بعد الهجمة الكيميائية في سوريا، ركز العالم المصدوم نظره إلى البيت الابيض. لسبب ما، كان واضحا أنه باستثناء الولايات المتحدة لن تحرك أي دولة اوروبية ساكنا ضد الاسد. كان واضحا أن أمريكا، وفقط أمريكا، يمكنها أن ترد. لماذا ليس فرنسا؟ لماذا ليس بريطانا؟ هل القدرات العسكرية للاسد تخيف هيئة الاركان البريطانية أو الفرنسية وتتسبب بعجز رؤساء الاركان هناك؟ لا يبدو ذلك معقولا. المعقول ان اوروبا، القارة التي تقع على مسافة قريبة جدا من دمشق، مريح وآمن لها ان توجه اصبع الاتهام لأمريكا. لماذا أنتِ تتجلدين، يا أمريكا؟ عيب وعار عليكِ، يا أمريكا!
جلست اوروبا بلا فعل تام عندما قتل نظام الاسد بالجملة مئات الالاف من ابناء شعبه. ما قض مضاجعها كان فقط الخوف من موجات اللاجئين الذين سيهربون من حلب المشتعلة عبر تركيا المسلمة إلى محطة القطار الجديدة في فيينا. بعد ان توصل قادة اوروبا إلى اتفاق مع اردوغان ودفعوا له مليارات اليوروهات بقشيش كي يغلق شرايين الفرار في وجه اللاجئين، كف الجحيم السوري عن إثارة اهتمامهم.
حتى الهجمة الكيميائية الاسبوع الماضي. هذه المذبحة ولا سيما الصور منها، كانت حدثا عسيرا على الهضم حتى بالنسبة لمعدة اوروبا القوية، فما بالك بالنسبة للرأي العام الأمريكي الحساس منذ الانتخابات الاخيرة. كل العيون تطلعت، إذن نحو الاشقر الغريب في الغرفة البيضورية في البيت الابيض.
لقد كانت الفرضية الاساس ان ترامب لن يفعل شيئا. وعندما سكت بالفعل يوما كاملا بعد القصف الكيميائي ـ إلى أن خرجت عن لسانه بضع جمع تنديد مشوشة ـ كان يمكن سماع تنفس الصعداء من محلليه في ارجاء الاعلام الأمريكي والدولية. فقد احتفل هذا بعدم رده على المذبحة الكيميائية في سوريا كونها تثبت أن ترامب هو خادم بائس لبوتين حقا. وأنه يفعل أقل مما فعله سلفه اوباما، بل حتى لا يوسع ارساليات السلاح للثوار وأنه يفر من البشرى، ينغلق على نفسه، يتلعثم. يا له من بائس!
وعندها، كالبرق في يوم صاف، يطلق الاسطول الأمريكي بأمر من ترامب 59 صاروخ تومهوك نحو قاعدة سلاح الجو السورية التي انطلقت منها الهجمة الكيميائية. ضربة حربية حقيقية، ليست أخيرة بالضرورة.
وترامب نفسه القى خطابا قتاليا قصيرا، لاول مرة في 77 يوم ولايته، خطابا يبعث على الفخار.
ولكن لا تقلقوا، فسرعان ما انقضت الصدمة. في غضون يوم ونصف استبدلت ردود الفعل الايجابية (وحتى الحماسية) على أمر ترامب للقصف فحلت محلها التحفظات، الحذرة في البداية والفظة والحادة الان.
فقد كتب وقيل في التحليلات الاخيرة ان ترامب «استسلم للجنرالات»، «عمل بخلاف القانون الدولي»، «هز النظام العالمي»، «عزز داعش»، «عزز الاسد»، «خرج عن صلاحياته كرئيس»، «اغضب الروس عبثا»، «تآمر مع الروس»، «هاجم أهدافا استعراضية»، «لعب بالنار»، «صفى الحل السياسي» و «لم يفكر بالاثار الجسيمة للهجوم» ـ هذه مجرد بعض العناوين الرئيسة للمقالات النقدية الرائدة في وسائل الاعلام الأمريكية والاوروبية. مقالات كاتبوها المعروفون، بعضهم مزاودون وخبراء في السياسة، خرجوا عن أطوارهم من شدة الغضب حين كان يخيل ان ترامب يتجاهل المذبحة ويفضل دس رأسه في الرمال. وحتى الـ «نعم» الاوروبية الدبلوماسية الاولى للعمل الأمريكي استبدلت منذ الان بـ «نعم»، لكن.»… والـ «لكن» تتعزز كلما مر الوقت والروس يغضبون.
أنا معفي، كما يخيل لي، من أن أذكر هنا مقالات الرأي الكثيرة التي كتبها ضد ترامب، فكره، سلوكه، سياسته وشخصيته. ولكن عندما فاجأ الرجل ايجابا وقام بعمل كان ينبغي لبلاده ـ والدول الغربية المتنورة الاخرى ـ أن تقوم به منذ زمن بعيد، أي ان تستخدم قوة الذراع في مواجهة قاتل الجماهير من دمشق، فاني ارفع القبعة امامه. هذا بخلاف، مثلا الصحيفة البريطانية اليسارية «الغارديان» التي ترفض تهنئة ترامب لان «دوافعه مشبوهة». وهي بالتأكيد ليست الوحيدة في رفضه وانتقاده.
دوافع ترامب مشبوهة؟ يحتمل جدا؛ فهو مثير دائم للشبهات. ولكن يفضل في نظري القيام بعمل عسكري اخلاقي بدوافع مشبوهة على الامتناع عن عمل كهذا بدوافع مشبوهة. اليوم ايضا، مثلما في الماضي، العالم المتنور يريد لأمريكا ان تقاتل نيابة عنه، وعندما تقاتل فانه يكرهها بسبب ذلك.
يديعوت 9/4/2017