من المهم أن يغيّر الرئيس ترامب قناعاته تجاه تنظيم الأسد، ومن الجيد أن تتغير لهجة ترامب، لكن الأهم والأكثر جدية، أن يترجم ترامب أقواله إلى أفعال يلتمسها السوريون المنكوبون والمختنقون بغازات حليف موسكو وطهران، تنظيم بشار الأسد.
مهما كانت نوعية الغازات التي استخدمتها الايادي الآثمة بحق أطفال وعجائز مدينة خان شيخون، لا ينفي هذا أن هناك جريمة ارتكبت وأن على دول المجتمع الدولي أن تتحرك بشكل جماعي أو منفرد، تحت سقف مجلس الأمن الدولي، أو تحت سقف الجمعية العامة للأمم المتحدة و«مبدأ الحماية للمدنيين».
مهما كانت الإجراءات التي اتخذتها ادارة الرئيس ترامب بعد ان الزم نفسه علنا باتخاذ إجراءات دون الكشف عن ماهيتها.
على الدول العربية الفاعلة الدول الحليفة للثورة السورية أن تدفع الى تحفيز وتشجيع ترامب لاتخاذ إجراءات عقابية حاسمة تجاه تنظيم بشار الأسد على خلفية مجزرة خان شيخون الكيمائية .
ما هي خيارات أمريكا في سوريا وهل ستؤثر على اولويتها الأساسية انهاء تنظيم الدولة ؟
أما الخيارات فأمريكا تمتلك كل الخيارات وتستطيع أن تنفذ ما تريده في سوريا وتستطيع أن تحشد من ورائها الكثير من الدول الداعمة لأي اجراء تتخذه إدارة ترامب.
في ظل التسريبات أو التصريحات حول توجيه ضربات عسكرية مهما كان نوعها أو أهدافها، نعتقد أن تواكب هذه العمليات تحركات إضافية سياسية وعسكرية.
أولا العمل وبأسرع وقت على تشكيل «هيئة قيادة الثورة السورية الوطنية» تتمتع بمصداقية وتستطيع إدارة المعارضات بكافة اشكالها وتشعباتها والقدرة على إدارة سوريا او المحافظة التي من الممكن ان يخسرها تنظيم الأسد في حال وتوجيه ضربة عسكرية له بغرض منع مطاراته على استقبال او اقلاع الطائرات او استخدامها كمنصات لقصف مواقع المعارضة او المدنيين .
النفطة الثانية والهامة، الاسراع بتشكيل ما تم الإعلان عنه مذ أيام عن إعادة تشكيل واندماج كافة فصائل المعارضة المسلحة في الشمال السوري والتواصل مع تلك الفصائل العاملة في ادلب ومحيطها وحماة وريف دمشق، من الفصائل التي تصنف على أنها معتدلة، ودمجهم جميعاً بتشكيل واحد تحت قيادة واحدة وتحت علم الجيش الحر.
تكون نواة الجيش العربي السوري الوطني المقبل، ويكون هذا الجيش بكافة تشكيلاته المندمجة فيه، جاهزة للسيطرة على مواقع تنظيم الأسد وميليشياته الإيرانية واللبنانية، في حال هربت او انسحب خوفاً او تجنباً للضربات الأمريكية المحتملة .
ومن المهم في هذا المقام إعادة تشكيل كافة منظمات المجتمع المدني في غرفة عمليات واحدة وتحت اشراف وتنسيق تام مع ما اشرنا اليه «هيئة قيادة الثورة السورية الوطنية» ، وهنا نتجنب ايضاً أي فوضى او أي استغلال قد يحصل نتيجة بعض النفوس المريضة التي تستثمر في مثل هذه القوة تحت عناوين إنسانية ونستطيع أيضا التحكم بحجم وشكل المساعدات والجهات وتوجيهها للجهات الأكثر احتياجا بأسرع وقت.
اعتقد ان الفرصة كاملة متاحة الآن امام السوريين الوطنيين المخلصين لسوريتهم وثورتهم في النهوض من ركام فوضى التحزب والتشتت الذي أضاع الثورة وكان سببا في الكثير من الأوضاع السيئة التي يشاهدها العالم من فرقة وتشتت وتبادل اتهامات وتخوين. لا تضيعوا الفرصة السانحة التي قد لا تتكرر اثبتوا أنكم ثوار وأنكم متحضرون وأنكم قادرون على التوحد والاندماج والقدرة على الإدارة والانجاز.
رغم الرغبة المتوحشة التي رأيناها من خلال كلمة الاتحاد الروسي في مجلس الأمن الدولي التي ناقشت مجزرة خان شيخون الكيمائية. الان ان موسكو لم تستطع ان تنكر ان طائرات الأسد هي من استهدفت احياء خان شيخون، وبتصريح صدر عن موسكو، ومحاولة لي عنق الجريمة المنكرة من خلال القول ان طائرات نظام الأسد استهدفت مصنعاً للمواد الكيماوية تابعا للمنظمات الإرهابية وكانت ستستخدمه في سوريا والعراق، الأمر الذي سخر منه أعضاء مجلس الأمن بالقول لو كان ذلك صحيحاً لرأينا حريقا وتدميراً كبيراً وهذا ما لم يحصل بل كل ماحل هو اختناق مدنيين جلهم من الأطفال والعجائز.
وبرغم هذا نقول إن روسيا لن تجد مخرجاً لها ولتنظيم الأسد من عنق زجاجة مجزرة خان شيخون الكيماوية، فقد أدانت نفسها وحليفها الأسد بجريمة حرب، كما سنوضح .
ردا على مزاعم موسكو بأن ما حدث هو تسرب للغاز من مستودع للأسلحة الكيميائية للمعارضة، بعد أن أصابته ضربات جوية نفذتها طائرات تنظيم الأسد، إن جميع الوثائق والصور وشهادات شهود العيان، وعمليات التشريح التي تمت في تركيا وبحضور ممثلين عن منظمات دولية، ومخلفات القذائف الصاروخية المحمولة جواً تبين أنها كانت تحمل رؤوسا سامة وهي السبب في المجزرة وجميع هذه الأدلة اشارت بكل وضوح إلى أن المناطق التي استهدفت كانت مناطق مدنية كثيفة السكان .
وهذا مؤشر آخر على انها جريمة حرب، لمادة 57 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف. قضت بضرورة «اتخاذ جميع الاحتياطات المستطاعة عند اختيار أساليب الهجوم من أجل تجنب إحداث خسائر في أرواح المدنيين أو الإضرار بالأعيان المدنية» و«بالامتناع عن شن أي هجوم يتوقع منه أن يحدث خسائر في أرواح المدنيين أو الإضرار بالأعيان المدنية بصورة تتجاوز ما يُنتظر أن يسفر عنه من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة»، وإلا عد ذلك، بحسب البروتوكول ذاته، ضربا من «الهجمات العشوائية»، وهو ما يمثل، بموجب النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، جريمة حرب. كما نصت المادة 57 على ضرورة «توجيه إنذار مسبق وبوسائل مجدية في حالة الهجمات التي قد تمس السكان المدنيين.»
وهذا ما اعترفت روسيا به بقولها إن «بشار الأسد» هو من قصف مناطق المعارضة.
وبالتالي تتحمل موسكو المسؤولية الكاملة عن هذا الهجوم والذي يشكل عدة خروقات.
الخرق الأول: حسب قرار مجلس الأمن 2118 الذي يدين استخدام أي مواد كيميائية سامة لا سيما غاز الكلور كسلاح في الصراع الدائر في سوريا.
الخرق الثاني: خرق وقف إطلاق النار الذي ضمنته موسكو وتركيا في 29 كانون الأول/ديسمبر2016.
إن «الضباط الروس « هم من يديرون ويتحكمون بالمطارات العسكرية التي يتوقع خروج الطائرة المجرمة منها، مطار «الشعيرات ريف حمص، مطار حماة العسكري، وقاعدة حميميم الجوية الروسية».
رغم محاولات روسيا وحليفها الصيني عرقلة صدور أي قرار من مجلس الأمن الدولي يعاقب أو يدين مرتكبي المجرمين، صدر القرار رقم2118 ونصت الفقرة الأخيرة منه على أنه في حالة عدم الامتثال سيتم فرض تدابير بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
وأصدر مجلس الأمن قراره رقم 2209 الذي عبّر فيه عن استيائه من عدم التطبيق الفعلي لقراراته السابقة المتعلقة باستخدام لمادة الكلور والأسلحة الكيميائية على العموم. وخلص في فقرته السابعة إلى نتيجة مفادها أنه في حال عدم الامتثال مستقبلاً لأحكام القرار 2118 فإن مجلس الأمن سيقوم بفرض إجراءات وفق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وبالتالي يمكن لدول مجلس الأمن الدولي منفردة او مجتمعة أن تفرض عقوبات سياسية وتشن هجمات عسكرية بموجب هذين القرارين، دون الحصول على قرار جديد من مجلس الأمن.
كما أن المجتمع الدولي يستطيع لو كان جاداً بالتدخل العسكري المباشر تحت مبدأ الحماية للمدنيين، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة واستخدم هذا المبدأ في الكثير من دول العالم.
ويظل السؤال هل هناك إرادة حقيقية لتفعيل هذه الرخصة وقنص مجزرة خان شيخون لإحلال العقاب الحاسم بحق تنظيم بشار الأسد ومحازبيه وداعميه وشركائه في الجريمة؟
٭ كاتب وباحث سوري
ميسرة بكور