في صحة القادة العرب

لا تنشغلوا ببياناتهم ومواقفهم، بل دققوا مليا في ملامحهم ووجوههم. ستجدون أغلبها مرهقا وذابلا، ولكنهم في المجمل وكما يؤكدون بخير. لقد عادوا جميعا وبلا استثناء في ختام قمة البحر الميت سالمين معافين إلى دولهم وعروشهم وكراسيهم. ورغم أن منهم من سقط من درج طائرته ومن تعثر على السجاد الاحمر ومن غفا في الجلسات العلنية للقمة، إلا أن القادة والزعماء الذين اجتمعوا الاسبوع الماضي وبذلوا جهدا استثنائيا خارقا حتى يخرجوا ببيان ناري صاخب، لا يزالون محتفظين بكامل لياقتهم وصحتهم، ولا يعانون من اي اعراض أو مضاعفات قد تمس، لا قدر الله، سلامتهم وعنفوانهم.
وربما كانت مثل تلك الحوادث البسيطة التي صادفوها، كسقوط العماد عون، فرصة نادرة وثمينة منَّ بها القدر على الشعوب حتى تعيد اكتشافهم، وتتأكد من انهم لم يكونوا مثلما صورهم الاعلام الرسمي انصاف آلهة لا يتعثرون ولا يسقطون ابدا أمام كاميرا التلفزيون، وتحصل ايضا على الدليل القاطع على انهم ليسوا بالنهاية سوى بشر مثل كل البشر، يضعفون ويمرضون ويتعثرون ويسقطون ويحصل لهم ما قد يحصل لاي أحد من الناس العاديين.
قد يبدو الامر بسيطا وساذجا ولكن ما العمل فذاكرة الشعوب مصابة ومضروبة، في الوقت الذي لا يعاني فيه هؤلاء الحكام من اي علامات قد تدل على انهم مصابون بالزهايمر. هم يتذكرون جيدا ويعرفون بالتفصيل كيف وصلوا للسلطة، ويدركون جيدا ما حصل لزملائهم قبل ست سنوات من الان، حين فر بن علي من تونس، واضطر مبارك لاعادة السلطة للعسكر في مصر، وأصر عبد الله صالح والقذافي وبشار على القتال للاخر من اجل الحفاظ على كراسيهم، والاهم من ذلك هم يحفظون الدروس جيدا، ويعملون وفقا لما يعتقدون انها الطرق المثلى لقطع الطريق على كل تفكير في استنساخ ما يعتبرونها مآسي السنوات الاخيرة. ولكن شعوبهم باتت وبمرور الوقت تفقد كل قدرة على استعادة السياقات التي ثارت فيها عليهم، بل بدأت تشعر بنوع من الاسى وحتى الحسرة والندم على المصائر الكئيبة والبائسة لبعض المختفين منهم، ممن ظلوا مسيطرين على رقابهم ومتحكمين في انفاسهم سنوات. واستمرت رغم كل شيء في ربط مصيرها بمصيرهم وقياس صحتها وعنفوانها بصحتهم وسلامتهم. لماذا فعلت ذلك وكيف تحولت مداهنتها وسكونها إلى استسلام وانجذاب أعمى؟
كنت شاهدا منتصف التسعينيات على جدال جرى في مؤتمر اسلامي بمدينة مراكش في المغرب، فقد القى الزعيم الاسلامي الراحل محفوظ النحناح في ذلك الوقت خطابا حول دور الائمة والخطباء في العالم الاسلامي، ليلخصه في التطبيل للحكام والدعاء لهم بطول العمر قائلا، إنهم لا يقولون الا «مات الملك عاش الملك». ولان كلامه لم يعجب وزير الاوقاف المغربي فقد رد عليه على الفور «نحن هنا في المغرب لا نقول الا عاش الملك عاش الملك». وكلكم يعرف بعد ذلك بالطبع كيف مات الملك الذي كان يهتف الوزير بحياته ثم خلفه ابنه في العرش.
ولكن لندع ذلك الان ونعد إلى قمة البحر الميت وننظر مثلا إلى الرئيس التونسي الذي كان واحدا من بين الحاضرين فيها. ما الذي ميزه عن غيره من القادة والزعماء ؟ لقد جلس مسترخيا على كرسيه الاثير حول طاولة كان فيها قادة لم يختلفوا كثيرا عن بن علي في جوره واستبداده، بل ربما فاقوه بطشا وقسوة ودموية في قمع شعوبهم. ولم يكن حضوره الشكلي والرمزي ليفرق في شيء عن حضور الباقين، بل لم يكن هناك اصلا من ينتظر أو يتوقع منه شيئا مناقضا لذلك.
قد لا يكون مهما ما قاله في القمة، فمعظم التونسيين لا يبدون اهتماما واسعا بذلك. ولكن المهم هو كيف يتصورون مستقبلهم من بعده أو من دونه؟ إن جزءا من ذلك المستقبل يرتبط بشكل مباشر ووثيق بصحة وسلامة التسعيني الذي اختاروه في انتخابات حرة ليحكمهم. هل سيكمل عهدته الرئاسية على خير؟ وهل ستسير الامور اذا حصل له مكروه أو أصيب بعارض صحي، يجعله غير قادر على الاستمرار في مهامه بالسهولة والبساطة التي تجنبهم شبح الصراعات والهزات المخيفة؟
لا شك أن الاعمار بيد لله، ولا أحد باستطاعته الرجم بالغيب أو معرفة ما تخبئه الاقدار، ولكن الاسئلة ذاتها التي طرحت قبل ثلاثين عاما في تونس، أي زمن الرئيس الراحل بورقيبة باتت تتكرر الان بقوة في عهد واحد من تلامذته ووزرائه السابقين اي الباجي قائد السبسي.
انه اليوم عميد القادة والزعماء العرب مثلما كان بورقيبة في وقت من الاوقات عميدهم. صحيح انه لا يملك سجلا طويلا وحافلا في الرئاسة، مثلما يملك معظمهم، فقد امضى فيها أقل من ثلاثة اعوام ولكنه خبرها عن قرب على مدى نصف قرن أو يزيد، وهو يبدو الان اطولهم عمرا، بعد أن اكمل عقده التسعين.
وما يشد الانتباه ان ما يحصل مع العميد المستنير قائد السبسي يكاد يكون مع بعض الفوارق والتعديلات نسخة طبق الاصل لما كان يجرى مع العميد المستبد بورقيبة.
فقد كانت تونس طوال حكمه اسيرة لرغبات واوامر رجل مريض ومرهق لم يمنعه تقدمه في السن ولا اصابته اواخر الستينيات بانهيار عصبي، من الاستمرار في السلطة حتى ازاحته على يد وزيره الاول فيما يعرف بالانقلاب الطبي.
ولم يسمح ذلك بالطبع سوى بظهور جيل من السياسيين، مهمته الوحيدة هي الصراع على خلافته بالتقرب منه ومن حاشيته. إن الصورة لم تختلف كثيرا في زمن الاستثناء التونسي. فالانتقال الديمقراطي يبدو معلقا بمصير قائد السبسي والمجهول الذي ينتظر تونس بعده.
وما قاله قبل ايام وزير التربية التونسي في تصريح لصحيفة «الشارع المغاربي» من انه يساند ترشح الرئيس لولاية ثانية ربما يكون صوتا غريبا وناشزا، ولكنه قد يحمل في طياته الكثير من الدلالات. فما الفرق بين تلك الرغبة والمناشدات القديمة لابن علي ولباقي الرؤساء العرب حتى يستمروا في السلطة تحت مبرر أن الشعب هو من يطلب منهم ذلك؟
لقد قال الرئيس الراحل بورقيبة في اخر خطاب له في الذكرى الثلاثين لاعلان الجمهورية في تونس «ونحن اذا نحتفل اليوم بهذه الذكرى المجيدة انما لنقيس الفارق الكبير بين ما كنا عليه قبل ثلاثين سنة، وما أصبحنا عليه اليوم من تطور وازدهار». لكن ما بقي راسخا وثابتا بعد ثلاثين عاما من تلك الكلمات، ذلك الفارق الشاسع والصارخ بين صحة القائد والزعيم وصحة باقي ابناء شعبه المعدم.
فسواء كان القائد ديمقراطيا أم مستبدا، تبقى صحته وسلامته هي الامن القومي والقضية الاولى والاخيرة التي يكرس لها وقته وجهده، أما الباقي فتظل شعارات ومسكنات لا تغني ولا تسمن من جوع. انظروا إلى وجوه البسطاء والمعدمين في شوارعكم من المحيط إلى الخليج ثم تأملوا بعدها وجوه قادتكم وزعمائكم وستخلصون فورا إلى تلك النتيجة.
كاتب وصحافي من تونس

 في صحة القادة العرب

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية