تنبع التصريحات المتواترة عن الحاجة إلى «حل اقليمي» للنزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني والتي يطلقها إسرائيليون ضالعون في المسيرة ويسعون إلى تسوية النزاع، من عدة أسباب: فهي تعبر عن الرغبة في التغلب على ضعف الفلسطينيين عقب الانشقاق الداخلي بين «م.ت.ف» وحماس، التطلع إلى التدخل النشط والملزم من الدول العربية بتحقيق الاتفاق، في تطبيقه والحفاظ على استقراره، والأمل بعلاقات تجارية واقتصادية مع أسواق كانت حتى الان مغلقة في وجه الإسرائيليين، بحيث تتثبت كجزء من التطبيع مع العالم العربي.
مقابلها، فإن التصريحات المشابهة التي يطلقها رئيس الوزراء وبعض من الوزراء تعبر عن رغبة في الامتناع عن حل النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني وفقا لصيغة الدولتين. الهدف: استغلال مصالح بعض الدول العربية ومخاوفها من التهديد الإيراني، والعمل على أن تفرض التسوية على الفلسطينيين أو تعمل على حفظ الوضع الراهن معهم ـ دون أن تدفع إسرائيل الثمن اللازم لاقامة تسوية مستقرة تكون مقبولة من الفلسطينيين.
أماني رئيس الوزراء هذه منقطعة عن تاريخ النزاع ومنظومة اضطرارات العالم العربي بالنسبة للفلسطينيين. وأخطر من ذلك، فإن السعي إلى تحقيقها من شأنه أن يعيد إسرائيل والفلسطينيين إلى نقطة البداية التي يراوح فيها النزاع لسنوات عديدة: «إما كل شيء أو لا شيء».
مثل القيادة الفلسطينية اليوم، بعد الحرب العالمية الاولى كان يوجد المفتي الحاج أمين الحسيني في موقف دون في مواجهة الحركة الصهيونية، التي كانت منظمة جيدا ونالت دعما دوليا واسعا. فالمعسكر الفلسطيني الذي وقف هو على رأسه كان منقسما، منشقا ومصابا بالفساد. وكان بالاساس منعزلا لان الدول العربية كانت منشغلة كل منها بشؤونها. ولما كان الحال هكذا فقد سعى المفتي إلى تجنيد العالم الاسلامي لمساعدة عرب فلسطين، بدعوى أن اليهود يسعون إلى هدم المسجد الاقصى وإقامة الهيكل على خرابه، وانه بعد احتلال فلسطين سيتوجهون إلى احتلال المنطقة بأسرها.
ولكن عرب فلسطين لم يقصدوا منح الدول العربية الحق في تمثيلهم مقابل مساعدتها لهم. فتشكيل اللجنة العربية العليا، في 1936، ضمن صدارة الفلسطينيين حتى حرب الاستقلال. وكان رفض قرار التقسيم في 1947، وخروجهم إلى الحرب لالغائه، واجتياح الجيوش المرسلة من الدول العربية إلى بلاد إسرائيل، صادر من الفلسطينيين الحق في تمثيل أنفسهم. فلم يتم اشراكهم في اتفاقات الهدنة ولا في مؤتمر المصالحة في لوزان. ومع أن المصريين اقاموا «حكومة عموم فلسطين» في غزة برئاسة المفتي، الا ان الملك عبدالله أخذ لنفسه الحق في تمثل الفلسطينيين مع ضم الضفة في 1950.
تغير الواقع بعد أن تبلورت القيادة الفلسطينية الجديدة. فمع سيطرة عرفات على «م.ت.ف» في 1969 تثبت مبدأ «القرار المستقل». أي ان الفلسطينيين يطالبون بأخذ كل القرارات المتعلقة بهم بشكل مستقل، وفقا لمصالحهم وليس وفقا لمصالح الدول العربية. وجاء قرار الجامعة العربية في 1974، بتأييد من الملك حسين، بالاعتراف بـ «م.ت.ف» كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، والغاء الحسين ضم الضفة الغربية في آذار 1988، فقد أكملوا الثورة في موضوع تمثيل الفلسطينيين. وأدى اعتراف «م.ت.ف» في نهاية ذاك العام بقرار الامم المتحدة 181 و 242 إلى إعتراف أمريكي بحق التمثيل أيضا، وفي 1993، اعترفت إسرائيل هي الاخرى بها في إطار اتفاقات اوسلو.
إن اعتراف الامم المتحدة بـ م.ت.ف كمنظمة مراقب فيها في 1974، تحول في 2012 إلى اعتراف بفلسطين في خطوط 1967 كدولة مراقب من جانب 138 دولة.
اتفاقات السلام مع مصر وبعد ذلك مع الاردن، واتفاقات اوسلو مع م.ت.ف، وضعت الفلسطينيين في مقدمة المسرح السياسي. فقد اعترفت الجامعة العربية ومؤتمر الدول الاسلامية بالاتفاقات التي وقعتها م.ت.ف. ومنحت مبادرة الجامعة العربية بالفعل إطارا لاتفاقات السلام بين إسرائيل والعالم العربي، ولكن هذه مشروطة بتسوية النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني وفقا للمعايير المقبولة من الاسرة الدولية و«م.ت.ف». صحيح أن مكانة محمود عباس و«م.ت.ف» منوطة بتأييد الدول السنية المعتدلة وهو يدفع لها بين الحين والاخر ضريبة، مثل الاتفاق الذي وقعه في آذار/مارس 2013 مع الاردن، وبموجبه فإن عبدالله الثاني هو «الوصي على المواقع المقدسة في القدس… ولا سيما الحرم الشريف»، وصاحب الصلاحيات «لتمثيل المصالح» في المواقع المقدسة. ولكن هذا دون التنازل عن البند القائل ان «حكومة دولة فلسطين، بصفتها المعبرة عن حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، لها الحق في السيادة على كل جزء من اراضيها، بما في ذلك القدس».
إن عباس على علم بهبوط شعاع القضية الفلسطينية، مثلما أجاد في التعبير عن ذلك الصحافي محمد الشيخ في صحيفة «الجزيرة» السعودية في كانون الثاني من هذا العام: «أمر آخر على الفلسطينيين أن يفهموه هو أن عرب اليوم ليسوا عرب الأمس وانه طرأ تراجع في مكانة المسألة الفلسطينية لدى العرب. فهي لم تعد المسألة الاولى في سموها بالنسبة لهم، إذ توجد حروب أهلية مدمرة في أربع دول عربية. اضافة إلى ذلك، فإن الحرب ضد الارهاب الاسلامي المزعوم، هي القلق الاول الذي يقض مضاجع كل العرب دون استثناء».
ولكن عباس، مثل باقي الزعماء العرب، يعرف أيضا بأن «الشارع العربي» بكل تياراته لن يوافق بسهولة على قبول اتفاقات سلام وتطبيع مع إسرائيل دون تسوية المسألة الفلسطينية، ومن شأن الامر ان يؤدي إلى هز الاستقرار في كل المنطقة.
يخشى عباس بالفعل من «مؤامرة» بين الادارة الأمريكية، إسرائيل وبعض الدول العربية في ما يسمى «مفاوضات اقليمية» تأتي على حساب الفلسطينيين، في ما يشبه محاولة الأمريكيين في السنة الماضية، والتي أفشلها نتنياهو. وقد اضطر هو و«م.ت.ف» إلى أن يواجها في الفترة الاخيرة اجتماعات مختلفة تهدد مكانتهما السياسية، مثل «مؤتمر دعم الانتفاضة» في طهران، مؤتمر اسطنبول الذي تحدى «م.ت.ف» و«مؤتمر الفلسطينيين في اوروبا»، الذي تنظمه حماس وسينعقد في منتصف نيسان في روتردام. من الجهة الاخرى، فإن بيان وزراء خارجية الجامعة العربية قبيل القمة العربية، التي افتتحت في عمان الأربعاء، والذي يتبنى مبادرة الجامعة العربية في 2002 كأساس للمفاوضات، عزز جدا مكانة عباس. كما أن المكالمة الهاتفية القصيرة له مع الرئيس الأمريكي ثبتت مجددا مركزيته كعنوان سياسي.
تقف إسرائيل أمام فرصة غير مسبوقة للتأثير على تصميم الواقع الشرق أوسطي، قبل أن يتبلور هذا وفقا للميول التي وصفت أعلاه ونتائجها ستكون تخليد النزاع وتقدم اهداف إيران، تركيا وقطر (بشكل مباشر أم من خلال فروعها: حماس، الجهاد الاسلامي الفلسطيني وحزب الله). فضعف «م.ت.ف» لن يخفي المسألة الفلسطينية. والاسوأ من ذلك هو أنه سيسرع فقط الانتقال إلى قيادة حماس، الكفيلة بأن تغير قريبا ميثاقها، ولكن هذا لن يجعلها شريكا لاتفاق دائم. إسرائيل ملزمة بالصحوة والحرص على مصالحها. فالطريق إلى الرياض، إلى دول الخليج ودول اخرى يجب أن تمر في رام الله.
شاؤول أرئيلي
هآرتس 31/3/2017
صحف عبرية