الغرب وحكومة حماس
د. علي محمد فخروالغرب وحكومة حماسقد يتعامل العقل الإعلامي الغربي مع كل الظواهر العربية، في كل الحقول، بالسؤال عن أسبابها إلاً في حقل السياسة فانه يكتفي بتحليل ووصف الظواهر دون أن يحاول معرفة أسبابها. ذلك أمر لاحظته في كل مؤتمر حضره كبار مندوبي الإعلام الغربي ليناقشوا مشاكل الأرض العربية وآلامها. والسبب في رأيي واضح. فهؤلاء الغربيون يعرفون جيداً أن كثيراً من أسباب عللنا ومآسينا ستتوجه بأصابع الإتهام إلي دولهم وإلي أمراض حضارتهم وإلي غفلة شعوبهم. من مآسي الشعب العربي في فلسطين والعراق والسودان، إلي العجرفة والهيمنة الصهيونية واستقوائها، إلي ضعف نظامنا القومي الإقليمي، إلي حصاراتنا الإقتصادية ونهب ثرواتنا الطبيعية، إلي إسناد الاستبداد الداخلي في أرضنا، إلي كل ذلك وغيره تتجه الأسباب إلي الموجات الاستعمارية الغربية المتلاحقة، وإلي إصرار الغرب علي تجزئتنا، وإلي رفض التعايش مع ثقافتنا وعدم الإعتراف بدين أغلبيتنا، وإلي تدويخنا بالمشكلة تلو المشكلة من أمثال زرع المشروع الصهيوني في أرضنا. الغرب يعرف جيداً أنه لن يستطيع النوم إن طرح الأسئلة الصادقة الصُّعبة علي نفسه ورأي خزي وعار تعامله التاريخي والحاضر معنا واكتشف كوابيس وزيف ما آلت إليه أفكار عصر الأنوار والحداثة التي نادي بها ثم خانها أوتناساها أو زورها.اليوم يمارس الغرب نفس اللعبة المخادعة للنفس مع حكومة حماس. التحليل والوصف يقودانه إلي أن حماس لا تعترف باسرائيل وتصر علي ما يسميه الإرهاب (المقاومة المسلُّحة المشروعة) وترفض الإعتراف بالاتفاقيات السابقة المجحفة بحقوق الفلسطينيين الأساسية المعروفة، لكنه كعادته لا يطرح علي نفسه الأسئلة ليعرف الأسباب. فالأسباب ستقود إلي الغرب. فهو الذي أقام إسرائيل وهو الذي سمح بتشريد سكان فلسطين، وهو الذي أمدًّ المافيات الصهيونية في فلسطين بالسلاح والمال والإسناد السياسي، وهو الذي سمح لعتاة الصهيونية بأن يمزقوا كل اتفاق سابق وبمعني آخر فان الغرب مسؤول مسؤولية كاملة، أخلاقية وسياسية وعسكرية واقتصادية، عن الكارثة العربية في فلسطين. وبدلاً من أن يتصالح مع ضميره وعقلانيته وشعاراته التي رفعها منذ بداية عصر الأنوار في الحرية والعدالة والإخاء والمساواة والعقلانية والمدنية لجميع البشر، فانه يطهر ضميره وروحه من خلال تقديم النصائح لحماس، ثم ابتزازها، ثم إذلالها لتقبل بحلول تتناقض مع كل مبادئ أنواره التي تلاشت في الظلام الحالك لتقلب ممارسته لحضارته إلي بربرية وجنون وعبث.هل نطلب من حماس أن ترفض طريق السلامة المعروض عليها كثمن لبيع شرفها وعذريتها؟ نعم، نطلب ذلك حتي ولو أدي هذا الرفض إلي فقدان جاه وصولجان السلطة اللذين يتسابق البعض علي استرجاعهما من يد الشعب الفلسطيني الذبيح. لكن دعنا نذكر حماس بقول الشاعر الألماني شيلر: إن سلامتنا لا تتحقق في عمانا عن رؤية الأشياء، وإنما تتحقق في مواجهة الأخطار: الغرب يريد لهم العمي ولا يريد لهم قط مواجهة الأخطار كرجال وكأبطال. دعنا نذكر حماس أيضاً بما قاله الأمريكي بنجامين فرانكلن: من أن أولئك الذين يتنازلون عن حريتهم ليعيشوا في سلامة مؤقتة لا يستحقون علي الإطلاق لا الحرية ولا السلامة .هل تحتاج قيادة فلسطين الحالية، ممثلة في حماس وليس في الانتهازية الفلسطينية السابقة واللاحقة التي تطالبهم بالنزول الي قاع الهزيمة ووحل العار، للمساعدة ؟ نعم، إنها بحاجة كبيرة لكل مساعدة حكومية وشعبية عربية عبُّر عن تفاصيلها كل شرفاء هذه الأمــة، ولا نحتاج لتكرارها. بطل كاتب أثينا العبقري يوريبيدس كان يصرخ بأن المصيبة ستسحق رجلاً واحداً الآن، ثم الآخرين بعد ذلك . الغرب والصهيونية وكبار موظفي هيئة الأمم يريدون سحق حماس الآن، ثم الشعب الفلسطيني، ثم الشعب العربي والإسلامي بعد ذلك. ضميرهم جميعاً قد تعفن، وذاكرتهم التاريخية قد ماتت ولذلك لن يسألوا قط عن الأسباب وسيظلُّون يتعاملون أبداً مع الظواهر.9