صور الاطفال الصغار الذين تم علاجهم في المستشفيات الميدانية في سوريا، بعد هجمة نظام الأسد الكيميائية ضد معقل المتمردين في خان شيخون في محافظة ادلب، زعزعت العالم كله. صور الاطفال الساذجين مع النظرات الخائفة من وراء كمامة الاوكسجين كانت الاكثر رقة فيما يمكن نشره في وسائل الإعلام الدولية.
صور أخرى تم التقاطها بعد قيام طائرات الشيطان بالقاء غاز السارين المحظور حسب جميع القوانين والاخلاق اثناء نوم الاطفال، ببساطة لا يمكن تحملها، حتى من قبل اولئك الذين شاهدوا كل شيء، أو على الأقل اعتقدوا ذلك.
جثث الاطفال الممزقة سببت غليان الدم لدى كل من شاهدها. والصور الصعبة شملت ايضا جثث مواطنين ملقاة في الشوارع وكذلك مصابين، بينهم كثير من الاولاد الذين اصيبوا من استنشاق الغاز السام وعانوا من حروق شديدة والفشل الرئوي الذي يتسبب به استنشاق الغازات السامة.
صور الاطفال المختنقين والزبد يخرج من افواههم أمام أعين طواقم الانقاذ كانت مزعزعة. هذا هو الهجوم الكيميائي الثاني في أهميته منذ بداية الازمة الخطيرة في 15 آذار/مارس 2011 في مدينة درعا. وحتى الآن تسبب هذه الازمة بموت 400 ألف شخص.
يقولون إنه منذ ذلك اليوم الفظيع نسي اطفال كثيرون في الدولة البكاء. ويبدو أن الوضع الاشد الذي يمكن الوصول اليه هو عدم البكاء، الامر الذي يعني عدم وجود أمل.
لم يكن ولن يكون هناك أي مبرر لتصوير طفل ميت. فلماذا إذا يوافق العالم على هذه الصور من سوريا منذ ست سنوات بالمئات والآلاف؟ صحيح أن الجزار بشار الأسد هو المسؤول عن التراجيديا السورية، لكننا جميعا وقعنا عليها.
حرب بيافرا التي حدثت بين تموز/يوليو 1967 وكانون الثاني/يناير 1970 كانت حربا اهلية فظيعة حاول فيها المتمردون أبناء الايغبو من مقاطعة بيافرا الانفصال عن نيجيريا واقامة دولة مستقلة. هذه الحرب يتم ذكرها بنفس المستوى مع احداث تراجيديا صمت فيها العالم. وقد حظيت هذه الحرب بالتغطية الإعلامية وفي اعقاب ذلك تم اعطاء الدول حسب القانون الدولي الحق في التدخل في ازمات الدول الاخرى، مثلا في المجال الانساني (كوسوفو في 1999). ولكن في حرب بيافرا ادرك العالم أنه لسيادة الدولة توجد حدود ـ وهي الاطفال.
صور الاولاد مع البطون المنتفخة الذين ينتظرون الموت سببت على الأقل وجود منظمات مثل اطباء بلا حدود، لكن التراجيديا تبدلت فقط، وبالضبط مثلما في حينه، حيث تم بث صور الاطفال الجوعى في ارجاء العالم، لم تتدخل الجهات الدولية وتركت الاطراف تقتل بعضها البعض. فما الذي تغير إذا في الازمة السورية الآن؟
هل عمل من غير موافقة روسية؟
لا شك أن المسألة السورية معقدة إلى درجة أنه توجد صعوبة في تعريف الازمة. هل توجد حقا حرب اهلية أم حرب بين نظام الأسد والمتمردين، إذا شئتم الجهاديين، نوع من استمرار الحرب بين السنة والشيعة التي تستمر منذ 1300 سنة؟.
ألا توجد في سوريا حرب اقليمية يتدخل فيها كثير من الدول: تركيا، إيران، لبنان (حزب الله)، الاردن (اللاجئين)، إسرائيل، السعودية وقطر ـ لكل دولة مصالحها. ألا توجد هنا ازمة خطيرة مع امكانية فعلية إذا حدث الخطأ الاصغر لاندلاع حرب عالمية؟.
إذا تم اعطاء أحد الاطراف في الازمة الفرصة لاشعال الحريق فهو لن يتردد. في الوقت الحالي يمكن ملاحظة كيف أن كل طرف يفحص قدرة الطرف الآخر على التحمل. هناك احتمال معقول أن التراجيديا في يوم الثلاثاء التي تسببت بموت مئة شخص هي مجرد تجربة للاسد أو روسيا من اجل فحص المزاج الدولي.
مثلما يعتقد الكثيرون يمكن أن يكون الأسد قد عمل بدون الاذن من روسيا، وأنه أراد رؤية الشريف الجديد في البيت الابيض دونالد ترامب إذا كان يرغب في العمل في سوريا، أو أنه يفضل التركيز في الحرب ضد داعش والعملية السلمية الإسرائيلية الفلسطينية. وهنا تجدر الاشارة إلى اهتمام المجتمع الدولي: المشكلة الاولى التي يجب حلها في الشرق الاوسط هي سوريا وليس السلام مع الفلسطينيين.
يحتمل ايضا أن روسيا كانت على علم بنوايا الأسد لاستخدام السلاح الكيميائي. هذا رغم الاتفاق الذي تم التوقيع عليه والذي تعهدت فيه سوريا بتفكيك السلاح الكيميائي. وحسب ذلك تكون روسيا قد سمحت بتسخين المنطقة فقط لاجبار الأمريكيين على الكشف عن الخطوة التالية. لأننا نعرف ما الذي يريده كل طرف في الموضوع السوري، إلا أن العنصر الكبير الخفي هو ادارة ترامب. مع أوباما كانت الامور واضحة، فقد استنكر قتل المدنيين، لكنه أبقى الفراغ الأمريكي في سوريا في جميع المجالات.
توقفوا عن عد القتلى
لا يجب منا توقع تغيير كبير في اعقاب الحادثة الصعبة التي كانت في هذا الاسبوع، خاصة أنه بعد آب/أغسطس 2013 لم يخرج العالم إلى حرب ضد الأسد بعد استخدامه السلاح الكيميائي 14 مرة ضد أبناء شعبه على اطراف دمشق. ولكن في هذه المرة كان هذا الاختبار الاكبر لترامب. وبشكل عام، بعد أقل من مئة يوم له في البيت الابيض، يبدو أن ترامب بحاجة إلى مواجهة ملفين كبيرين هما كوريا الشمالية وسوريا. ولمواجهة هذه الملفات يجب عليه مواجهة رئيس روسيا بوتين ورئيس الصين شي جنفنغ الذي سيصل إلى الولايات المتحدة في يوم الخميس القادم.
سفيرة الولايات المتحدة في الامم المتحدة، نيكي هايلي، أعلنت في يوم الخميس أن اسقاط الأسد ليس في سلم اولويات واشنطن، لكن يجب علينا الآن رؤية ما الذي سيفعله البيت الابيض. ويجب الاعتراف ايضا أنه خلافا لأوباما، فإن ترامب ورث روسيا في سوريا كحقيقة واقعة. مشكلة أوباما هي أنه كان له بوتين في سوريا، ولم تكن له استراتيجية ايضا.
لقد توقفوا في سوريا منذ زمن عن عد القتلى، مثل الحرب الاهلية التي حدثت في الجزائر في التسعينيات. إلا أن هذا الاسبوع كان يصعب فيه تجاهل مئة ضحية و400 مصاب في الهجوم على ادلب. أولا، لأن الهجوم حدث بعد التوصل إلى اتفاق وقف اطلاق النار قبل بضعة اشهر.
ثانيا، لأن هذا حدث ضد خان شيخون في جنوب منطقة سيطرة المتمردين. استخدام السلاح الكيميائي الذي هو حسب الاتفاق ليس من المفروض أن يكون في حوزة الأسد. وحسب كل الاشارات لم يكن الحديث عن غاز الكلور بل غاز السارين الذي يذكرنا بمشاهد ظلامية جدا في تاريخ الإنسانية الحديث.
تنديدات وتلون
من الواضح أن السؤال الكبير في هذا الاسبوع هو ما هو الغاز الذي استخدم في خان شيخون. رواية روسيا ـ سوريا تقول إن المستودعات الكيميائية كانت اصلا تحت سيطرة المتمردين وأن طائرات الأسد قصفت «مخزن اسلحة للمتمردين تم انتاج القذائف التي تشمل المواد السامة فيه، التي احضرها المقاتلون الذين جاءوا من العراق». ويمكن السؤال حول ذلك ـ هل المتمردون هم الذين قصفوا فيما بعد المستشفيات التي عولج فيها المصابون؟.
إن ما تبقى في الوعي هو الصور التي وصلت من المنطقة التي تم قصفها. والصور لم تبق أي مكان للشك حول استخدام السلاح الكيميائي رغم نفي النظام السوري وادعاءات هيئة الاركان السورية بأنه لا يوجد في حوزتهم سلاح كيميائي، وأن من يقوم باستخدام السلاح هي منظمات المتمردين ومعارضو النظام في سوريا.
يمكن القول إنه منذ الادعاء القائل إنه تم تفكيك سلاح سوريا الكيميائي، تم الحديث عن استخدام نظام الأسد لغاز الكلور ضد المدنيين. المذبحة في خان شيخون تغير الوضع إذا تم بالفعل استخدام غاز السارين.
الهجمة في يوم الثلاثاء والصور التي رافقتها أحدثت تنديدات عامة. وقد بادرت فرنسا إلى نقاش عاجل في مجلس الامن التابع للامم المتحدة، وانضمت الولايات المتحدة وبريطانيا إلى هذه المبادرة.
في هذه المبادرة نددت الدول باستخدام السلاح الكيميائي في سوريا وطلبت اجراء تحقيق سريع لمعرفة ما الذي حدث بالضبط في ادلب. وسارعت موسكو إلى الرد قبل بدء النقاش وقالت إنها لا توافق على نقاش يعتمد على حقائق غير صحيحة، مثلما أعلنت المتحدثة بلسان وزارة الخارجية الروسية.
في الوقت الحالي رد رئيس فرنسا، فرانسوا أولاند، وطلب فرض العقوبات على بشار الأسد، الامر الذي لن توافق عليه موسكو. ولمعرفة مدى تلون العالم الذي نعيش فيه، سارعت إيران على لسان المتحدث باسم وزارة خارجيتها، بهرام قاسمي، إلى التنديد باستخدام السلاح الكيميائي في سوريا.
في هذا الاسبوع تحدثوا كثيرا عن أوباما على اعتبار أنه الذي يتحمل المسؤولية عما يحدث في الدولة. ومحظور علينا نسيان أنه كانت لأوباما اربع سنوات كاملة قبل دخول روسيا بالفعل إلى الحرب السورية في ايلول/سبتمبر 2015، كان يمكنه فعل الكثير. مثل ماذا؟ تدمير سلاح الجو السوري المسؤول عن الهجمات الكيميائية. وكانت لديه الوسائل لذلك. إن اجراء كهذا كان يمكنه أن يمنع الحاق الضرر بالمدنيين. وبدل ذلك اختار أوباما عدم فعل شيء.
إن انجازه في وضع سوريا تحت الرقابة الكيميائية وتفكيك هذا السلاح، لم يمنع سوريا من تطوير سلاح جديد بدل الذي تم تدميره. وقد اختار عمليا تخليد الصراع، ويبدو أن هذا انطلاقا من النية ومعرفة أن هذا الامر ميؤوس منه وأن الغرب سيستفيد على المدى البعيد من الحرب العربية الداخلية. وهذا يُذكر باستراتيجية ريغان وبوش في الحرب العراقية الإيرانية التي كان هدفها مساعدة الطرفين في فترات مختلفة.
على المدى القصير تسبب ذلك بفظائع كثيرة على أيدي داعش. ايضا التحالف الذي شكله أوباما ضد داعش تحول إلى هدف استراتيجي لهذا التنظيم وأدى إلى تنفيذ العمليات في باريس وفي عواصم اوروبية اخرى. من جهة، التحالف لم يعمل على الانتصار، ومن جهة اخرى تسبب بهجمات ضد الغرب. أوباما في الاستراتيجية السورية الخاصة به خرج بدون فائدة من الجانبين.
انهيار الاستراتيجية
في هذا الاسبوع تم طرح سؤال لماذا يقوم الأسد باستخدام السلاح الكيميائي الآن بالتحديد؟ إذا كان قد راهن في العام 2013 على أن الغرب لن يرد، واذا نجح في تعزيز مكانته ومنع سيطرة داعش على سوريا، ففي هذه المرة ايضا يراهن على أن الغرب بشكل عام، والولايات المتحدة بشكل خاص، لن يفعلوا أي شيء.
إن الأسد لم يرتدع عن استخدام السلاح الكيميائي في اليوم الذي اجتمعت فيه لجنة اعمار سوريا في بروكسل، اضافة إلى الوقاحة في رغبة الأسد في البقاء في الحكم، والرغبة في استعادة المناطق التي سيطر عليها المتمردون، فإن الأسد يريد أن يقوم الغرب في تمويل اعمار الدولة لأن روسيا لا تنوي فعل ذلك. وبالنسبة له هذا تقسيم عادل: روسيا حافظت عليه والولايات المتحدة ستقوم بإعمار بلاده. لماذا إذا لا يقوم بالقاء الغاز على أعدائه، بما في ذلك الاطفال؟ ويمكن أن يكون رهان الأسد نجح، لا سيما عندما رأى رئيس إيران حسن روحاني يصل في الاسبوع الماضي إلى الكرملين، وعلى جدول العمل موضوع ابقاء نظام الأسد في الحكم.
جاء في موقع «بوليتيكو» أنه ليس من الواضح متى انهارت استراتيجية أوباما في سوريا: هل حدث ذلك في كانون الاول/ديسمبر 2013 عندما أهان الإسلاميون المتمردين الذين حصلوا على دعم الولايات المتحدة من خلال السلاح الذي حصلوا عليه منها؟ أو في ايلول/سبتمبر عندما اضطر أوباما إلى وضع خطوط حمراء حين تجاهلت سوريا كليا الخطوط التي وضعها في العام 2012؟.
أم أن هذا حدث في كانون الثاني/يناير 2014 عندما رفضت ادارة أوباما الموافقة على طلب المتمردين تزويدهم بالسلاح، أم أن فشل ادارة أوباما حدث في آذار/مارس 2011 حينما بدأت الازمة في سوريا بغطاء «الربيع العربي»، وطلب رئيس الولايات المتحدة في حينه من الديكتاتور السوري الاعتزال، لكنه لم يفعل أي شيء من اجل تنفيذ ذلك. وهذا هو فشل أوباما الاكبر. لقد عرف كيف يطلب من ابن علي ومبارك الرحيل، لكنه نسي الشخص الاهم الذي هو الأسد.
الامر الاخير هو صدمتنا من صور الاطفال الصعبة نتيجة استخدام السلاح الكيميائي. والامر اللافت هو أننا لا نتزعزع من موت الاطفال في سوريا بسبب استخدام السلاح التقليدي «فقط».
بوعز بسموت
إسرائيل اليوم 7/4/2017
صحف عبرية