قضت محكمة مصرية بإسقاط حكم المحكمة الإدارية العليا الذي أبطل اتفاقية ترسيم الحدود مع السعودية، وبغض النظر عن آليّات عمل القضاء المصري فإن قيام محكمة مختصة «بالأمور المستعجلة» بالنظر في قضية ملتهبة من هذا النوع بسرعة وحسمها وذلك بعد أيام قليلة من اجتماع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بالملك السعودي سلمان بن عبد العزيز أمر يثير العجب وقد يفتح الباب واسعا للمصريين للسخرية من قضائهم وأحكامه.
فالحكم الذي صدر ببطلان اتفاقية تيران وصنافير والذي احتفلت به فئات من المصريين أيّما احتفال كما لو كان يوم استقلال مصر عن السعودية واعتبر انتصاراً لأحكام القضاء العادل وإنجازاً كبيراً للمحامين المدافعين عن سيادة الشعب المصري على أراضيه وتحدّياً للمؤسسة المصرية الحاكمة تصادف مع فترة توتّر سياسية بين البلدين وبالتالي فإن المزاعم الكبرى التي أحاطت بالحكم القضائي لم تكن، على الأغلب، غير استخدام ذكيّ للمؤسسة المصرية الحاكمة للضغط على السعودية وإخلاء مسؤوليتها المباشرة عن ذلك بنسبته إلى عدالة القضاء المصري.
الحكم الأخير يعطي دفعة قوية للفرضية الآنفة وذلك ببساطة لأننا، وخلال أيّام من لقاء القمّة الأردنية بين الملك السعودي والرئيس المصري شهدنا انخساف سحر العدالة المصرية مع ظهور محكمة مختصة «بالأمور المستعجلة» تستعجل، كما يقول اسمها، في إصدار حكم يرضي الحاكم المصري ويستخفّ بمزاعم السيادة والعدالة والقضاء النزيه وكذلك ببطولات المحامين الأشاوس والجمهور المتحمس لضربة قاضية توجّهها القاهرة للرياض في مباراة سياسية ليس مهمّا فيها العمل بالوقائع أو بالحقوق أو بالأخوة العربية، وحسب تلك المباراة، أن تهزم السعودية وتوقعها أرضاً!
يعيد حكم المحكمة الجديد الأخير التذكير بالتسريبات التي أصبحت إحدى العلامات الفارقة على العقلية التي يدار بها الحكم المصري الحالي والتي يشبّه فيها السيسي أموال دول الخليج العربي بالرزّ (دلالة على الغنى الفاحش)، ولا تفعل السلوكيّات السياسية (وما يتبعها من أحكام قضائية) في مصر حاليّاً غير تأكيد نمطية واضحة للعلاقة بين حكّام القاهرة العسكريين ودول الخليج العربي (بل ودول العالم) وهي علاقة نفعيّة خالصة تقوم على مقايضة المواقف السياسية بالمال.
تعود المعادلة المصرية ـ السعودية فيما يخص تيران وصنافير إلى طريقة التنميط والقوالب الإعلامية التي مارستها أطراف كثيرة من النخب العربية لعقود ضد دول الخليج العربي عموماً والتي تغذّت على نار الخلافات السياسية بين أنظمة جمهورية «ثورية» وملكية «رجعية»، واستندت إلى مقارنات ثقافوية بائسة تسيء للعرب والإسلام (وبالضرورة لمصر أيضاً) وتقوم على فرضيّات ركيكة وعنصرية واستشراقية يمارسها العرب ضد بعضهم البعض.
لكنّ هذه المعادلة، من جهة أخرى، تكشف الانحطاط السياسي الذي انحدرت إليه بعض النخب الحاكمة لأنها تتجاهل مسؤوليتها في الوضع الكارثي الذي آلت إليه مصر وهي الغنية بالسكان والموقع الجغرافي والتاريخ الحضاري العظيم والنخب العلمية والسياسية ولكن الاستبداد المتوحش هبط بها هذا الهبوط المزري وجعلها تنتظر المساعدات الخليجية وقروض صندوق النقد الدولي، وتستجدي الرئيس الروسي إعادة سياحه، لتقايض كل ذلك بمواقف سياسية ضد الفلسطينيين والسوريين والليبيين، بدل أن تنظر إلى وجه مسؤوليتها البشعة عن تدهور بلادها وتحاول النهوض به.
رأي القدس