الامر احتاج إلى ضربة عسكرية بمستوى محدود، وترامب كعادته فاجأ الجميع. بوتين غضب والاسد صرخ. ولكن عندما تم اطلاق 59 صاروخا من السفن العسكرية الموجودة في البحر المتوسط، والتي سقطت على موقع عسكري قرب حمص، لم تكن هذه مسابقة اخرى في شد الحبل، أو استعراض للعضلات.
بدون محكمة العدل العليا وبدون «بتسيلم»، أي بدون قرار لمجلس الامن وبدون المحادثات الدبلوماسية المضنية، وجهت الولايات المتحدة صفعة مدوية للاسد وبوتين. وهذا الامر يرسل رسالة لدول اخرى ايضا. قبل حدوث الرد العسكري كان هناك تحول سياسي عندما أعلن ترامب أن الاسد لا يمكنه أن يكون جزءاً من الحل في سوريا. وهذا على الرغم من أنه قبل ذلك ببضعة ايام أعلنت سفيرة الولايات المتحدة في الامم المتحدة أن اسقاط الاسد ليس من أولويات الادارة الأمريكية.
هل تغيرت أولويات الولايات المتحدة في أعقاب الهجمة الكيميائية على خان شيخون، وهل ستسعى الولايات المتحدة إلى اسقاط الاسد؟ الجواب حتى الآن «لا». هل سيستأنف ترامب تقديم المساعدات الأمريكية للمتمردين في سوريا كي يستطيعوا مواجهة النظام؟ الجواب هو أكثر من ذلك. ايضا الاسئلة التكتيكية لا تجيب عليها الضربة الأمريكية.
الصواريخ كما يبدو لم تصب مخازن السلاح الكيميائي للاسد، بل أصابت المطار التابع لسلاح الجو والذي طلعت منه الطائرات التي كانت مزودة بالسلاح الكيميائي. أما السلاح الكيميائي نفسه فهو في أمان. إن المنطق في قصف مطار لسلاح الجو أمر مفهوم، لكن هل يعني ذلك أن ترامب لن يتردد في ضرب من قام باعطاء الأمر؟ في الوقت الحالي الاجابة على هذا السؤال واضحة وهي ضربة خاطفة. ترامب فعل بشكل كبير ما تفعله إسرائيل بشكل مصغر، حيث تقوم بقصف قوافل السلاح التي تخرج من سوريا إلى حزب الله.
الولايات المتحدة لم يعد لها دور هام في الحرب السورية، إلا اذا قرر ترامب أن يفاجيء من جديد. هي لن تسرق العرض والتأثير من روسيا. والعمليات السياسية ستتم بدون تدخل أمريكي ناجع. لهذا فان الانجاز الفوري والهام بالنسبة لترامب هو أمريكي سياسي: الاثبات للجمهور بأن الولايات المتحدة ليست أرنبا خائفا. وترامب الذي طلب من اوباما الحصول على موافقة الكونغرس قبل ضرب سوريا في العام 2013، أحرج الكونغرس الأمريكي ايضا. فهل سيتجرأ أحد ما على انتقاد الهجوم، حتى لو كان بعيدا عن الاجراءات السليمة، ورغم أن الولايات المتحدة لم تكن تواجه خطرا فوريا؟.
والسؤال المطروح هو هل ستنتقل روسيا وسوريا إلى الحرب الانتقامية للاثبات بأنه لم يتغير شيء في استراتيجية محاربة المتمردين والمدنيين. وبالنسبة لهما لا حاجة إلى أي سلاح كيميائي من اجل قصف مدينة ادلب ومحيطها بشكل كثيف. يمكن الحصول على نتائج جيدة من خلال العنف المشروع مثلما حدث في السنوات الست الماضية منذ بدء الحرب في سوريا. وهذا القرار موجود في أيدي بوتين الذي يلتزم بالوقوف إلى جانب الاسد في وجه الهجوم الأمريكي. والحديث هنا لا يدور عن الدفاع عن صديق، بل الحفاظ على مكانة واحترام روسيا. في يوم الخميس الماضي أعلن المتحدث باسم بوتين، دمتري باسكوف، أن روسيا لا تقف إلى جانب الاسد في جميع الظروف وأنه «من الخطأ القول إن روسيا يمكنها اقناع الاسد بفعل كل ما تريده». إلا أن هذه الاقوال كانت تتكرر كلما تم اتهام روسيا بالمسؤولية عن سلوك الاسد الدموي.
رغم ذلك، يجدر قراءة رد روسيا على الضربة. المتحدث باسم بوتين اعتبر الرد «اعتداء على دولة ذات سيادة بذريعة مصطنعة». وهو لم يعانق الاسد ولم يعتبر أن الضربة وجهت لحليف، ولم يهاجم ترامب بشكل مباشر مثلما لم يلق الاخير المسؤولية المباشرة على بوتين.
يبدو أنه رغم الاقوال الروسية والتحذير بخصوص مستقبل العلاقة بين القوتين العظميين، إلا أن الزعيمين لا يريدان اعطاء الاسد القدرة على ضعضعة التوازن بين القوى العظمى. والخطوة العملية التي اتخذتها روسيا حتى الآن هي تجميد التنسيق الجوي في سوريا مع الولايات المتحدة حسب الاتفاق الذي تم التوصل اليه في تشرين الاول 2015.
ليس من الواضح حتى الآن ما اذا كان تجميد التنسيق سيشمل التنسيق مع إسرائيل ايضا. فهذه التفاهمات ليست جزءاً من التفاهمات مع الولايات المتحدة. ولكن يحتمل أن يحاول بوتين الغاضب من تصريحات نتنياهو عن الاسد، أن يثبت لترامب أن استهداف حليفة روسيا سيؤثر على حلفاء الولايات المتحدة. وبهذا يقوم بالغاء أو تجميد التفاهمات مع إسرائيل. واذا كانت هذه هي النتيجة فان الامر يعني أن الحرب السورية تضع إسرائيل على خط النار السياسي وليس العسكري فقط. وقد تجد إسرائيل نفسها في تناقض مصالح بين سياسة ترامب وبين حاجتها إلى استمرار التنسيق مع روسيا.
هآرتس 9/4/2017