ثمة مسافة شاسعة، تقليدياً، بين هموم العرب ومشكلاتهم من جهة، واهتمامات حكامهم من جهة ثانية. سبق لتقارير التنمية البشرية التي تصدرها منظمة الأمم المتحدة، سنوياً، أن دقت جرس الإنذار، منذ مطلع الألفية الجديدة، بشأن الأوضاع المتردية في البلدان العربية في مختلف المجالات. ثم جاءت موجة ثورات الربيع العربي، منذ أواخر 2010، لتكشف عن عمق المشكلات التي تعاني منها الدول والمجتمعات العربية بكل تعقيداتها. لكن تقاليد العمل السياسي العربي، على المستوى الرسمي، لم تكد تتغير قيد أنملة. وعموماً واجهت الأنظمة العربية تلك الثورات بمقادير متفاوتة من العنف، وبمساعٍ كثيفة لحرفها عن أهدافها، وإغراقها بمشكلات من خارجها، شكلت بمجموعها محاولةً مستميتة لوأد فكرة التغيير.
اليوم تواجه الدول العربية تحديات إضافية، ربما كان من الممكن تجنبها، لو اتخذت التفاعلات السياسية مع معطى الثورات مساراً آخر. فإضافة إلى المشكلات المزمنة التي أدى تراكمها إلى تلك الانفجارات الاجتماعية، بات عدد من الدول العربية مهدداً بالتفكك، أو سار بعضها أشواطاً على هذا الطريق. وينذر التوتر المذهبي الشيعي – السني العابر للدول، والمتمفصل مع توتر عربي خليجي – إيراني، بمزيد من الحرائق الاجتماعية والصدامات بين الدول. ولم تكن التدخلات العربية في مواقع الصراع في الوجهة الصحيحة، بل أدت إلى تأجيج تلك الصراعات أكثر وأكثر، مقابل عجز جامعة الدول العربية، ومؤسسة القمة المنبثقة منها، عن فعل شيء لاحتواء تلك الصراعات بما يخدم تطلعات الشعوب العربية، وفي النتيجة الدول العربية.
بنظرة إجمالية إلى بؤر الخراب والدمار في المنطقة العربية، كسوريا وليبيا واليمن والعراق، نرى غياباً تاماً لأي دور عربي في تحديد مصائر تلك البلدان، ناهيكم عن أي دور للقوى المتصارعة المحلية نفسها فيها، باستثناء دور الأدوات المنفذة لمصالح قوى إقليمية ودولية. غالباً ما تجتمع الدول الفاعلة، بمظلة الأمم المتحدة أو بغيابها، للتباحث حول الصراعات الدائرة في تلك البلدان، أو لإبرام صفقات فيما بينها لتوزيع «تركة الرجل المريض العربي» في غياب أصحاب العلاقة، وفي غياب أي دور عربي، جماعي أو فردي، والحالة المعيارية هي سوريا.
وعلى رغم الانقسامات بين الحكومات العربية، في مواقفها من الثورات والصراعات في الدول العربية، ليست هناك دولة عربية مركزية – أو محور دول – ذات ثقل وازن، سواء في الفضاء العربي أو في المحافل الدولية، يمكن أن تشكل بديلاً عن الدور العربي الجماعي. مصر التي يؤهلها تاريخها وثقلها الديموغرافي للعب هذا الدور، تمر بأسوأ فترة في تاريخها الحديث، في ظل حكم انقلابي نجح نجاحاً باهراً في خراب مصر وتفكيك عراها المجتمعية وتسويد صورتها. المنظومة الخليجية فشلت في ترجمة ثقلها الاقتصادي إلى دور سياسي فاعل على المستوى الإقليمي والدولي.
فما الذي كان يمكن أن يتوقعه المرء، والحال العربية على ما هي عليه، من مؤتمر قمة جديد يضاف إلى سجل مثيلاته السابقات؟ ربما كان الجديد الوحيد الذي استحق اهتماماً من قادة الدول هو التغيير الذي حصل في الإدارة الأمريكية مطلع هذا العام، وكيف يمكن التكيف مع السياسات المحتملة للإدارة الجديدة بخصوص منطقتنا؟ لا شيء طبعاً حول كيف يمكن التأثير في تلك السياسات بما يتقاطع مع «مصلحة عربية» غير موجودة أصلاً؟ بل هناك، بدلاً منها، مصالح متضاربة للنخب الحاكمة في مختلف الدول العربية، الأمر الذي يجعل من أي محاولات للتأثير في سياسات الدول العظمى تذهب في اتجاهات متباينة ومتضاربة. لا يمكن أن تكون هناك «مصالح عربية عامة» إلا بوجود دول ذات مؤسسات راسخة، بعيداً عن الشخصنة والنخب الحاكمة إلى الأبد. دول تنبثق من إرادة عامة يمكنها تحديد مصالحها القومية والتوافق بشأنها وفرض احترامها على الدول الأخرى.
أما ما هي المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية والسياسية التي ينبغي التصدي لها في مختلف الدول العربية قبل أن تجرفها الحرائق، كحال بؤر الصراع القائمة اليوم، فهي غالباً من اختصاص الأجهزة السلطوية في كل دولة على انفراد، «تعالجها» بالطريقة الوحيدة التي تعرفها. فلا مكان لها في المداولات الجماعية بين الحكام، كما لا مكان لها في أي نقاش مجتمعي عام في كل بلد على حدة.
يكاد تقليد إصدار «البيان الختامي» يتحول إلى عبء مضجر بلا طائل. فهو غالباً ما يكون نسخاً للبيانات السابقة، مع تحديثات لا بد منها بما يتسق مع بعض المستجدات الطارئة. تخضع صياغة تلك البيانات لمساومات شاقة لتمرير كلمة أو عبارة، أو حذف غيرهما. كل هذا «العمل الشاق» من أجل نشره على وسائل الإعلام، ثم حفظه في الأرشيف، من غير أن يترك أي أثر على سياسات الدول العربية الموقعة عليه. وهكذا استعاد البيان الختامي لقمة البحر الميت أولوية القضية الفلسطينية ومركزيتها، مؤكداً على استمرار تبني القمة لـ«المبادرة العربية» لحل القضية الفلسطينية حلاً سياسياً. واعتبرت القمة أنها أنجزت إنجازاً كبيراً بعدم الخضوع لطلب المندوب الأمريكي المتضمن إجراء تعديلات على نص تلك المبادرة، تطلبها إسرائيل.
في حين تركت القمة، عبر بيانها، الصراعات الداخلية في البلدان العربية المتفجرة، لمرجعياتها الدولية المعتمدة، كمرجعية جنيف بالنسبة للموضوع السوري، وما وراءها من إرادات دول فاعلة كروسيا وإيران وتركيا. وإن كان البيان قد تضمن إشارة واضحة للعامل التخريبي الإيراني العابر للإقليم. حتى هذه الإشارة لا تلزم جميع الدول الموقعة على البيان بموقف موحد صارم من التخريب الإيراني، ناهيكم عن الاتفاق على إجراءات رادعة بشأنه.
واتخذ قرار بتكليف كل من مصر والأردن والسلطة الفلسطينية بنقل «وجهة النظر العربية» من الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، وسبل تسويته السلمية وفقاً للمبادرة العربية، إلى الإدارة الأمريكية الجديدة. حقاً لا نعرف على وجه اليقين هل سيتباحث قادة الدول المذكورة مع الرئيس ترامب فعلاً حول هذا الموضوع، أم أن كلاً منهم ستكون لديه همومه الخاصة، في لقاء هو أصلاً للتعارف أكثر من كونه مخصصاً لمباحثات سياسية؟ وهل سيعبرون عن «قلقهم» من احتمال نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، على ما وعد دونالد ترامب أثناء حملته الانتخابية؟ أم أنهم سيكتفون بما أشار إليه البيان الختامي للقمة بهذا الخصوص؟
أشارت وسائل الإعلام المواكبة لأعمال القمة إلى أنها كانت مناسبة لترطيب الأجواء بين عدد من القادة العرب الذين باعدت بعض المواقف السياسية والتصريحات الإعلامية فيما بينهم. أي أن «مصالحات» تمت بين متخاصمين، وأخرى لم تتم كحال العلاقة المصرية ـ القطرية التي أكدت أجواء القمة على استمرار التوتر فيها. سواء «تصالح» القادة أو استمروا في «الخصام» فهذا مما يشير إلى مدى الشخصنة في العلاقات بين الدول العربية وغياب التقاليد المؤسسية. وهي انعكاس أمين لشخصنة أجهزة الحكم في كل دولة، الأمر الذي يحتاج وحده إلى ثورة بحالها لصناعة دول. هذا ما كان جزءاً من التوقعات من ثورات الربيع العربي المجهضة إلى الآن.
لم تخيب قمة البحر الميت أي توقعات، حالها كحال القمم التي سبقتها. العالم اليوم يمضي نحو تغيرات كبيرة، يغلب عليها الطابع الارتكاسي: من الانفتاح إلى الانغلاق على الذات، ومن المرونة إلى التصلب، ومن تعزيز ثقافة الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان إلى «الحرب على الإرهاب» وكراهية الأجانب والخوف من الإسلام.
المنطقة التي تشمل ضمناً معظم الدول العربية، تخضع لإعادة تقاسم مناطق النفوذ فيها بين الدول العظمى، في الطريق إلى إعادة صياغة «نظام أمني إقليمي جديد» وربما يتضمن هذا المسار إعادة رسم لخرائط الدول القائمة. وفي سوريا تجري عملية تغيير ديموغرافي مطرد في عدد من المناطق.
في ظل هذه التحديات الجسام، اجتمع حكام الدول العربية في البحر الميت، ونجحوا في إصدار بيان ختامي جديد يضاف إلى أرشيف البيانات الختامية السابقة.
بكر صدقي