الرأسمالية الافتراسية أجهضت الديمقراطية

بعد حديث حول المترشحين للرئاسيات الفرنسية والتوجه السياسي والتكوين الثقافي لكلّ منهم، سألني صديق عربي يحمل الجنسية الفرنسية: إنني محتار لمن أصوت، فماذا ترى؟ قلت له: لماذا لا تصوت لجان لوك ميلنشون؟ لم يبق في فرنسا من سياسي يساري حقيقي سواه. فأجاب: أظنني سأفعل. ولكن لما رأيته بعدها بأيام، قال لي إنه سيصوت لإمانويل ماكرون. وعلّل قراره بأنه أخذ بخيار «التصويت المفيد» (حسب العبارة الشائعة)، لأن ماكرون هو المرشح الوحيد القادر على الانتصار على مارين لوبين لو وصلت إلى الدورة الثانية.
صحيح أن فرص ميلنشون في استجماع ما يكفي من الأصوات لتجاوز الدورة الأولى فرص محدودة، ولو أن من المحتمل أن النسبة التي سيحصل عليها هذه المرة قد تكون أعلى نسبة يحظى بها منذ بدء حياته السياسية، بحكم أن من المحتمل أن يجني ثمار ضعف مرشح الحزب الاشتراكي بنوا هامون، وثمار سخط «شعب اليسار» من سقوط حكومة هولاند في شراك عقيدة الرأسمالية المتوحشة، رغم أنها منبثقة رسميا عن الحزب الاشتراكي (الذي لم يبق له من الاشتراكية إلا الوهم الباهت والاسم المضلّل).
ولكنّ ما يميّز ميلنشون في هذا الزمن الذي لم يعد فيه للسياسة من معنى، بسبب استلابها لصالح حقائق السوق وبسبب تلهّف النخب الحاكمة على الامتثال لإملاءات كبريات الشركات العالمية وإرضاء مراكز القرار المالي، هو أنه سياسي ثابت على مبادئه اليسارية، لم يبدّل ولم يتنكّر. بل إنه صار في الفترة الأخيرة أكثر اقتناعا بوجوب تسخير الحكم وموارده لخدمة عامة الناس لأن السياسات المنتهجة في الدول الغربية منذ أكثر من ثلاثة عقود قد أهملت المسألة الاجتماعية، فتركت المحتاجين والضعفاء دون حماية. بل إنها قد نبذتهم إلى العراء: عراء الغاب الرأسمالي الافتراسي.
ذلك أن الديمقراطيات الغربية التي أفلحت، طيلة حوالي أربعة عقود بعد الحرب العالمية الثانية، في التأليف بين مقتضيات الليبرالية السياسية وقيم التكافل الاجتماعي (في صيغ شتى من أنظمة الديمقراطية الاشتراكية، أو ما يسمّى في صيغة أعمّ، ولكنها أدقّ، أنظمة «الاقتصاد الاجتماعي») قد تنكرت لمنجزاتها ولعهدها المجيد (النصف الثاني من القرن العشرين) الذي جعل من الرأسمالية الأوروبية أنجح نظام اجتماعي-اقتصادي في التاريخ الإنساني، وجعل أوروبا الغربية تبدو نموذجا للجنة الموعودة بالنسبة لشعوب أوروبا الشرقية. وقد بدأ هذا التنكر وهذه القطيعة منذ نهاية السبعينيات بوصول مارغريت تاتشر ورونالد ريغان إلى الحكم في بريطانيا وأمريكا في سياق ما سمي آنذاك بـ»الثورة المحافظة»، أي الثورة على مكتسبات دولة الرعاية الاجتماعية التي كانت بمثابة النعمة التي أثمرتها، بضرب بديع من مكر التاريخ، نقمة الحرب العالمية الثانية وما خلّفته من ويلات البؤس الاجتماعي.
تمثلت الثورة المحافظة، التي هي في الحقيقة أدهى ردة رجعيّة في التاريخ المعاصر، في تفكيك القطاع العام، وإقصاء الدولة من كل مجالات الفعل الاجتماعي التواصلي والتكافلي، وبيع كل شيء للقطاع الخاص بدعوى ضمان النجاعة والمردودية، حتى أنه قيل إن تاتشر خصخصت كل ما وقعت عليه يداها، ولو أتيح لها أن تخصخص حتى الأسرة المالكة، الرامزة لوحدة بريطانيا وعراقة تاريخها، لما ترددت. فقد كانت حماستها للرأسمالية المعربدة، المتحللة من كل قيد، حماسة تقرب من التعصب الديني.
وبما أن توني بلير وغوردون براون قد سارا على نهج تاتشر السياسي، حتى أن الكاتب سايمون جنكنز سلكهما في عداد من سماهم أطفال تاتشر» في كتابه «تاتشر وأبناؤها»، فإن حكم «حزب العمال الجديد» لم يفعل سوى تعميق هذا التوجه الرأسمالي المتوحش، حيث أن الجديد في حزب العمال هو أنه لم يعد لا عماليا ولا يساريا! ولهذا كان المحتجون ضد الحكومة أمام مقرها في داوننغ ستريت يرفعون لافتات كتب عليها «توري بلير». ومعروف أن «توري» هو الاسم الشعبي لحزب المحافظين. ولا تزال نزعة تغليب منطق السوق وقيم الربح هي النزعة المهيمنة في بريطانيا، حيث أن المحافظين ظلوا، منذ عودتهم إلى السلطة عام2010 بقيادة ديفيد كامرون، يهددون هيئة الإذاعة البريطانية، بي بي سي، بالخصخصة كلما لاح لهم منها ما يتوهمون أنه تحيز يساري! وبالطبع ليس في الأمر يسارية ولا يحزنون، وإنما هي حيلة يفزع إليها الساسة المحافظون كلما ضاقت بهم سبل المكر السياسي.

٭ كاتب تونسي

الرأسمالية الافتراسية أجهضت الديمقراطية

مالك التريكي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية