فولكلورية القمة العربية وبعض الأسرار

قد يخطىء من يرفع سقف التوقعات للقمة العربية التي تعقد وتختتم باقل من 24 ساعة اليوم الاربعاء في الاردن.
وقد يجد نفسه تائها وضائعا إذا ما اغرق في التفاؤل أو افرط بالتشاؤم فكل المؤشرات تقول بان الحال العربي قد يبقى على حاله بلا جديد او تطور يمكن أن يحقق اختراقا من أي نوع.
يصدق السفير السعودي في الأردن الأمير خالد بن فيصل عندما يصف قمة البحر الميت بانها تهدف لمنع اختراق الامة العربية فمثل هذه المهمة البائسة على قاعدة ما تيسر هي التي يمكن انجازها فعلا وبالحد الأدنى دون أن يتوهم المواطن العربي بأن القمة ستحقق اختراقا تجاه الآخرين.
بهذا المعنى وتجنبا للصدمة أو لنتائج الإفراط في التفاؤل لا بد من التعاطي بواقعية مع مقدمات ونهايات وآفاق قمة العرب التي تعقد مع نهاية هذا الاسبوع في أخفض نقطة في الكرة الأرضية وفي اقرب مسافة لإسرائيل التي تراقب على الضفة الغربية للبحر الميت وكذلك في ظل موقف في غاية التعقيد.
من باب العلم بالشيء والسياق المعلوماتي لا بد من تسجيل بعض الملاحظات التي سمعتها بثبات طوال وقت التحضير من مسؤولين بارزين في الأردن من الواضح أنهم يعلمون ما يجري ويستطيعون التنبؤ ولديهم توجيهات.
أولا: في ابرز قضيتين عربيتين بعد ملف فلسطين الازلي وهما العراق وسوريا تقر هوامش قمة العرب بعدم الحاجة لمناقشة أي تفصيل أو جزئية مثيرة للاهتمام على المسارين السوري والعراقي على أساس واضح ويلمسه الجميع وهو الإقرار الضمني بتدويل وأقلمة الأزمتين في سوريا والعراق.
هنا حصريا يقر المنظمون للقمة بان النظام الرسمي العربي خارج التغطية والتأثير عندما يتعلق الأمر في كل صغيرة وكبيرة داخل العراق فما يحصل في الموصل أو ما سيحصل لاحقا في الرقة يترتب دون تأثير حقيقي وجوهري للنظام الرسمي العربي الذي لا يشاوره أحد.
قالها عمرو موسى مبكرا في القصر الملكي الأردني حتى عندما يتعلق الأمر بضخ مياه لقرية سورية محاصرة أو سحب مقاتلين من أخرى أو ترتيب هدنة في سنجار لا مكان للعرب ولا لمشاورتهم، فالأطراف الدولية ثم الاقليمية هي التي تتفاوض وتتصرف وتكتفي عواصم العرب بالانضمام إلى مسلسل قرية الفرجة كما يصف السياسي والبرلماني الأردني عبد الرحيم البقاعي.
لافت جدا في السياق ان الزعامات العربية تدرك مسبقا قدراتها فلا تناور لفظيا ولا إعلاميا وتحتفظ بخلافاتها المتعلقة بسوريا والعراق على أساس أن التمسك بهذه الخلافات أو السعي لإزالتها مسألتان لا تحدثان فارقا في الواقع الميداني.
من هنا رصدنا كمراقبين مبكرا هالة البرود التي أحاطت بقمة البحر الميت عندما يتعلق الأمر بسوريا والعراق حيث لا مكان فعليا لأي قول عربي وهذا ما تقره عمان ومعها بقية عواصم العرب، الأمر الذي جعل الجميع مسبقا في حالة استرخاء وبالنتيجة دفع القمة إلى طابعها الفلكلوري والتراثي ليس اكثر ولا اقل.
اردني مخضرم ومحنك عقد امامي المقاربة الطريفة التالية حينما قال: موسم القمة العربية أشبه بعيد الفطر السعيد حيث لا يتحدث ابناء العمومة والأشقاء مع بعضهم البعض طوال العام وصباح العيد يتبادلون القهوة والمصافحة فيما تبقى أجواء الخلافات كما هي دون حل أو حلحلة إلى ان يشترك الجميع في العيد اللاحق بنفس الطقس.
ثانيا: يمكن ببساطة ملاحظة أن الموجة الوحيدة التي يحاول ركوبها الجميع على نحو أو آخر هي القضية الفلسطينية حيث يرتفع المؤشر وينخفض كلما حاولت دولة عربية قوية حل مشكلاتها مع الادارة الأمريكية او اسرائيل او غيرهما على حساب الشعب الفلسطيني.. هنا حتى لا نغرق بالوهم يمكن القول بان بقاء القضية الفلسطينية على جدول أعمال القمة لا ينبع من الاهتمام القومي والاخلاقي والديني بقدر ما ينبعث من اجندات انتهازية ومصلحية لها علاقة بالملف الوحيد الذي يستطيع العرب تقديم التنازلات فيه من أجل انفسهم وليس من اجل فلسطين.
أجواء ومناخات القمة التي تتوج اليوم الأربعاء بلقاء القادة والزعماء تبدو مطمئنة أيضا إلى أن البيع والشراء والمتاجرة بمعاناة الشعب الفلسطيني موضة تستمر للموسم التالي وبالتالي يمكن فهم سخونة تبادل التصريحات عشية القمة بين كل الاطراف حول القضية الفلسطينية على هذا الأساس.
ثالثا: انجزت ترتيبات تحضير القمة وسط إقرار رفيع المستوى من جانب الأردنيين مثلا بان الخوض في الازمة اليمنية لا مبرر له ايضا فالمواقف متخندقة هنا واطراف اللعبة ايضا اقليمية ودولية، والتصدع جذري وعميق داخل حتى المعسكر الخليجي والحساسية عند السعودية تحديدا في أعلى معدلاتها.
بالتالي يتطلب انقاذ القمة عدم الخوض في مستنقع الازمة اليمنية وهو ما يمكن القول بانه تم ايضا الاقرار مسبقا به دون تحديد سقف للاختراق في ملف يرتبط ايضا بالخلافات حول مسألة من طراز الحوار مع إيران أو تركيا أو كلتيهما.
دون هذه المعطيات بقيت القمة فلكلورية بامتياز، تنطوي على مشهد ايجابي اجتماعيا وله علاقة بلقاء القادة والمسؤولين العرب تحت سقف واحد لعدة ساعات أو لأيام قليلة مع تبادل الابتسامات والمجاملات وذلك اضعف الايمان.

٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

فولكلورية القمة العربية وبعض الأسرار

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية