لقاء مع الماغوط في ردهة فندق

حجم الخط
0

لقاء مع الماغوط في ردهة فندق

امجد ناصرلقاء مع الماغوط في ردهة فندقلا ينطبق علي محمد الماغوط المثل القائل: تسمع بالمعيدي خير من ان تري.اقصد انني كنت اتمني ان يكون لقائي العابر بالماغوط في ظل ظرف صحي افضل لصاحب (حزن في ضوء القمر)، لكن الرياح جرت، كما يقولون، بما لا تشتهي السفن، فلم يصدف، في كل زياراتي الي دمشق، ان التقيت الماغوط، رغم ان الشعر والشعراء كانا في صلب هذه الزيارات.فهو لم يكن يجلس في مقهي (اللاتيرنا) الذي كنت التقي فيه، غالبا، علي الجندي وممدوح عدوان وعادل محمود وبندر عبد الحميد وحسان عزت وبشير البكر وجميل حتمل.. وغيرهم.هذا، طبعا، في اواخر السبعينات، وفي هذا الوقت بالذات كان الماغوط منهمكا في شراكته المسرحية مع دريد لحام ولم يكن يختلط، كثيرا، بالوسط الشعري الذي عاد اليه بعد ان انتهت هذه الشراكة.كان يمكن ان اسعي الي لقائه، فلم يكن ذلك صعباً علي ما اظن، غير انني لم اكن مهتما بالأمر، فالماغوط بدا، انذاك، بعيدا عن ذائقتي، ولعلني فضلت ان احتفظ بصورته التي تراقصت امامي في بداياتي الشعرية.لقد اصبح منجزه (حزن في ضوء القمر، غرفة بملايين الجدران، الفرح ليس مهنتي) عملا رياديا ولكنه كفّ عن ان يكون غذاء، مباشرا، للقصيدة التي اشتغل عليها او التي اهتم بها، وقد تكون علاقته بدريد لحام من الامور التي اخذتها عليه، فالرأي السائد بين المثقفين السوريين (والعرب) يومذاك، ان هذا العلاقة انتجت اعمالا تسطيحية وتمييعية لموضوعات القمع والسلطة والهزيمة في الحياة العربية.هكذا لم التق بالماغوط طوال ثلاثين سنة من انخراطي في الحياة الثقافية العربية، ولم يصدف ان جمعنا حيّز قط، الي ان جاء تكريمه من قبل مؤسسة سلطان العويس في دبي قبل اقل من شهر علي رحيله.ہ ہ ہفي ردهة فندق (روتانا البستان) في دبي رأيت محمد الماغوط علي كرسي متحرك يدفعه قريبه الطبيب الذي يرافقه، كظله، مذ اصبح المشي علي قدمين ثابتتين علي الارض ذكري من ماضي الشغب البعيد، فتقدمت منه وسلمت عليه.قلت له: أنا فلان الفلاني.فقال: اهلا، اهلا، طبعا، طبعا!قلت له:كيف الحال؟فقال بنبرة ساخرة، والسيجارة الابدية تتدلي من زاوية منحرفة من فمه:كما تري، واشار الي الكرسي المتحرك.فقلت له: المهم هذا، واشرت بالسبابة الي الرأس.فقال وطيف ابتسامة يحاول ان يرتسم علي شفتيه المطبقتين علي السيجارة: وهذا خربان ايضا!ثم كأنني سمعته يسألني: هل انت في لندن؟فقلت من دون ان اتأكد انه سألني هذا السؤال: ما زلت في لندن.كانت وجهة الكرسي المتحرك تشير الي ان الرجل يتجه الي المصعد، والطبيب القريب واقف كظله وراء الكرسي، فلكزه الماغوط بيده واخذ الكرسي يتحرك باتجاه المصعد وانا اقول من دون سبب، وربما، فقط، لمواصلة هذا الحديث العابر الذي انقطع فجأة: اراك لاحقا.لم اتأكد، طبعا، انه عرفني، فنحن لم نلتق من قبل، ولم يجمعنا حيز او مناسبة، كما اشرت سابقا، ولم اتيقن قط ماذا تعني كلمة: طبعا، التي رددها مرتين عندما قدمت له نفسي.لعلها مجرد رد طبيعي علي اللهجة الواثقة التي شددت فيها علي المقطعين اللذين يشكلان اسمي.أفلا يصادفنا كتاب وشعراء شبان، او مغمورون، في ندوة او مهرجان ويقدمون لنا انفسهم ونقول لهم، تفاديا للحرج او علي سبيل التواضع، نفس الكلمات: طبعا، طبعا.طبعا، هنا، لا تعني شيئا، اذ هي مجرد حيلة كلامية للقول اننا نعرف من تكون ونحن، في الواقع، لم نكن قد سمعنا، من قبل، بأسمائهم، فالمرء لا يقدر علي الالمام بكل الاسماء حتي وان كان يشتغل في الحيز نفسه الذي يشتغلون فيه، فبعد كل شيء، الشعراء كثر والمنابر اكثر والعتب علي النظر!لم تزعجني مسارعة الماغوط الي لكز مرافقه لدفع كرسيه المتحرك، وفي الواقع لم اشعر بالحرج، فلم اكن ارغب بأكثر من تلك التحية، ولو انني تمنيت ان تطول المحادثة قليلا. كان يكفي انني رأيت ذلك الشاعر الذي راودتني صورته واحزانه المزمنة مذ كنت شابا صغيرا يلوب علي ارصفة (الزرقاء) بحثا عن معني لحياته في الكلمات العصية المراوغة.كان يكفي ذلك.كان الرجل مريضا فعلا.الحيوية الوحيدة التي بدت عليه هي في مواصلته تدخين السجائر واحدة تلو الاخري حتي في الاماكن الممنوع فيها التدخين كقاعة المؤتمرات التي عقدت فيها ندوة للفائزين بجوائز سلطان العويس الثقافية الشهر الماضي.كان الماغوط يدخن بلا رحمة وبلا انقطاع، كأن السيجارة هي حبل السرة الذي يربطه بالعالم، او كأنها اوكسيجينه، فيما الفائزون يتحدثون عن حقولهم التي نالوا تلك الجوائز علي اساس تميزهم فيها.وقد بدا، من وراء نظارته الضخمة التي تشبه مرصدا فلكيا بدائيا ضجرا من الكلام والمتكلمين، او ضائعا لا يفهم ما يقال، خصوصا، عندما راحت مصطلحات الناقد المغربي محمد مفتاح النقدية تزخّ وتتعقد وهو يتحدث عن علاقة (الأنا) بـ(الآخر). هنا فقدنا الماغوط تماما، او، لعله، فقد طرف الخيط الذي كان ما يزال يربطه بمحيطه (غير سيجارته طبعا)، فصار ينظر الي محمد مفتاح من وراء ذلك المرصد الفلكي البدائي وهو لا يفهم ما الذي يجري.صحيح ان الناقد المغربي كان يتحدث لغة عربية سليمة لكن شيئا فيها بدا عصيا علي الفهم، انه ذلك النوع من الاشياء التي لم يفهمها الماغوط في لغة النقد والنقاد. شعرت للحظة ان الماغوط قد يفسد الامر علي الناقد المغربي، غير ان احتجاجه الوحيد كان باستلال السجائر والامعان بتدخينها في مكان مكتوب علي اكثر من جهة وزاوية فيه بحروف حمر: ممنوع التدخين!ہ ہ ہليست هذه الكلمات في مقام التقييم النقدي للراحل محمد الماغوط، فلا الحيز ولا المناسبة، يفيانه حقه.انها مجرد استحضار لذلك اللقاء اليتيم الذي جمعني به في ردهة فندق وهو يتوجه بكرسيه المتحرك الي المصعد.انها ايضا تحية لمن قدم لنا وجهة في الكتابة الشعرية لم تطرق قبلا.الماغوط شاعر فريد في المدونة الشعرية العربية: نكهة ومعجما وموقفا من العالم، وهو شاعر محظوظ ايضا لأنه جاء في زمن كان هناك من يصغي فيه الي الشعر ومن يظن ان الشعر قادر علي التغيير، وهو محظوظ ايضا لانه وجِدَ بين مجموعة تلقفته وقدمته، بوصفه بيانا شعريا جديدا الي ساحة الشعر العربي.فمن دون مجلة (شعر)، التي التف حولها شعراء خاضوا صراعا فكريا وجماليا لنقل القصيدة العربية من طور الي طورآخر، يصعب علينا تخيل ان يكون الماغوط هو ما هو عليه اليوم، بل من الصعب تخيل كيف ستكون، الآن، صورة القصيدة العربية.هذا الموضوع ينساه الكثيرون وهم يتحدثون عن واقع القصيدة العربية اليوم، بل جاء وقت نسي الماغوط نفسه تلك الحاضنة واولئك الذين صنعوها وراح يكيل لهم الشتائم بلا انقطاع.ما الذي اريد ان اقوله هنا؟أريد أن اقول ان الشاعر الكبير لا يسقط من السماء بـ (باراشوت) ولا يصير كبيرا بمحو اثار خطوته الاولي ولا بنفي المصادر التي غذت نصه وجعلته يصل الي ما وصل اليه.الشاعر الكبير لا يصير كبيرا إلا بين الكبار.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية