أدب الحياة

حجم الخط
0

■ مما ورد في رائعة بروست الروائية «في البحث عن الزمن الضائع»- في الجزء السابع الذي يحمل عنوان»الزمن المستعاد»: «إن الحياة الحقيقية، الحياة التي تم أخيرا اكتشافها وتوضيحها، الحياة الوحيدة المعيشة بامتلاء، هي الأدب».
ما من شيء أنفذ إلى الحقيقة من هذه المقولة، المقولة التي تبلورت في وعي الكاتب، وظل يبحث عن صداها وهو يحبر مئات الصفحات، في بناء معمار هذه الرواية – الأيقونة في الفن الروائي الحديث.
ولقد وصل بروست إلى هذا الاكتشاف الملهم، إلى أن الحياة الحقيقية هي حياة الأدب، بعدما عاش من الحياة ما عاش، وتقلب في أوضاع وأوجاع- ليس أقلها المرض الذي لازمه حتى أماته مبكرا- كما تقلب في مسرات ومباهج، إلا أن مباهج الأدب لا تضاهيها مباهج، إنها الحياة الحقيقية.
بعد نصف قرن ونيف من وفاة بروست، أجرت إيفلين غارفيلد، في بداية السبعينيات، محاورة عميقة ومطولة مع الأديب الأرجنتيني خوليو كورتاثر، وحاصرته بهذا السؤال:« هل لك أن تختار أيا من هاتين الجملتين لوصف كورتاثر؟ «الحياة كتابة» أو «الكتابة حياة»؟. وكان جواب كورتاثر صريحا: «الحياة كتابة» بالطبع لا، أما القول بأن في «الكتابة حياة»، فإنه إلى حد ما دقيق ومضبوط. الكتابة تشكل جزءا من الحياة. في حالتي، هي الجزء المهم جدا جدا، ربما الأكثر أهمية، لكنها أيضا ليست حياتي كلها، لست واحدا من هؤلاء الكتاب الذين تأخذهم وتهيمن عليهم مهنتهم، لدرجة أن كل ما عداها يصبح مفتقرا لأهميته. أعتقد أن هذه الحالة هي التي كان عليها بلزاك إلى حد ما، وربما أيضا مع فارغاس يوسا فإنه محتاج فقط لغرفة ومنضدة وآلة كاتبة، وأن يترك في هدوء مزودا بكميات كبيرة من الورق. لقد اختار كورتاثر «الكتابة حياة»، لأن الأدب، هو دائما أدب الحياة، وقد اختار كورتاثر هذا الاختيار، لأنه يحقق – في منظوره- أهم الاختيارات، أن تصبح الكتابة حياة. وهو يرى هذا الرأي ويعرف أن كتابا آخرين، عاشوا الأدب بطرائق مختلفة، ومنهم بلزاك وفارغاس يوسا، اللذين استغرقتهما الكتابة إلى درجة أن الحياة كلها، بالنسبة إليهما، هي حياة الكتابة، أو حياة الأدب. وليس في هذا ما يعيبهما، وإن كان كورتاثر، يميل في اختياراته إلى أدب الحياة، إلى «الكتابة – الحياة». إن الأدب في حد ذاته، اختيار من اختيارات الحياة، والذين يختارونه، يختارون أيضا أن يصبح الأدب، في أيديهم، حياة، بأن يكتبوا أدب الحياة. قديما كان الأدباء نادرا ما يكتبون سيرتهم، وغالبا ما يتولى الآخرون كتابة هذه السيرة، فيما كان يسمى باسم «التراجم»، وكانت هذه التراجم، في معظمها تهتم بسيرة التكوين المعرفي، وبالآثار والأعمال الأدبية، التي كتبها صاحب هذه السيرة. ولما جاء العصر الحديث، طرأ على الأدب العربي جديد كثير، من ضمنه «التراجم» التي أصبحت «سيرة»- وسيرة الحياة كما سيرة التكوين-، لقد أضحت الحياة بأوجاعها ومباهجها موضوع هذه السيرة، وغدا صاحب السيرة «الذاتية» يكتب عن ذاته بنفسه ويروي أهم ما يراه جديرا بالرواية عن حياته، ثم تطورت هذه السيرة – في الأدب العربي الحديث- وغدت سيرة روائية يرفدها الخيال بمقوم قوي لتحقيق أدبيتها.
وكتب أدباء كثيرون هذه «السيرة الروائية»، ثم ما لبثت هذه الكتابة أن تطورت وغدت روايات سيرية تهتم بحياة الأعلام والمفكرين والأدباء الرموز في الثقافة العربية، القديمة خاصة، ولم يكن هذا آخر المطاف بكتابة الحياة، إننا نجد الآن، ما أصبح معروفا في النقد الفرنسي بـ»التخييل الذاتي»، وهو الكتابة عن الذات، المتحررة في ما تكتبه، والتي تمزج مزجا فنيا مندغما ومتناغما ما بين حقائق الذات – مما عاشته في الحياة – وبين حقائق الحياة في حد ذاتها، وهي الكتابة الأدبية الجديدة التي تساير جديد الأدب مثلما تساير جديد الحياة، وفيها رحابة الحياة بقدر ما