تطرح المأساة في إدلب أسئلة أكثر مما تطرح من أجوبة، وبالتأكيد ليست الاجوبة التي يمكن أن نحدد بناء عليها بيقين ما حصل، كيف حصل ومن المسؤول عن ذلك. فحتى الحقائق الاكثر اساسية موضع خلاف. فهل طائرات سلاح جو نظام الأسد هي التي القت بالمادة الكيميائية؟
معظم المؤشرات تدل على ان هذا كان نظام الأسد، وأن النظام استخدم غاز السارين، ناهيك عن أن ليس لدى الثوار قدرات جوية، باستثناء ربما استخدام الطائرات الصغيرة غير المأهولة، وأمثالها من الحوامات. للنظام ولروسيا فقط يوجد سلاح جو.
من جهة اخرى، فإنهما أعلنتا بشكل لا لبس فيه بأنهما لم تكونا ضالعتين بالهجوم الجوي. ومع أن هذا أغلب الظن هو غاز السارين، فليس واضحا تماما بعد بأن هذه هي المادة التي استخدمت وأنها هي التي تسببت بموت مئة شخص واصابة نحو 400 آخرين. فهل كان هذا هو غاز السارين كما تدعي المعارضة، ام ربما مادة كيميائية اخرى مثل الكلورين؟ ذات المادة التي سبق للأسد أن استخدمها في الماضي، وحسب الميثاق الدولي المضاد للسلاح الكيميائي فإنه محظور الاستخدام (الا للاهداف العسكرية).
واضح أيضا بأن من تضرر جراء ذلك من ناحية سياسية ـ دبلوماسية ـ دولية هو نظام الأسد، الذي يوجد في السنة الاخيرة في وضعه الافضل منذ سنين، بعد أن حقق ـ بمساعدة سلاح الجو الروسي والقوات البرية للميليشيات الشيعية المؤيدة لإيران وحزب الله ـ انجازات عديدة وثبت ووسع حدود سيطرته. وعليه فغريب ان يستخدم جيش الأسد السلاح الكيميائي في مثل هذه الظروف.
ناهيك عن أنه اذا ما تبين بالفعل انه تم استخدامه للسارين، فإن الامر يوفر دليلا على أن نظام الأسد لا يحترم التزامه الدولي من العام 2013، حين وقع على الميثاق المضاد للسلاح الكيميائي ووافق على التخلص من مخزون السلاح الكيميائي الهائل لديه، والذي كان واحدا من أكبر المخزونات في العالم.
ان استخدام السلاح الكيميائي، ولا سيما اذا كان هذا غاز السارين، فلن يفاجيء الاستخبارات الإسرائيلية. وذلك لان محافل البحث والتقدير تقول منذ سنين صراحة ان الأسد لم يفكك كل مخزون السلاح الكيميائي لديه. بل ابقى لديه «قدرة قليلة» تصل حتى نحو 10 في المئة مما كان لديه من قبل.
اذا ما تم بالفعل استخدام غاز السارين، فسيتعين على الاستخبارات الإسرائيلية أن تعيد الفحص فيما اذا كان المخزون المتبقي لدى الأسد قليلا مثلما قدر أم ربما أكبر. يبنغي التشديد على أن مبعوث الامم المتحدة إلى سوريا قال ان ما حصل قرب أدلب كان هجوما من الجو، ولكنه لم يقل ان هذا كان الجيش السوري وترك هذا القول لمجلس الأمن في الأمم المتحدة، اذا ما وعندما سينعقد للبحث في الأمر. ومن اجل الوصول إلى هذا الاستنتاج سيتعين على مجلس الامن أن يتلقى المعلومات والمساعدات من أجهزة الاستخبارات الغربية، اذا كانت لديها معلومات كهذه.
كما سيتعين على الامم المتحدة أو منظمة الميثاق ضد السلاح الكيميائي ارسال خبراء إلى سوريا لجمع العينات وفحص المصابين الذين تبقوا على قيد الحياة لمعرفة أي غاز تم استخدامه. لا يمكن أن يسهل الامر منذ هذه المرحلة هي شهادات المصابين الذين نجحوا في الوصول إلى المستشفيات في تركيا.
مهما يكن من أمر، فإن العالم يبدي مرة اخرى عجزا أمام مذبحة الشعب التي ترتكب في سوريا منذ أكثر من خمس سنوات. والخطيئة الاولى التي في خلفية عدم اكتراث العالم هي تذبذب الادارة الأمريكية السابقة برئاسة اوباما، الذي هدد بالهجوم في سوريا بعد الاستخدام الذي تم في ايلول 2013 للسلاح الكيميائي في ضواحي دمشق، واكتفى بتقرير روسي أدى إلى نزع السلاح الكيميائي من الأسد، الامر الذي بات هو أيضا الان موضع شك. من الصعب التصديق بأن إدارة ترامب الجديدة التي تحاول الوصول إلى تفاهمات مع روسيا على تسويات في بؤر النزاع في العالم، ستتخذ طريقة عمل تختلف عن سابقتها. وهي كفيلة حتى ان تكون أكثر تصالحا تجاه روسيا التي ترى في بقاء الأسد مصلحة حيوية لها.
إسرائيل هي الاخرى، رغم سياستها الحكيمة، في هذه المرحلة على الاقل، المتمثلة بعدم التدخل، يمكنها أن تعمل أكثر. كان على إسرائيل أن تتدخل أو أن تهدد بالتدخل في السنة الاولى للحرب الاهلية، حين كان لا يزال أمل في التأثير وتغيير الواقع بشكل كان يمكنه أن يؤدي إلى اسقاط النظام. اما الان، فقد فات الاوان. ومع ذلك، لا ينبغي الاكتفاء بالتنديدات.
إسرائيل، التي حظي فيها حتى الان اكثر من 3 الاف جريح حرب في سوريا العلاج في المستشفيات الميدانية التي اقامتها على الحدود وفي المستشفيات في ارجاء العالم، ينبغي الان أن تعلن بأنها مستعدة لان تستقبل للعلاج قسما من مصابي هجمة الغازات التي وقعت امس. ان هذه الهجمة بلا شك تعقد أكثر فأكثر الوضع الصعب على الفهم في اراضي الجارة من الشمال، وتعد أكثر فأكثر احتمالات الوصول إلى تسوية سياسية.
يوسي ميلمان
معاريف 5/4/2017
صحف عبرية