؟ فهل طلب النبيّ (ص) ضمنيًّا، والله يعلم ما يكتم في قلب عبده، أن يريه الله ما أرى غيره لتقرّ عينه؟ أليس هذا ما حصل مع كليمه موسى(ع)؟ «وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ». أليس هذا ما حصل مع خليل الله إبراهيم (ع) حين أحب أن يطمئنّ قلبه؟ «وإذ قال ابراهيم ربّ أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئنّ قلبي». فإنّ ما زخرت به الآيات من أخبار طلبية وانكارية، توجّه بها الله إلى خير مصدّق لما أنزل من الوحي في الكتاب، ليس سوى تأكيد وترسيخ لفكرة أنّ النبيّ بشريّ معرّض للتساؤل في حالات شهدت أزمات وصعوبات، وإن لم يعلن ذلك جليًّا فإنّ الله أعلم بذات الصدور، فخاطب النبيّ الذي أكثر ما وصف نفسه بأنه عبدالله كباقي عبيده وبأنه بشر مثلهم يوحى إليه، خاطبه مراعيًا ظروفه وطبيعة تركيبته الآدمية.. والأكثر أهمية من ذلك، فإنّ هذه الجمل الاشكالية لصدورها عن من لا يصدر عنه سوى الصدق والكلام غير الخاضع لامتحان التصديق والتكذيب، ليست سوى درس إلى باقي البشر ومن سيأتي ليكمل مسيرة النبيّ من ذوي الألباب، بأنّ صفتهم الأساسية تكمن في البحث والتيقّن من تلقي الخبر، وليس من الكفر أن يراود المرء شكّ طالما أنه بشر لم يدرك المعجزة بالحواس التي هي من أدوات العقل الرئيسة.
كاتب لبناني

الخبر المؤكَّد في القرآن تشريع للشكّ

د. علي نسر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية