فعل دونالد ترامب ما كان ينبغي أن يفعل قبل سنوات. فقد تلقى بشار الأسد رسالة، على شكل 59 صاروخ توما هوك على قاعدة سلاح الجو السورية: على استخدام السلاح الكيميائي ليعاقب الناس. من هذه القاعدة انطلقت الطائرات التي قصفت بالغاز خان شيخون قرب إدلب.
ان الحرب بين الجيش السوري، الذي يستعين بإيران وحزب الله ومؤخرا بالروس ايضا، وبين سلسلة من منظمات الثوار، بينها داعش ومنظمات إسلامية متطرفة اخرى، مستمرة منذ ست سنوات وتسببت بموت اكثر من نصف مليون مواطن ونزوح الملايين. وقد اختارت قوات الأسد عن قصد أهدافا مدنية، القت عليها القنابل والسلاح الكيميائي. ويواصل الأسد التقاليد الاجرامية، والعالم وقف جانبا فيما استمرت المذبحة.
باراك اوباما، رغم التحذير الذي اطلقه للاسد حول استخدام السلاح الكيميائي، فتح عمليا الباب امام الطائرات والقوات الروسية التي تساعد الأسد. وتعطيل قدرة الأسد عن استخدام السلاح الكيميائي لا يشكل تحديا عسكريا جديا للولايات المتحدة، ولكن التواجد الروسي عقد الوضع. فكل عمل أمريكي الان معناه خطر مواجهة مع روسيا. وكان ترامب مستعدا للاخذ بهذه المخاطرة.
لقد كانت صور الاطفال الذين ينازعون الحياة هي التي اقنعت ترامب على ما يبدو بالقيام بالعمل. ومن لا يصدم بهذه الصور؟ يحتمل أن يكون بثها المتكرر في التلفزيون في الولايات المتحدة هو التفسير للتأييد العام من الشعب الأمريكي لقرار ترامب بالهجوم، رغم الميل، الذي كان ترامب مشاركا له للامتناع عن التدخل في النزاعات الاجنبية. هذه المرة لم يكن هنا موضوع مساعدة لهذه الجهة او تلك، بل ببساطة الرغبة في انقاذ الحياة.
وماذا عن دوافع الأسد؟ لماذا اختار بالذات الان ـ بعد أن بدأ بمساعدة الروس والإيرانيين يحظى بانجازات واضحة ـ ان يخاطر باستخدام السلاح الكيميائي ضد المدنيين؟
قبل كل شيء، لانه شعر بأن بوسعه أن يضمن الدعم الروسي. ثانيا، ظن على أي حال بأن ترامب، مثل اوباما، لن يفعل شيئا. وقد كان محقا بالنسبة لفلاديمير بوتين، واخطأ بالنسبة لدونالد ترامب. أقوال سفيرته في الامم المتحدة، نيكي هيلي ـ التي قالت ان في نية ترامب التركيز على الصراع ضد داعش، وبالتالي فإن ازاحة الأسد، الذي يقاتل ضد داعش، ليست على جدول أعمال، ضللته. فلم يأخذ بالحسبان مشاعر ترامب تجاه قتل الاطفال. هذه مشاعر لا يشارك فيها الجزار من دمشق. ولا بوتين أيضا على ما يبدو.
يمكن أن نفهم الاستعداد لعقد صفقة مع طاغية كالأسد. في اللحظة التي يكون فيها اتفاق، يمكن الاعتماد على الطاغية في أن يفرض تنفيذها. ولهذا فقد فضله بوتين على كل الآخرين من منظمات الثوار، التي تثير بعضها بلا شك عطفا أكثر من الأسد. وعليه، فقد رأى فيه ترامب أيضا شريكا مفضلا في الحرب ضد داعش.
قبل سنوات كانت إسرائيل مستعدة للتوصل إلى اتفاق مع حافظ الأسد. لقد كان الاب مجرما مثل ابنه. فقد قتل 20 الف من ابناء شعبه حين أمر بقصف مدينة حماة. ولكن اسحق رابين وايهود باراك اعتقدا، على ما يبدو، بأنه يمكن الاعتماد عليه في أن يفرض كل اتفاق يوقعا عليه، حتى لو كان معظم السوريين يعارضونه. أما اليوم فأحد لا يأسف على أن المحادثات مع الأسد الاب لم تكتمل. فمع أنه لا يكون احيانا مفر غير التعاون مع الطغاة ـ يفضل مع ذلك وضع حد ما. وترامب قرر وضع هذا الحد.
هآرتس 10/4/2017