عمان ـ «القدس العربي»: اختصر وزير الخارجية الأردني النشط والديناميكي ايمن الصفدي مسافة التحليل والاستنتاج عندما ختم تماما فعاليات القمة العربية بعبارة متوازنة لا تخلو من الذكاء قال فيها: «القمة نجحت لكنها لن تعالج الوضع العربي السيئ والمشكلات القائمة بين ليلة وضحاها».
أهمية مثل هذه العبارة التي وردت على لسان المشرف على الدبلوماسية الأردني لا تقف عند اختصار المشهد فقط بل تتجاوزه باتجاه التعبير وبدقة ملحوظة عن الاستراتيجية الأردنية التي تم اتباعها والتي ترتكز على النجاح في عقد القمة في الجانب التنظيمي والأمـني دون الـــوقــوف مطولا عند نجاحها في الجانب السياسي.
لذلك تم التعاطي مع فعاليات القمة على أساس «تسكين الآلام» وعدم اظهار الحماس للتسرع في معالجة الخلافات البينية والتجاذبات بل التركيز على احتواء هذه الخلافات وتخديرها وتسكينها قدر الامكان وعدم السماح لها بالانفلات في عمان أو قاعات الاجتماعات وعلى أساس الادراك المسبق لان القضايا المختلف عليها بين المحاور العربية خارج نطاق «التأثير العربي» أصلا سلبا وإيجابا وبالتالي لا مبرر للسماح للخلافات بالسيطرة على الايقاع.
بوضوح شديد تم التوافق مع القيادة المصرية على هذا الاتجاه وحظي المستضيف الأردني بالوقت الكافي لاقناع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز بفلسفة التحضير على هذا الأساس وتم التفاهم مع الأمين العام للجامعة العربية أحمد ابو الغيط على التحاقه بهذا الجهد وتجنب مناكفته، الأمر الذي رحب به ضمنيا الزعماء العرب وقبلهم وزراء الخارجية في الاجتماعات المغلقة التي تهندست أصلا عبر اللقاءات الثنائية والوجاهية قبل الاجتماع الرسمي وبصورة تعزز أسلوب «تسكين الألم» بدلا من التركيز على تنشيطه.
هنا يمكن ببساطة ملاحظة ان الاجتماع التحضيري لوزراء الخارجية العرب كان قصيرا جدا قياسا بالقمم السابقة ولم ينطو على انفعالات واستمر ليوم واحد ولنصف نهار في إجراء تنظيمي تكتيكي يتحكم فيه في العادة البلد المستضيف.
أهداف ثلاثة لملك الأردن
وهنا حصريا يمكن تحليل الموقف الرسمي الأردني من حيث التفاصيل، فقد كان قرار الملك عبد الله الثاني عندما تعلق الأمر باستضافة القمة مستندا إلى ثلاثة أهداف رئيسية تتمثل في احتواء الخلافات والتجاذبات قدر الامكان أولا، وإعادة إنتاج التموضع للدور الأردني على المستوى العربي والإقليمي ثانيا، وثالثا وقد يكون الأهم في ذهنية غرفة القرار الأردنية النجاح الأمني.
ضمن هذه المعطيات والأهداف المحددة سلفا تحركت الماكينة الأردنية في اختبار عملي بمنتهى الحساسية والدقة فتولى الوزير الصفدي زيارات واتصالات مكوكية قبل القمة وبذل العاهل الملك عبد الله الثاني شخصيا جهدا كبيرا لاستقطاب الزعماء العرب وحشدهم حتى انه زار ملك المغرب محمد السادس لاقناعه بالحضور.
في الأثناء ولتحقيق الأهداف الثلاثة تم توزيع المهام بين المؤسسات الأردنية البيروقراطية والسياسية والأمنية بعناية فائقة لتحقيق معيار النجاح الثلاثي ودون رفع سقف التوقعات أو التدخل بصفة رئاسة القمة في مستنقع الخلافات العربية وهو ما المح له الملك مبكرا عندما استضاف أعضاء لجنة الشؤون الدولية العربية رافضا دعوة السياسي المخضرم عمرو موسى لان يتحرك الأردن بحماس تجاه تمثيل الدول العربية في المحافل الأساسية.
في الأثناء أيضا طور الأردنيون بمهارة فكرة احتواء التجاذبات وعزلها وتقرر التقاسم الوظيفي والواجباتي على هذا الأساس ضمن سلسلة من التكتيكات السياسية والاجرائية التي تؤدي لتحقيق الأهداف الثلاثة التي رسمها القصر الملكي مسبقا حتى يتجنب تحول القمة العربية في حد ذاتها إلى عبء لاحقا أو تحويلها إلى مساهمة فعالة في الخلافات والتجاذبات، الأمر الذي يفسر ارضاء جميع الأطراف على نحو أو آخر ضمن سلسلة من التسويات التي ارتبطت سواء في البيان الختامي أو بالصيغة العمومية لما سمي بإعلان عمان.
تقاسم وظيفي
مسألتان في الإطار التنظيمي الأردني تقررتا في السياق التكتيكي لضمان فعالية وإنتاجية برنامج العمل.
الأولى تسليم الإدارة البروتوكولية والأمنية حصريا للفرق والمؤسسات المحترفة العاملة مع القصر الملكي وبما يضمن دورا محدودا في التفاصيل لبقية المؤسسات المحلية والبيروقراطية بما في ذلك الحكومة وطاقمها. حصل ذلك تجنبا للارتجال ومنعا للاجتهادات والعشوائية في العمل. يمكن في السياق ملاحظة ان عبء تأمين القمة والضيوف والطرق ومفارز التفتيش والسهر على أمن فعاليات قمة البحر الميت تولاها بشكل حصري الحرس الملكي الأردني دون بقية المؤسسات العسكرية والأمنية وباعتباره يمثل المجموعة الأكثر احترافا في الإدارة الأمنية.
رجال الحرس الملكي اظهروا كفاءة نادرة في إدارة المشهد المتعلق بواجباتنا فقد تم تأمين تفاصيل حماية القمة بدون زحام وبشكل ناعم ومتجرد وبلغة حضارية لم تؤد للانفعال أو لغضب أي ضيف.
لاحقا حصرت تفاصيل الضيوف والإعلام واللوجستيات بالطاقم لمحدود عمليا لإدارة التشريفات الملكية بقيادة رئيس هذه الإدارة عامر الفايز.
وهنا قام فريق التشريفات بجهد جبار على الأرض ويتردد ان عناصر التشريفات غادرهم النوم لأكثر من خمسة أيام متواصلة وبالرغم من حصول بعض الهفوات الصغيرة هنا أو هناك إلا ان إدارة التشريفات مع الحرس الملكي أظهرت مستويات تعيد الثقة الشعبية بالمؤسسات من حيث الاحتراف لان واجب مؤسسات الظل هذه التي لا تمتدح بالعادة ولا يعرف عن رموزها الرأي العام ولا الضيوف كان تحقيق الهدف الثالث والأهم.
وهو تأمين فعاليات القمة وبمنطقة مفتوحة تماما ودون حصول ولو حادث أمني واحد فقط من أي نوع باستثناء حادث سير نتج عن تزاحم وفد بحريني حاول المشاركة في استقبال الملك سلمان بن عبد العزيز.
طبعا هنا أراد الأردن اظهار قدراته التنظيمية والأمنية وقد اظهرها في نظام الواجبات التي تولاها قطاع الحرس الملكي والتشريفات.
لماذا عزلت الصحافة؟
تحقيق الهدفين الأول والثاني تطلب البروز التكتيكي لقصة أثارت جدلا واستفسر عنها كل الضيوف الإعلاميين في القمة والحديث هنا حصريا عن عزل الصحافة والإعلام جغرافيا ولوجستيا وعمليا عن الفعاليات حتى يتمكن فريق وزارة الخارجية والديوان الملكي من احتواء كل أصناف التجاذبات بين وزراء الخارجية والوفود في اجتماعات التحضير.
الأردن امتطى مجازفة هنا وقام بالتضحية بثمار الظهور الإعلامي لصالح منطق التحكم والسيطرة بالتفاصيل.
من الواضح ان السلطات الأردنية تقبلت الانتقادات الإعلامية وجازفت بتقبل عدم وجود إعلاميين كبار واساسيين يظهرون في هوامش القمم في العادة حتى تمنع تسريب الوثائق والتفاصيل عبر عزل الصحافة التام لمسافة لا تقل عن كيلو مترين في أحد الفنادق.
هذا التكتيك أدى لخسائر لكن وظيفته الأساسية من الواضح انها نجحت لان الغرض خدمة استراتيجية احتواء الخلافات واظهار القدرة على التحكم والسيطرة واخفاء التجاذبات بين الدول العربية، الأمر الذي نجح بوضوح وبطريقة مكنت الوزير الصفدي ومن خلفه دبلوماسيين محترفين من وزن السفير الأردني في القاهرة علي العايد من لملمة الخلافات والسيطرة على ايقاع التوصيات والتجول في مساحة الاحتواء نفسها بين أعضاء الوفود الرسمية في الوقت الذي تكفل فيه الملك شخصيا بحشد أكبر عدد ممكن من الزعماء العرب بحيث أصبحت قمته وبإقرار الأمين العام للجامعة العربية احمد ابو الغيظ الأكثر تمثيلا.
هذه باختصار خفايا وتفكيك رموز عبارة الصفدي عندما قال ان القمة نجحت.