فيها من رحابة الأدب. في هذه الكتابات كلها إصرار على كتابة الحياة، لتغدو أدب الحياة، وهذا الأدب في حقيقته، هو دائما أدب الحياة، لا ينأى عنها إلا ونأى عن الأدب وحقيقته الجوهرية الكامنة في البحث عن أفضل العوالم الممكنة. ما من أدب إلا وهو يصارع الحياة القائمة ويقارعها نشدانا لحياة أفضل منها، هي ممكنة على الدوام. إن الأدب، في مختلف أجناسه، هو أدب الحياة. فهو نابع منها، متوثب من عوالمها الكثيرة، لا يتوقف عن الانسياب وإن بدا أن الحياة، تختار غير ما مرة التوقفَ. وحياتنا لا تتوقف ما دمنا نحيا، وإنا لنشرئب إلى ما يعرفنا بحقيقة حياتنا، والأدب عادة ما يقوم بهذا الدور المهم، دور التعريف بحقيقة الحياة، لأنه لا يحجم عن قول حقيقة كل الأشياء بوضوح قوي وشفيف.
إن الأدباء الذين يبلغون مبلغهم من الشهرة الأدبية، ويحسون أنهم أضاعوا نصيبهم من الحياة، يفضحون أنفسهم بهذا الصنيع، لأنهم لم يعيشوا الأدبَ حياةً، وما لم نعش الأدب لا نستطيع أن نجعل الآخرين»القراء» يعيشونه، وبذلك نفقد الأدبَ وظيفةً أساساً من وظائفه الكبرى، هي تعديل الحياة أو تغييرها، أو على الأقل تغيير طريقة التفكير فيها وحولها. فأسمى ما يصبو إليه الأدب الحق، هو أن يعدل من الرؤى الجمالية للحياة، أن يخلق الرؤية الجمالية الملائمة للحياة في عصر من العصور، ولكل عصر رؤيته الجمالية الغالبة، وإن تعايشت فيه رؤى جمالية متعددة أو مختلفة باختلاف ممارسي الحياة وأشكال وطرائق هذه الممارسة. إن الناس لم يكونوا- ولن يكونوا- شكلا واحدا، وإن جمعتهم هوية واحدة، فتعدد أشكالهم هو من تعدد حيواتهم. كلٌ يحيا حياته. والأدب يروم الوقوع على النظيمة الجامعة لأشكال الحياة، كما يروم جلاء حقائق الحياة، بما فيها من علاقات ووشائج وروابط، تكشف عن نفسها مثلما تخفي نفسها، وتتطلب تجربة قوية في الإمساك بها ومعرفتها والتعريف بها. وحياتنا المعاصرة تبدو كأنها تنفلت منا لكثرة ما فيها من أحداث، ولقوة هذه الأحداث وانطوائها على ما يصدم ويخيف ويرهب، لكن الإنسان- مذ كان- يتغلب على ما يناوئ حياته، وما يعرقل ممارستَهُ هذه الحياة، بل إنه أكثر من ذلك يهفو إلى الإمساك بهذه الحياة إمساكا جماليا بتدوينها كتابة، ولقد أضحت الآن وسائط التدوين متعددة وجديدة، وإنا لنعجب عجب الحب من كثرة التدوين الذي نجده في الوسائط الاجتماعية، لأشكال ممارسة الحياة التي يحياها كل واحد منا، ولربما فقدت هذه التدوينات جاذبيتها ما لم نفكر فيها تفكيرا أدبيا، ما لم نجعلها تدوينات أدبية أو قريبة من الأدبية في أدنى الأحوال، لأن التشابه في التدوينات يروعنا، بعد هذا الانجذاب الساحر المفتتن بوسائط التدوين الاجتماعية خاصة.
إن الأدب يقترح تجارب بديلة لتجارب الإنسان في الحياة، إنه يخلق حياة أخرى، هي في آن، الحياة نفسها التي يحياها الفرد، وليست هي، لأنها انتقلت إلى فضاء جديد حاضن، هو فضاء اللغة الأدبية، واللغة الأدبية تعمل دائما على تحويل الأشياء والحقائق والوقائع، تحويلها من وجودها الكائن إلى وجودها الممكن، فعندما نقرأ أدب الحياة، فإننا لا نقرأ الحياة فحسب، بل نقرأ فهما للحياة ومنظورا إليها وتأويلا لها، وهي وظائف قليلة من بين وظائف كثيرة تنهض بها لغة الأدب. الأدب، في حد ذاته، حياة، وحياة أخرى، ليحياها المرء، يحتاج إلى عُدَةِ العيش، يحتاج إلى ما يجعله يحياها ويفكر في ما يحياه ويحوله إلى مكتوب.
أدب الحياة هو أدب لغة توحي بما تقول، كما أنه لغة تومئ وترمز بهذا الذي تقول، والأدب دوما حافل بالأحداث والوقائع والإثارة والحشد، حافل بقوى الحياة الظاهرة والخفية، إنه يقول ما هي الحياة كما يقول ما ينبغي أن تكون عليه الحياة.

٭ قاص وناقد مغربي

أدب الحياة

عبداللطيف الزكري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية