السلام لإسرائيل والحرب لإيران

سلام مع إسرائيل وحرب ضد إيران، هذه أجواء القمة العربية التى عقدت مؤخرا على شاطئ «البحر الميت « في الأردن، التي تقرر إيفاد الملك عبد الله بنتائجها إلى واشنطن، ولقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بهدف تحصيل البركة، ومقابل مئات المليارات من الدولارات حصل عليها ترامب، وتبرع بها قادة عرب زاروا عتبات الرئيس الملياردير، والتقوا مسؤولي البيت الأبيض قبل قمة التقاط الصور «السيلفي».
هو السلام بالوكالة إذن، وكذلك الحرب، فبعض الحكام العرب يسعون لمفاوضة إسرائيل وأمريكا بالوكالة عن الفلسطينيين، ولا يريدون سوى «خيال مآتة» يسمونه الدولة الفلسطينية، وحكام أكثر نفوذا من الجهة المالية، يشترون الجامعة العربية وموظفيها، ويقاولون على البيانات الختامية المعدة سلفا للقمم إياها، ولا يعيرون التفاتا للقضية الفلسطينية، ولا إلى ما يجرى فيها، وجل همهم إيران، فهم لا يريدون سوى إعلان الحرب على إيران، ومقايضة العداء لإيران بالعداء المتقادم لإسرائيل، ويرون العدو في طهران لا في تل أبيب، وكما لم يكونوا طرفا مباشرا في الحروب ضد إسرائيل في أي وقت، فهم يريدون تكرار عجزهم الخلقي في الحرب المرادة ضد إيران، وليس لهم من بضاعة الحرب سوى دفاتر الشيكات، يدفعونها هذه المرة لسيد البيت الأبيض المهووس بالمال، على أمل تشجيعه لخوض حرب بالسلاح ضد إيران، وإلغاء الاتفاق النووي معها، وقصف طهران جويا، وربما قيادة حملة برية لغزو إيران، وهو وهم لو يعلمون عظيم، يشتريه حكام الفوائض المالية المستقطعة من ثروات شعوبهم، وعلى ظن أنهم يهددون إيران، ويردعونها بالتخويف من جبروت «الفتوة الأمريكاني»، الذي لا يجرؤ على خوض حرب عسكرية ضد إيران، ويعرف مسبقا عواقبها الوخيمة، التي ليس أقلها احتمال الصدام المباشر مع الروس، وقد منحتهم إيران حق استخدام قواعدها العسكرية، ووثقت تحالف طهران ـ موسكو في لقاء بوتين والرئيس الإيراني روحاني، عشية القمة الميتة في «البحر الميت»، ولن يجازف ترامب ـ مهما بلغت حماقته ـ بصدام مع الروس قد يتطور نوويا، وهو المتهم في بلاده بالعمالة للروس، فوق إعجابه الظاهر المفرط بذكاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
والمؤكد أنه لا سلام نهائي مع كيان الاغتصاب الإسرائيلي، لا في المدى القريب، ولا في المدى المتوسط، والسبب ظاهر جدا حتى للعميان، فإسرائيل لا تريد الجلاء عن شبر أرض في فلسطين، ولا في الجولان التي أعلنت ضمها بالكامل، ولا شيء يدفع إسرائيل الآن إلى قبول صفقات سلام، ولا إلى التجاوب مع عروض الحكام العرب المعنيين، اللهم إلا في الاستعداد لإجراء مفاوضات من أجل المفاوضات، وعلى طريقة مفاوضات الربع قرن الأخير مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس وصحبه، التي منحت إسرائيل زمنا ممتدا آمنا، استطاعت فيه تهويد القدس المحتلة على نحو شبه كامل، وزرعت خمسين بالمئة من أراضي الضفة الغربية بالمستوطنات اليهودية، ولم يبق من شيء تقريبا للتفاوض عليه، ولا مانع عند إسرائيل، ولا عند رئيس حكومتها الحالي بنيامين نتنياهو، لا مانع عندهم من قبول تفاوض جديد، أو إيحاء بالتفاوض، يكسبون به زمنا إضافيا، يمكنهم من إتمام التهويد الكامل للضفة الغربية والقدس، ويفرضون به شروط الوضع النهائي، وهو ترسيم «الفصل العنصري» للفلسطينيين، ومنح حكم ذاتي للسكان الفلسطينيين دون الأرض، وبما يشبه الوضع الحالي، ولا مانع عند الإسرائيليين من حديث الفلسطينيين عن إقامة دولة، بشرط أن تكون الدولة بلا دولة، وأن يكون الاحتلال بلا تكلفة دم، وألا تكون للدولة ـ إياها ـ سيادة ولا جيش، وأن تكون السيطرة الوحيدة والكلمة الفصل للجيش الإسرائيلي من نهر الأردن إلى البحر المتوسط، وأن يلهو عباس وصحبه، أو من يخلفه ويخلفهم، بأحاديث الصفات الرئاسية والوزارية، ما دامت القصة كلها لا تزيد عن حكم ذاتي محسن.
أما «غزة» المحررة فعليا، فلها حديث آخر، ولا مانع عند إسرائيل من جعلها دويلة فلسطينية، تريد ضم قطعة من «سيناء» المصرية إليها، وهو ما يرفضه المصريون بالبداهة، وإن كانت إسرائيل تتصور أنه يمكن الضغط على مصر، وبديهي أن عروض إسرائيل لن تقبل فلسطينيا، حتى لو لم يكن من مانع لدى الحكام العرب المعنيين، من وراء عنوان قيادي فلسطيني يتخذونه ستارا، فقد فات أوان تقبل وإقناعية شعار الدولة الفلسطينية نفسه، وعاد الصراع كما بدأ على الأرض الفلسطينية كلها، وصار عدد الفلسطينيين مساويا لعدد اليهود في كل فلسطين، ولم يعد من فارق جوهري بين فلسطين المحتلة في نكبة 1948، وفلسطين المضافة للاحتلال في حرب 1967، ومن الآن فصاعدا، سوف يصبح الفلسطينيون أغلبية سكانية في كل وطنهم المحتل، وسوف يتحول اليهود إلى أقلية تحكم وتحتل وتضطهد، على نحو ما كان يحدث في جنوب إفريقيا زمن العنصرية، وحكم التاريخ في هذه الحالة ظاهر بغير التباس، فلم يحدث أبدا، أن استمر احتلال استيطاني مع بقاء الأغلبية السكانية للمواطنين الأصليين، ولا تصل الشعوب إلى النتيجة المظفرة تلقائيا بالطبع، أو بمجرد الغلبة السكانية، بل بكفاح سياسي وفدائي لا ينقطع، والشعب الفلسطيني قادر على النصر في الصراع الطويل المرير، فهو أكثر الشعوب العربية تعليما وتأهيلا، ومقدرته على المقاومة لا تنفد، والوقائع المرئية تشهد بعبقريته النادرة في تجديد أساليب الكفاح، وترسانة إسرائيل النووية لن تنفعها في مواجهة القنابل البشرية الفلسطينية، وكل تسوية موقوتة، وبافتراض إمكانية التوصل إليها، في الحال أو في الاستقبال، لن تكون سوى سلام موهوم، وهذا هو جوهر الخطأ والخطيئة، الذي والتي يتورط فيه وفيها الحكام العرب المعنيون، وهم يتصورون إمكانية بيع فلسطين لنتنياهو وترامب، مقابل تعزيز فرصهم في البقاء على كراسي الحكم، بدعوى تنفيذ ما تسمى «مبادرة السلام العربية»، التي لا يقبل منها نتنياهو شقها الخاص بإعادة الأراضي المحتلة للفلسطينيين والعرب، ويريد استثمار عروضها الخاصة بتطبيع علاقات العرب مع إسرائيل، وهو ما يجري تدبيره الآن في كواليس واشنطن، ومن وراء ستار الدعوة إلى ما يسمونه «مؤتمر سلام عربي إسرائيلي»، وإقامة ما يسمى بالسلام الإقليمي، الذي يجمع إسرائيل ودولا عربية بعينها من وراء هدف الحرب ضد إيران، وصوغ تحالف سني ـ يهودي ضد إيران الشيعية النووية بحسب رغبات نتنياهو.
هذا هو العار الذي يريدونه لنا بالضبط، أي إحلال إيران محل إسرائيل في مدار العداوة، فأمريكا لا تستطيع خوض حرب مباشرة ضد إيران، ولا أن تلبي مطالب إسرائيل وعربها الملحة، وقصارى ما تملك أن تفعله، لا يعدو فرض المزيد من عقوبات السياسة والاقتصاد على طهران، وقد بنت إيران قوتها العسكرية والعلمية الهائلة ببركة العقوبات الأمريكية، وبفضل الاستجابة للتحدي الذي مثلته العقوبات، ثم أن إيران خرجت من عزلتها بالاتفاق النووي متعدد الأطراف، ومدت جسورا قوية اقتصاديا مع دول أوروبا الرئيسية، ومع الصين المتحدية لواشنطن اقتصاديا واستراتيجيا، وأقامت علاقات عسكرية ونووية متطورة مع روسيا، وهو ما يزيد من مقدرتها على مناطحة ترامب رأسا برأس، فوق قدرتها على تهديد إسرائيل بقوة حماس وقوة حزب الله، وإسرائيل، لا تخاف أحدا في المشرق أكثر من حزب الله، وادت سياستها في المنطقة لاضافة مدد عظيم للقوة الإيرانية، ودفع الشيعة العرب إلى حضن الجار الإيراني، وجعلهم جزءا مباشرا من «التابعية» الإيرانية، وأدوات جاهزة لخدمة طهران و»الولي الفقيه»، وهو ما يتكرر ويتزايد الآن، وبدعوى التعبئة ضد إيران، وتدخلاتها الخشنة، وهو ما لن يؤدي فعليا، سوى إلى دعم توسع وتوحش النفوذ الإيراني، فإيران تكسب بقوتها الذاتية، وتكسب أكثر بغباوة وجهالة عرب الغفلة والكروش والتواطؤ، فقد أخلى العرب مواقعهم في مواجهة إسرائيل لصالح إيران، ثم ترك العرب شيعتهم زادا إضافيا سائغا لإيران، ثم يريدون توريطنا الآن في عار الخدمة العلنية المباشرة لأمريكا وإسرائيل، وتصوير طهران كأنها العدو الأولى بالحرب، وتصوير محاربة إيران كواجب ديني وقومي، وجعل ترامب ونتنياهو من أولياء الله الصالحين، والاستهداء بإرشاداتهم الجليلة في الذود عن حياض «أهل السنة والجماعة»، والتزوير الشامل للإسلام والعروبة، وجعل الاستسلام والتحالف مع إسرائيل فرضا وسنة، وأداء صلاة الجماعة من خلف حاخامات إسرائيل.

السلام لإسرائيل والحرب لإيران

عبد الحليم قنديل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية