لماذا يدافع الغرب عن الانقلابيين في تركيا؟

حجم الخط
1

كان غريبا أن تبدأ القيادات السياسية في أوروبا بالدفاع عن المعتقلين الذين ارتكبوا الانقلاب العسكري الدموي في تركيا، بعد ساعات من فشل الانقلاب، فالانقلاب وقع مساء 15 يوليو 2016، وقبل ظهر يوم السبت 17 يوليو بدأت الأصوات الأوروبية تطالب الحكومة التركية باحترام حقوق الانسان نحو المعتقلين.
كذلك خرجت الصحف الأوروبية وبعض وسائل الإعلام الغربية بأخبار ومقولات تحمّل الحكومة التركية مسؤولية ما قد يقع للانقلابيين، وعينت نفسها ناطقة باسمهم. وهذا الأمر لم يتوقف حتى اليوم وبعد مرور تسعة أشهر تقريبا، ما يفرض ضرورة البحث عن أسباب هذا التبني الغربي لحقوق الانقلابيين على وجه التعيين، فلا يمكن وصفه باهتمام لحقوق الإنسان أو المعتقلين فقط، لأن الأولى قبل حقوق المعتقلين أن يكون هناك اهتمام بحقوق القتلى والجرحى والأيتام والثكالى من كل أبناء الشعب التركي، الذين تعرضوا لأضرار الانقلاب الدموي، ومع ذلك لا بد من مناقشة قضية المعتقلين الذين تدعي المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل أن قضيتهم هي السبب الأكبر لسوء العلاقات التركية الألمانية.
وحتى لا تقع الدراسة في الأخطاء والنقول غير الموثقة فسوف نتناول إحصائية رسمية حكومية صدرت عن وزارة الداخلية التركية يوم الأحد بتاريخ 3 أبريل 2017، عن أعداد المعتقلين منذ ليلة الانقلاب وحتى تاريخه، ثم ننظر إلى دلالات ذلك بصفة محايدة، وليس بازدواجية معايير، فقد كشف وزير الداخلية التركي سليمان صويلو، عن أعداد الموقوفين والمحبوسين، والذين تمّ إطلاق سراحهم ضمن إطار التحقيقات الجارية في محاولة الانقلاب الفاشلة، التي جرت منتصف يوليو الماضي، وأوضح أنّ عدد الذين تمّ اتخاذ إجراءات أمنية بحقهم على خلفية محاولة الانقلاب الفاشلة، بلغ 113 ألفا و260 شخصًا، وأن هذا العدد هو العدد الكلي، فلا يوجد مئات آلاف المعتقلين كما يدعي البعض، وقد تم التعامل معهم أو تصنيفهم على النحو التالي:
ـ 23 ألفا و861 شخصاً كان معتقلاً أخلي سبيلهم بشكل نهائي ومن دون رقابة قضائية.
ـ 41 ألفا و499 شخصاً كان معتقلاً تمّ إخلاء سبيلهم بشرط الرقابة القضائية.
ـ 47 ألفا و155 شخصاً، صدرت أحكام الحبس بحقهم، بينهم 26 ألفا و177 مدنياً، و10 آلاف و732 شرطياً، و7 آلاف و463 عسكرياً، و168 جنرالاً، وألفان و575 قاضياً ونائباً عاماً.
ـ 745 معتقلا ما زالوا قيد التحقيق.
هذا التقسيم الذي يفيد بوجود مدانين قضائيا وتم سجنهم على اختلاف وظائفهم المدنية والعسكرية، وآخرين ثم إخلاء سبيلهم بشروط قضائية، وآخرين تم اخلاء سبيلهم نهائيا، وآخرين لا يزالون قيد التحقيق، هذا التقسيم دليل على أن الحكومة التركية لا دور لها في الاجراءات القضائية، فالمحاكمات ليست سياسية وليست ديكتاتورية، ولا مخالفة للدستور، والقانون التركي المتوافق مع قوانين الاتحاد الأوروبي، وتستطيع المحاكم الأوروبية وغيرها التأكد من ذلك، وهذا يعني أن المطالب الأوروبية لتطبيق حقوق الإنسان والأصول الأوروبية للمحاكمات للمتهمين مطبقة كاملة، فتركيا وهي تدافع عن الحقوق الشخصية للقتلى والجرحى من شعبها، وهي تدافع عن حقوق الشعب التركي وما أهدره الانقلاب الفاشل من خسائر معنوية بمهاجمة مقرات الدولة الرسمية، وهي تدافع عن حقوق الشعب التركي بما أهدره الانقلاب الفاشل من خسائر مادية ومالية واقتصادية تقدر بالمليارات، لم تنتهك حقوق الانسان، ولم تنتهك الأصول القضائية والقانونية، فالمحاكم التركية هي التي تقوم بمحاكمة من يرتكبون جرائم قتل وانتهاك الدستور والقانون التركي.
ولذلك لا بد من النظر والتفكير بأن الدفاع الأوروبي عن الانقلابيين بغير وجه حق يحمل في طياته تهمة الدفاع عن المجرمين والقتلة والذين سفكوا دماء الشعب التركي في الشوارع وفي المقرات الحكومية الرسمية والأهلية، أي ان كل الذين يدافعون عن الانقلابيين المعتقلين في تركيا أو الفارين منهم خارج تركيا، او أدينوا بأعمال انقلابية مشاركة للقتلة وهم في مقراتهم خارج تركيا، سواء في بنسلفانيا، حيث يقيم رئيس الكيان الموازي الانقلابي فتح الله غولن، او الضباط العسكريين الأتراك الذين كانوا يعملون في مقرات حلف الناتو العسكرية، والذين وردت أسماؤهم في لائحة اتهام قضائية في المشاركة في الانقلاب، او الذين فروا إلى اليونان بطائرة مروحية للجيش التركي، فهؤلاء وامثالهم وجهت لهم التهم القضائية للمثول أمام المحاكم التركية، ولا يحق لألمانيا أو أية دولة في العالم، بما فيها امريكا أن تمنع القضاء التركي من محاكمة كل من توجه له التهمة بالمشاركة في الانقلاب الفاشل.
إن الذين لا يزالون قيد التحقيق وهم أقل نسبة وعددهم 745 هم شهود على أن المحاكم التركية لا تصدر أحكامها القضائية جزافاً، وإلا لتمت إدانتهم أو إطلاق سراحهم، ولكن الأمر منوط بالأدلة القضائية وما قد يستجد من أدلة بحقهم، سواء نحو البراءة أو الادانة، والبراءة أو الادانة ليستا خاصتين بفئة معينة، فمن أطلق سراحهم وهم 56360 شخصاً منهم المدنيون ومنهم العسكريون الذين عادوا إلى وظائفهم العسكرية، وعدد الموقوفين وهو 47155 على ذمة التحقيق، منهم المدنيون ومنهم العسكريون، فمنهم 10732 من الشرطة، و4763 من المؤسسة العسكرية، و168 منهم يحملون رتبة لواء/جنرال، و 2575 منهم من القضاة والمدعين العامين، و26177 منهم من المدنيين، وهذا التوقيف هو بحكم القانون التركي أيضاً، وليس بقرار سياسي ولا عسكري، فالخطوة الأولى يتم فيها توقيف الشخص قضائياً للتحقيق معه، فإن ثبتت براءته أو كانت الأدلة غير كافية لإدانته، ولم يخش من تغييره للأدلة أو هربه، يطلق سراحه ويمكن أن يستمر التحقيق معه أو محاكمته وهو حر طليق، وإلا فقد يبقى معتقلاً لحين البت بأمره، من دون أن يعتبر امدنا خلال مدة اعتقاله، فليس كل معتقل مدانا إلا بعد قرار المحكمة.
هذه الأرقام تدل على شفافية في المعلومة الأمنية والقضائية، وشفافية في تقديم المعلومة من الحكومة التركية نفسها، فلا توجد حالات اعتقال مجهولة ولا سرية، فالأرقام المعلنة تستطيع الجهات المختصة داخليا وخارجيا الاطلاع عليها ومعرفة قضاياها في مرحلة الاتهام والأدلة والحكم البدائي والاستئنافي وغير ذلك، لذلك ينبغي عدم اتخاذ قضية المعتقلين الذين شاركوا في الانقلاب على انها قضية سياسية فقط، لأن الجانب القضائي فيها اكبر، فمن مسؤولية القضاء التركي ان يقدم العدل والأمان للشعب التركي، وأن يقتص من الذين قتلوا أبناءه وحاولوا القضاء على مستقبله، ولو اتبع الكيان الموازي الطرق القانونية والسياسية لتسلم السلطة ما تعرض له احد، ولكن ممارسته القتل والارهاب بحق الشعب التركي قبل ان يكون بحق الحكومة، فإن من واجب الحكومة المنتخبة ديمقراطيا ان تحمي الشعب التركي كله وتمنع الاعتداء على الدستور، وعلى الديمقراطية. ومن يدافع عن المعتقلين الذين تورطوا في الانقلاب إنما يدافع عن الجرائم أولاً، ويحمي كل من يحاول ان ينتهك الدستور والديمقراطية.
كاتب تركي

لماذا يدافع الغرب عن الانقلابيين في تركيا؟

محمد زاهد غول

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية