«يجب تسليم العراق إلى أمريكا التي تعتبر القوة الوحيدة القادرة على قطع أذرع الدول الإقليمية فيه، مثل تركيا وقطر وإيران وباقي دول الخليج الممتدة داخل العراق والتي لا تريد لنا إلا الدمار والتقسيم واستنزاف خيرات بلادنا».
أخيرا…. وجد أحدهم الدواء الشافي لمعضلة العراق، الدواء الذي لم يعثر عليه طوال هذه السنوات أحد من جهابذة السياسة والاستراتيجية في العالم كله. نعم.. هذا ما قاله بالضبط قبل يومين شعلان الكريم النائب في البرلمان العراقي عن «حزب القوى الوطنية» (هكذا!!). وحيث إن هذا المقترح الذي قاله لبرنامج «بالعـــــراقي» لتلفزيون «الحرة – العراق» مقترح وجيه للغاية ولا تنقصه بطبيعة الحال لا الوطنية ولا الوجاهة ولا الفطنة، فقد بات لزاما الوقوف عند مواقف النبوغ عند هذا النائب من مدينة سامراء الذي اختاره الشعب العراقي في برلمانه عن محافظة صلاح الدين.
ليس سهلا الغوص في شخصية بمثل هذا العمق والشمولية وبعد النظر والرؤية الثاقبة خاصة عندما يباغتك في ذات المقابلة بالقول إن أزمة العراق «لن تعرف النهاية إلا باتفاق الساسة العراقيين على إنشاء دولة مدنية تعترف بحق كل مواطن عراقي ويسودها العدل والمساواة بين كل الأطياف والأعراق»… فيصيبنا مرة أخرى بالدوار وذلك بعد أن اقتنعا للتو أن تسليم العراق إلى أمريكا هو الترياق، الذي سينهي، دون غيره، آلام العراقيين ويردع كل المتدخلين في شؤونهم، علما أن أمريكا ليست طبعا من بينهم، ولا هي،لا سمح الله، من بين من يريد تقسيمه أو استنزاف خيراته!!.
هذا النائب يطلق عليه محبوه على صفحات التواصل الاجتماعي ألقابا من نوع «النائب القائد» أو «القائد الشيخ» بل وأحيانا «صاحب السمو شعلان بن عبد الجبار آل الكريم» وذلك في إشارة إلى أنه شيخ عشيرة البوعيسى، كما يقدم هو نفسه في موقعه على «تويتر»، مع أن لإيقاع هذا الاسم الفخم رائحة خليجية كان يفترض بسموه أن ينأى بنفسه عنها خاصة أن هذا التشبه هو مع قوم لا يريدون لشعبه «إلا الدمار والتقسيم واستنزاف الخيرات».
يبدو أن ما قاله هذا النائب الخمسيني الحاصل على شهادة الإعدادية، وفق ما جاء في بياناته الشخصية عند ظهور نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة عام 2014 التي نشرتها مفوضية الانتخابات، ما هو إلا ترجمة أمينة لشعاره الذي اختاره لحملته الانتخابية ضمن «ائتلاف الوطنية» آنذاك وهو «قل الحق ولو كان مرا»… وهل هناك حق أكثر من الاعتراف بعظمة أمريكا وقدرتها على حل كل معضلات العالم في طرفة عين ؟! وهل من مرارة تعادل مرارة الاعتراف بضرورة تسليم البلد إليها !؟. ولكن كيف لنا أن نهضم مثل هذه الدعوة التي أطلقها النائب على قناة أمريكية حتى تصل بسرعة إلى واشنطن ويتلقفها شخص مثل دونالد ترامب المتلهف أصلا لذلك ولا يحتاج لمن يحرضه، حين يؤكد في خضم الانتخابات الأخيرة على «موقفنا في الاستمرار بمشروعنا الوطني وانقاذ العراق والعراقيين من الوضع الراهن ومحاولة الوصول الى برلمان. حيث ان من أهم مميزات القائمة الوطنية هو اصرارنا وثباتنا على تحقيق المشروع الوطني الذي يهدف الى بناء دولة المواطنة التي تقوم على العدل والمساواة وسيادة القانون وتوفير الخدمات» (!!).
وعندما تريد العودة للبحث أكثر عن هذا النائب المغرم جدا بالمقابلات التلفزيونية، التي بالمناسبة لم يستثن منها في مرات عدة حتى الخليجية التي تريد الدمار لبلاد الرافدين، ستجد، وأنت تنتقل بين المواقع المنسوبة له أو لمحبيه، كما يطلقون على أنفسهم، الكثير الكثير من صوره، فالرجل الذي لا يتخلى عن غترته وعقاله يبدو مغرما جدا بنفسه إلى حد الاستنجاد بالشعر القديم لمدح نفسه، كتلك الأبيات لأبي مدين التلمساني التي تقول:
تحيا بكم كل أرض تنزلون بها
كأنكم لبقاع الأرض أمطار
وتشتهي العين فيكم منظراً حسنا
كأنكم في عيون الناس أزهار
ونوركم يهتدي الساري لرؤيته
كأنكم في ظلام الليل أقمار
ولأن شعر الفصحى قد لا يفي الرجل حقه، فقد استنجد بالشعر الشعبي الذي يقول بعضه:
المرجلة يا خوي.. هي طولة البال،
هي العزم، هي الصبر في الظلايم
فيها الكرم، عزة دلة وفنجال
فيها الكرامة عن ردى الطبع شايم
كلمة المرجلة هذه تحديدا تذكرنا بما قاله الرئيس العراقي الراحل صدام حسين خلال موكب إعدامه، ذلك أن مطالبة هذا النائب، شيخ عشيرة عربية من النشامى الغيورين، بتسليم بلاده للأمريكيين، حتى على افتراض صحة كل ما قاله عن تآمر دول الجوار عليه، وعلى افتراض تساوي كل المتآمرين في ذلك من إيران إلى تركيا إلى دول الخليج العربية، أمر لا علاقة له الحقيقة بالمرجلة لا من قريب ولا من بعيد».هي هاي المرجلة!!؟؟»….
٭ كاتب وإعلامي تونسي
محمد كريشان