السيسي في واشنطن

وأخيراً استقبل الرئيس السيسي في واشنطن، تلك الخطوة الأهم في تحركاته الخارجية واللحظة الفارقة التي كان ينتظرها متحرقاً ويتوق إليها بشغفٍ لا يعدله شيء، وبدا أنها تراوغه. ليس ذلك فحسب، بل أحيط بحفاوة ودفء ملحوظين يبدو أن الرئيس ترامب تعمد إظهارهما.
ثمة عديدٌ من الملاحظات يمكن إبداؤها والاستنتاجات التي يمكن الخروج بها من تلك الزيارة. أولاً، لا شك في أنها تعد «الزيارة» بأل التعريف بالنسبة للرئيس السيسي، تلك التي تتوج كل سفراته الخارجية ويعدها اعترافاً رسمياً به وبرئاسته، الأمر الذي لم يفت بدوره على الرئيس ترامب وفريق عمله.
ستظل ذكرى الانقلاب تطارد الرئيس السيسي حتى النهاية (بغض النظر عن متى وكيف تكون) ولما كانت أمريكا تحتل عقول رؤساء العالم الثالث، خاصةً العرب ما عبر عنه الرئيس السادات سابقاً بأنه لا قوة عظمى في العالم سوى الولايات المتحدة التي تمسك بتسعٍ وتسعين بالمائة من أوراق الحل في قضية الشرق الأوسط، ومن ثم بنوا وجودهم واستقرار أنظمتهم على التواؤم مع سياستها، فتبنوا مصالحها واستراتيجيتها، فإن أي استقبالٍ أو علاقات صداقة وتفاهم مع أي دولةٍ أخرى لا تساوي ذلك الاستقبال في المكتب البيضاوي، أو أي بهو آخر في البيت الأبيض، ومن العبث مع هؤلاء محاولة شرح المتغيرات الدولية التي جاءت خصماً من رصيد وثقل أمريكا، التي لم تعد القطب الوحيد ولا الآمر الناهي مع بروز وصعود قوى أخرى ذات ثقلٍ كبير، على رأسها الصين وروسيا التي تحاول العودة.
ما يزال الاعتراف بهم أمريكياً هو شهادة بالمشروعية وضوءا أخضر للاستمرار، بالإضافة إلى مطامع بالدعم المادي والعسكري.
ومادمنا قد تطرقنا إلى دور أمريكا وثقلها في العالم، فلا بد من الاعتراف بأن ذلك التقارب والتفاهم بين الرئيسين منطقيٌ تماماً ومفهوم؛ وبغض النظر عن كون محدودية الثقافة، بل العداء لها، تجمع الرجلين الممتلئين ثقةً بنفسيهما (ربما بسبب تلك البلادة والفقر الثقافي) فإنهما يعبران عن ظاهرةٍ واحدة، أن كلاً منهما جاء تعبيراً عن أزمةٍ عميقة في بلديهما ليخدما أغراضاً متشابهة، إن لم تكن متطابقة، وهما في هذا الصدد يعبران عن أزمة المنظومة الرأسمالية التي تجمع القطب الأكبر أمريكا وذلك الجرم الذي يدور في فلكها، مصر. وقد سلكا طريقاً مشابهة في نهجهما الشعبوي من اللعب على أوتار الوطنية والشحن العاطفي والتخويف من المؤامرات الخارجية، والإصرار على مكانة الوطن في العالم، كما أن كليهما يمثل جنوحاً يمينياً يشهد بفشلٍ ما، في أمريكا يتعدى ذلك تراجع المكانة الاقتصادية إلى ما بدأ يبرز على صعيد الديمقراطيات الغربية من حدود النموذج الديمقراطي، على صيغته التي عرفنا منذ الحرب العالمية الثانية بأحزابٍ هي في نهايات المطاف تنويعاتٌ على الوسط، وما تبع ذلك من ضيق جمهور الناخبين به، وفي مصر فشل الثورة وهجمة الثورة المضادة بكل شراسة للانتقام والتمادي في النيوليبرالية، بما يحمل تبعات الفشل الاقتصادي على الجماهير الأفقر والأكثر عوزاً.
لقد جاء ترامب على الساحة تعبيراً عن سخط كثيرٍ من القطاعات في المجتمع الأمريكي (كالبيض المهمشين على سبيل المثال لا الحصر) فهو يعبر عن الرأسمالية الأشرس الأكثر عنصريةً واستعلاءً، التي تتحلل بدورها من كثيرٍ من «الحلى السطحية» كالتظاهر بالحرص على حقوق الإنسان في الدول الأخرى الخ. بالنسبة له فإن الحرب على الإرهاب المتأسلم أولويةٌ يلتقي فيها مع الرئيس السيسي. في المقابل فإنه لا يأبه كثيراً بالعملية الديمقراطية الموؤودة في مصر والقمع والمعتقلات، الأمر الذي يتلقفه الرئيس السيسي كغيثٍ أصاب جفاف أرضه الظمأى إلى الدعم السياسي بعنفه ويد بطشه المنفلتة تماماً.
ما لا يفهمه (وربما لن يكترث له إن فعل) أن ترامب في ذلك إنما يصدر عن نظرةٍ استعلائية محتقِرةٍ، ترى تلك الكتل البشرية الضخمة من المسلمين والعرب من فصيلةٍ أخرى، دونية، لا تعني بالنسبة لهم مثل كالحرية والديمقراطية شيئاً، ولا يصلح لسوقهم سوى رجالٍ أقوياء كأمثال صدام والرئيس السيسي، وبالتالي فمن العبث محاولة تقويم هؤلاء الرؤساء وحشو أدمغة تلك الشعوب بتلك الأفكار التي لا تعنيهم، وعلى أقل تقدير فإنه، أي ترامب، لا يكترث بهم ولن يدخلهم في حساباته. كل ما يهمه أن يجد رجلاً ما، قوياً، يستطيع التعامل معه والتعويل عليه، وهو في ذلك يذكرني برامسفيلد، حين أعرب عن رأيه في الرئيس الراحل صدام حسين بأنه يستطيع أن يقوم بـ»بزنيس» مع هذا الرجل، وغنيٌ عن الذكر أن صداماً لم يكن أكثر إنسانيةً ولم يكن يقيم وزناً لحقوق الإنسان حينها.
بالإضافة إلى الإرهاب فقد ذكرا «صفقة القرن» ولم يوضحا، وأعتقد إنه في ضوء تصريحات الرئيس ترامب السابقة التي تختصر موقفه من القضية الفلسطينية في أنه ليس لديه موقف محدد، فإنه باستطاعتنا أن نتخطى ما ذهب إليه بعض المحللين من التساؤل إلى الترجيح بدرجةٍ عاليةٍ من اليقين أن تلك الصفقة تنطوي على تصفية القضية الفلسطينية التي لا تعني الرئيس السيسي في شيء (وربما لا يقدر مغزاها وأبعادها) وفق مصالح إسرائيل وما ترتئيه بضمانٍ مصري، وربما مع توفير ترتيبات وتحركاتٍ (قد تشمل أرضاً مصرية وفق بعض التكهنات والتخوفات) تساعد على الوصول إلى تلك التسوية.
في المحصلة، سعيداً بالاستقبال والقبول الأمريكيين، يذهب الرئيس السيسي إلى واشنطن، راغباً مستميتاً في الإرضاء ومحاولاً إثبات قيمته وجدواه، ومستعداً في سبيل ذلك لتقديم أي تنازلات. ليس في ذلك بالجديد فقد تنازل من قبل لقوةٍ إقليمية هي السعودية بجزيرتين لا نظير لهما في القيمة الاستراتيجية، ولجهات التمويل الخارجية بتحرير سعر الصرف، وحزمةٍ من الإجراءات التقشفية التي قصمت ظهر قطاعاتٍ بأكملها. وفي المقابل تعد تلك الزيارة أو السماح بها مع ما رافقها من تجنبٍ صريح للخوض في موضوع التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان وملف الحريات (أو بالأحرى انعدامها) بمثابة ضوء أخضر للاستمرار في النهج نفسه.
بالتالي، فلست أبالغ إذا أعربت عن رأيي في كون تلك الزيارة نذير شؤم، وأن تبعات ذلك التحالف سيكون وخيماً على المستوى الاقتصادي- الاجتماعي والسياسي لشعوب المنطقة (عدا إسرائيل بالطبع) وأن ذلك يؤذن بتعميق العنف ومصادرة الحريات كلها.
ولا يكتمل الكلام دون التأكيد على مدى عمق الأزمة التي يعيشها نظام السيسي المستعد للتفريط في الأرض وتصفية القضية المحورية للعرب، القضية الفلسطينية، وكل ذلك من أجل البقاء والحفاظ على المصالح الطبقية.
كاتب مصري

السيسي في واشنطن

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية