الذات الهاربة في المعطيات السورية الوليدة

حجم الخط
0

موضوعيا وبعيدا عن الميول والرغبات والأمنيات، لا يزال قوس الاحتمالات مفتوحا في سوريا، ولا صيغة نهائية محددة تلوح في أفق مستقبلها السياسي، ولا قدرة لأي طرف على تخيل ملامح نقطة النهاية التي لن تكون، في أي حال من الأحوال، سوى نقطة البداية لسلسلة طويلة وشاقة من متغيرات دراماتيكية بدأ رأس جبلها الجليدي في الظهور، من خلال مخاض عسير تتداخل فيه مختلف العوامل وتتشابك على المستويين الداخلي والخارجي.
بينما تتضافر مجموعة من المعطيات الوليدة بفعل العامل الزمني، الذي طال أمده بطريقة تتناقض مع معطيات لحظة ولادة الثورة السورية، في إطار ثورات الربيع العربي، التي اتسمت بقصر آجالها نسبيا، بينما راحت تتشكل على جدران هذا العامل تلك المعطيات الطارئة على المشهد الثوري السوري، وهذا أمر طبيعي، ولا بد من أخذه في الاعتبار لحظة تحليل مفرزاتها دون الاستنقاع عند عتباتها والركون إليها ونسيان أو تناسي العوامل الرئيسية التي أدت إلى اندلاع الثورة.
من هذا المنطلق، تبدو مسألة استعصاء الحالة السورية رهينة عامل التكيف الذاتي الموضوعي، مع مخرجات الأحداث الموضوعية التي لا تفتأ أن تظهر تباعا وبشكل متواتر يجعل من الصعوبة بمكان تتبع مسارها بدقة، وقراءتها على الوجه الأمثل ومن ثم تجييرها لصالح استحقاقات التغيير السياسي في سوريا، التي من المفترض ألا يختلف بشأنها عاقلان، لكن عوضا عن توسيع زاوية الرؤية تبعا لتسارع الأحداث وتنوعها واتساع رقعة اللاعبين فيها، ركنت بعض القوى والشخصيات الحالمة بالتغيير إلى مقومات الاستعصاء نفسه، وبدا أفق التغيير في عيونهم مسدودا، جراء ما نما من عوالق وطفيليات، لا يمكن انكارها، على جسم الثورة، وعوضا عن الارتقاء إلى مستوى جديد في الصراع، وتعزيز مكامن أدوات التغيير السياسي المنشود، بدأ الوهن يتسلل إلى صدور وعقول هذه القوى والشخصيات المحسوبة بغالبيتها على التيار العلماني على وجه التحديد، ما أفسح الطريق منطقيا أمام سيطرة العصبيات المذهبية والعرقية، وكذلك القوى الخارجية على المشهد برمته.
النتيجة الطبيعية لهذا التقهقر العلماني، لم تقتصر على إحداث نوع من الفراغ القاتل في جبهة القوى الساعية إلى التغيير السياسي فقط، بل إن الكثيرين ممن يمثلون تيار العلمانية ويرفعون راية الديمقراطية والدولة المدنية، وجدوا أنفسهم مدفوعين بأوهام حفظ ماء الوجه، مجبرين على تبني خطاب تبريري لا يمت بأي صلة لواقع الأحداث والمعطيات الجديدة التي ظهرت في قلب الصراع ولونته بألوانها، ولا يرى في المعطيات الجديدة سوى معطى واحد موضوعي يتعلق بتنامي نفوذ القوى والفصائل الاسلامية، التي من المفترض أن ينظر إليها في إطار حزمة المعطيات الجديدة ككتلة واحدة، لا أن يصار إلى اختزال مجمل التحولات في هذا المعطى الموضوعي فقط، والتغاضي عن بقية العوامل الأخرى التي أدت إلى حالة الاستعصاء، وإلى حرف الثورة عن مسارها الحقيقي، وفي المقدمة منها انكار النظام لاستحقاق التغيير جملة وتفصيلا، وركونه إلى الحل الأمني- العسكري خيارا وحيدا للخروج من الأزمة المستعصية، بالاستعانة بقوى خارجية مارقة تملك من الميزانيات وترسانات التسلح ما يفوق قدرة قوى الثورة على مجابهتها، فضلا عن ظهور العصبيات الأقلوية القائمة على الدين أو العرق أو المذهب، التي لعبت دورا تدميريا لا يقل شأنا وتأثيرا عن تأثير الفصائل الاسلامية المسلحة بارتهاناتها لعصبياتها وللعامل الخارجي.
وربما من المفيد هنا خوض مغامرة البحث في المعطيات الجديدة التي تتلخص في محاور ثلاثة رئيسية ليست نهائية، وهي قابلة لمزيد من التحليل والتمحيص وصولا إلى أقرب قراءة ممكنة للمشهد السياسي السوري الحالي، لكن لا مناص من الاستناد إليها، بشكلها الحالي أو بإلإضافات المحتملة عليها وما يلزم من تعديلات عليها، لحظة التصدي للتحليل الموضوعي لما آل إليه الوضع في سوريا، وهي على الشكل التالي:
أولا- المحور السياسي الذي يشي بحقيقة فجة تفيد بأن سوريا أصبحت، جراء تماهي النظام مع حالة الإنكار لاستحقاق التغيير، ترزح تحت أشكال متعددة من الاحتلال والانتداب وفقدان السيادة تتعدى مفردات تدويل الأزمة وتتخطى سائر محاولات التصدي لها عبر المفاوضات التقليدية في المحافل الاقليمية والدولية المعروفة حتى اللحظة.
ثانيا- المحور الديموغرافي وانفراط العقد الاجتماعي وكثافة عمليات التهجير القسري، التي أفضت إلى انزياحات لكتل سكانية ضخمة ترقى إلى مستوى إعادة هيكلة البناء السكاني في البلاد، بحيث أصبح السؤال مشروعا حول مصير جزء لا بأس به من الشعب السوري وحول إمكانية العودة، سكانيا، إلى ما كانت عليه الأوضاع قبل اندلاع الثورة السورية.
ثالثا- المحور الاقتصادي الاجتماعي ونشوء مؤسسة اقتصادية موازية لاقتصاد فاسد أصلا يقودها سماسرة الحرب وممولة من مصادر داخلية وخارجية، فلقد خلقت الحرب نخبا اقتصادية جديدة بعد فرار رجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال، ما جعل منهم عنصرا جوهريا في إدارة البلاد، إلى درحة أصبحوا ينافسون الحلفاء التقليديين لعائلة الأسد في قلب النخبة السورية، ما انعكس تحولا واسع النطاق في الهيكلية الاجتماعية الاقتصادية.
ولكي تكتمل الصورة، ربما تجدر إضافة محور رابع يتعلق هذه المرة بالمتغيرات التي طرأت على أداة التغيير السياسي أو العامل الذاتي للتغيير المنشود والقوى الداعمة له اقليميا ودوليا، وانحسار الحاضنة العربية الرسمية والشعبية له إثر نجاح القوى المضادة للثورة في تغيير سلم أولويات هذا الاستحقاق باتجاه إعلاء شأن محاربة الارهاب واعتبارها أولوية الأولويات في خرق واضح لآليات التحليل السياسي وبعثرة أوراق اللعبة السياسية في العلاقة السببية بين ظاهرة التشدد والإرهاب من جهة، وبين عالم الفساد والاستبداد من جهة أخرى، وأيهما له الأسبقية على الآخر من حيث المبدأ.
بعيدا عن لغة التجريح والنقد الهدام والمناكفات الضارة، لا بد من تسجيل حقيقة مفادها أن الخارجين من الثورة السورية ذهبوا بعيدا جدا في انتقاداتهم لها حد انعدام الفارق أحيانا، بين خطابهم النقدي للثورة السورية ورواية النظام حول «الجماعات الارهابية المسلحة»، بينما تضيع على السنتهم وفي كتاباتهم قضايا حساسة ومصيرية مثل المعطيات الجديدة التي اقتحمت وأقحمت في استحقاق محاولة التغيير السياسي المشروع في سوريا، وعدالة القضية السورية، والموقف الأخلاقي منها، فضلا عن ضرورات المشاركة فيها، عندما يعمدون إلى حشر سلوك النظام الاجرامي الممنهج حد الصرامة مع مراهقات أطياف المعارضة في سلة واحدة، وبهذه الطريقة يتبنون، في المحصلة النهائية خطابا انهزاميا عماده لغة التبرير للذات الهاربة.
كاتب فلسطيني

الذات الهاربة في المعطيات السورية الوليدة

باسل أبو حمدة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية