صلاح فائق يكتب القصيدة التي تشبهه

حجم الخط
1

تضعنا قصائد صلاح فائق أمام لحظة شعرية باردة، تسحبنا من سخونة الواقع إلى حافة (الخفّة) حيث الشاعر/ الكائن الذي يحلم، والذي يستعيد وجوده عبر تفاصيل ويوميات فيها الكثير من الشغف، والأنسنة واللذة، حدّ أنّ اللغة بوصفها الجوهر، تتبدى وكأنها المجسّ الشخصي للإنسان، أو الأصابع التي تصطاد اللذة، وتلامس رعشات الموجة أو الجسد.
صلاح فائق يكتب بهاجس الخبرة، تلك التي استوطنها، وبادلها صناديقه القديمة، ليحظى بتفاصيل صغيرة، لكنها متوهجة، لا بلاغة دهماء فيها، ولا استعارات تُزيّف ما حوله، فكل ما فيها عارٍ ومكشوف، وصالح لأنْ يستاف رائحة الأمكنة القصية، تلك التي أعادت إنتاج الشاعر نفسه، ليكون فيها الرائي والمكتشف والصياد والباحث في تاريخ الماء والكهف عن سيرته، أو عن أثر السُعاة الذين نقلوا السعادة والوجع والحكايات إلى الأقاصي.
هو بلا قاموس جاهز، وبلا ذاكرة طاعنة بالمراثي القديمة، ولا حتى بالأمكنة التي ظلت يستعيدها البعض بنوع من التطهير، فكلُّ ما يتبدى في القصائد الشغف الرهيف، والشجن الذي يفصح عن رؤيا لا حدود لها، إذ هي تتقصى الإنسان وهو يحلم، أو يعبر، أو يرى الخسارات والهرم، أو أنْ يمارس إزاءها طقوس لذته، تلك التي تصطنعها اللغة، اللغة بوصفها البيتي، السحري، وليس بوظيفتها القاموسية..
أتاحت لي السنوات الأخيرة
أتبجحَ حول ماضيّ، ما يخجلني الآن
إذ لستُ جيدا حتى في هذا.
أعرفني رائعا بتقليد عمال المناجم
او مظهر بوابين أثناء إجازاتهم
لا اعني بأني لستُ موهوبا
اضطجعُ على ارجوحة
أغني بنبرةٍ كئيبة عن خمود شهوتي للنساء،
الطعام، الملابس،
النقود، التكريم…
يشتبك صلاح فائق مع قصيدته حدّ التماهي، فهي تعويضه، أو هي رهانه على الوجود، وهذا ما يجعل خفّتها وتعريتها البلاغية محاولة لتخفيف عبء ما يراه، وما يحمله، وما يرثه من تاريخ غامرٍ بالخيبات، إذ تبدو تلك القصيدة وكأنها هو، يتبادلان الحكي اليومي، والثرثرة الصباحية، وفنجان القهوة والخروج إلى السوق، لا حضورَ هنا سوى لتلك القصيدة/ الخطاب، فهو يستعملها وينصت لها، ليس لأنه قارئها الكاشف لأسرارها، بل لأنه الأكثر استعمالا لها، والشريك الإيهامي والإيروسي لملابسها ولجسدها، وحتى لذاكرتها التي باتت تشبه ذاكرته تماما..
أذهبُ لأشتري أرغفة من مخبز
أصادفُ راهبة تتغنجُ أمام معبد
أقفُ وأتطلعُ إليها ـ معروفٌ عني تحديقي
في عشيقات أصدقائي
وانغماسي في ملذّاتٍ ليلية.
أنسى، بعد دقائق، إلى أينَ أريدُ أن أذهب..
تُبهرنا قصائد اليوميات التي يكتبها صلاح فائق، فهي قصائد تؤنسن العالم من حولنا، وتهذّب رؤيا الشاعر من غبار التاريخ الساكن برعبٍ في الذاكرة، مثلما هي قصائد شجاعة، لأنها تواجه رعب الوجود والشيخوخة، فتتبدى وكأنها الأقرب إلى الاعتراف المسيحي، حيث لا خطيئة للكائن سوى خوفه، وسوى خديعته، وسوى صمته، وهذا ما يجعل تلك القصائد مسكونة بأصوات الشاعر الخبيئة، أصوات (العواء) تلك التي يستعيدها بوصفها حياة كاملة…

٭ ناقد عراقي

صلاح فائق يكتب القصيدة التي تشبهه

علي حسن الفواز

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية