سقطت زهرة اللوز يا أحمد.. وبقيت القصيدة

حجم الخط
1

أحمد دحبور تلك هي زهرة اللوز التي أزهرت فينا، ربما كان من الصعب علينا أن نسمع بخبر وفاتك، لأنّك أنت من منح الحياة قبلة الشعر، ومنح الشعر قبلة الحياة كي ينتصر لها ولفلسطين.
قصيدتك تلك الروح التي صارت لها أجنحة تطير أعلى من الحواجز والمنحدرات، صار لها رحيق زهرة اللوز وعودهُ الأخضر، الآن سقط اللوز ولم تسقط القصيدة، ظلّت نابضة بحياةٍ أخرى وعالمٍ آخر يحملها صوب رمزيّةٍ ضروريّةٍ من أجل الجمال الذي يحارب البشع فينا، ويدافعُ عن صورتهِ وصورتنا في مرايا الأرض، تلك هي فلسطين الجميلة التي تتجدد فينا، وفي شهقة القصيدة، يخرج أحمد إلى العالم الآخر ويرحل، فترجع كلماتهِ رجوع السنونو في طقسٍ ربيعيٍّ.
لم يمت أحمد تماماً، لكنّهُ ولد للتوِّ كالولدِ الفلسطيني الذي كتبهُ في أغنيةٍ من أغاني الحلم بالعودة والحجر والعشب والرائحة في ثنايا الذاكرة، ها هو أحمد الأقرب يقترب أكثر إلينا ليس لأنّه رحل بل لأنّهُ ظلَّ كما هو بإيمانهِ الرائع ونظرتهِ الأخيرة على ما تبقّى فينا من تراب، أنظرْ إلى القدس لكيلا تغيب، وأنظرْ إلى حيفا كي تبدأ، ما أصعب الرحيل عنها، فأنت الراحل المستمر إليها، من حمص التي ترحل على موجةٍ حيث لا نعلم، إلى أين؟ ومن رام الله التي لم تجلس بعد على قدميها، فاليد مبتورة والفم نازف يا أحمد، ولكنَّ الشعر هذا النورس الذي يغنّي وسط الطوفان ما زال يغنّي.
يا أحمد أيها الهوميروس الذي روّى سيرة التراب وسيرة البلاد، يا سليل كنعان، تمهّل قليلا والتفت كي ترى ظلّنا المبتور فوق الأرض، وَتحدّث للشمس كي تشرق على أغاني العاشقين في ليل المخيمات الطويل، واقطف زهرة لوزٍ أخرى كي تعانق يافا حيفا قرب الجليل، ماذا نقول للزيتون إن سأل عن غارسهِ الأوّل؟ والأعناب التي تتدلّى من دالية الخليل وتبكي على إيقاع آخر قصيدة، فسر على درب الأوّلين أمثالك، فكيف يا شاعر الحلم تعود الكلمات إلى وطنها قبلنا؟ أكلما حلمنا عدنا على أجنحة الخيال ويبقى الاشتهاء نحو المكان الواقع؟ إذن، علينا ألا ننام كي لا نحلم بما لا يتحقق، أو علينا أن نكتب لنروي سيرة ما نحلم، يظلَّ حلم الشعراء ليس عاديّاً في حضرة المنتظر كما تعلم، فارفع نشيدك كي يسمعوك من خلف الأسلاك، وارفع صوتكَ كي يصل الصدى ويعرجُ نحوهم، لا سجن إلا الصمت في هذا العالم الأسير، فاكتب واكتب لكي ترى السراب قمراً هناك، فليس إلا القمر يخترق نواحي الظلام الذي لا يفسّر كالشعر، يا صاحب «شهادة بالأصابع الخمس» فالشهادة قد شهدت على جرحك الفلسطيني وانتصرت للشعر أولا قبل الوطن، فإنّ الانتصار للفن يعني الانتصار للوطن حتى إن كان الوطن مسجّى أمامك، فإنّك أهديتهُ قصيدة حبٍّ هادئة هدوء الماء في بحيرة روحك.
لم تكن يا أحمد من الشعراء الذين يملأون مسرح الشعر ضجيجاً وصراخاً وخطابةً من أجل الانتصار للوطن على حساب الشعر، كنت تحب الشعر كي تحب الوطن، فانتصرت.
القصيدة والحديقة توأمان لا ينفصلان، فالشوك لا يزهر يا أبي، وكما قلت: «لأنّ الورد لا يجرح قتلت الورد»، فامسح جرحك بالندى، واشهد بأنَّك تقاوم حتى الرمق الأغلى، وتنشد:
لماذا الخوف لي والقمح للأولاد
كيف أكون منهم إن رجعت
فهل سأقهر في خوفي
هل سأخرج من يدي ضعفي
وأدخل في الجموع كأنني منهم
وأخجل من دموعي
لا أريد سوى كما يحيون أن أحيا
ولكني أرى ما لا يرون
تعبت أو تعبت بي الرؤيا
صوتك الشعريِّ لا يهدأ، ونارك المشتعلة تنطق ملء حناجرنا، فسلّم على درويش والقاسم هناك في حضن الثرى، لا شمس تشرقُ، لا بحر يُنفي، لا جرح في الجرحِ، نمْ، فقد تعبت من الرحيل، نمْ، بلا وسادةٍ أو لحافٍ إلا على صفحات ما كتبت وما تركت، الأرضُ مقدّسةٌ والسماءُ معراجها، فنمْ تحتها، لتعلو.
وداعاً يا أبا يسار، يَا شعلتنا الموقدة في درب الآلام، أنت الذي وقفت خاشعاً للحجر الذي صار عنواناً للقصائد، وَداعاً يا أبا يسار، عشت كما أنت شاعر الحرف البسيط، وشاعر المعنى الكبير، ومن فرط التطابق بين القصيدة وروحك، صرت أنت المؤسس الأول لشعريّة الثورة التي ليست لها صفة واحدة، وها نحن نكمل دربك الشعري على هدي صوتك، نكمل نشيد اللوز وطريق اللوز وأرض اللوز، كي يبقى عود اللغة أخضر .

سقطت زهرة اللوز يا أحمد.. وبقيت القصيدة

باسل عبد العال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية