في دراسته الموسومة حول التجربة الشعرية للشاعر الفرنسي هنري ميشو أطلق جيروم روجير ما أسماه بمفهوم الكتابة امتصاص للمعرفة، باعتبار أن مصطلح الكتابة بالمعنى الديداكتيكي للمفهوم لا يتوافق إلا مع اللامتناهي المشوّش تحت ذريعة أن محكيا ما أو قصيدة ما حين يؤطران من خلال كتابة مقال فلكي تستمدّ منهما العبر.
في هذه الدراسة يستشهد روجير بكاتب آخر كتب بدوره عن ميشو وهو أندريه بريشون، من خلال توصيفه لأنماط الكتابة وتمييزه فيها بين ثلاث صيغ تلفظية ملبوسة بلفظة مقال، لا يمكن تقليص دلالتها على نحو حصري، حيث يتعلق الأمر بالريبورتاج والمعالجة والنقد. ثم يستدرك فيضيف حقلا رابعا يتعلق بالقول المأثور، لكنه يبدو بالنسبة له غير واضح الصلة بالمفهوم ذاته المحدد آنفا. ويذكر لذلك عدة أسباب منها أنه كثيرا ما تحتوي الدواوين الشعرية المعاصرة على المقاطع الحكمية ذات الحمولة الأخلاقية القيمية ولكن المعالجات النقدية لا تشير إليها. بينما يغلب الاتجاه فيها إلى البحث وبصعوبة قصوى أحيانا عن كشف الإرسالية الموسومة بالغموض، ومن خلاله تتم تجلية المقال وربطه برهان الذات، على أنهما معا لا يبرهنان فقط على خطاب تفكيري ذهني حول القضايا الأكثر خصوصية، أي ما يتعلق بخصوصيات الحياة، بل يشكلان مظهرا من التواضع المخلوط بالمزاج والسخرية من قبيل ما نجده، حسب جورج لوكاش، في كتابات من يمكن أن يعدّ حقا كاتبا عظيما.
إن الحقيقة التي يتحدث عنها لوكاش في مقاله هذا الذي كتبه في شبابه (1910) تحيل إلى واحد من الاهتمامات القارة للشعراء، تتجلى في أنهم يجعلون من الحياة العامة مرآة كاشفة لحيواتهم الشخصية أي شيئا حميميا. ومن ثم فبالنظر إلى صيغ المقالات التي يمكن أن تؤطر هذه التجارب، إلا أنه يصعب حصرها في تنميط معين، وإنما جعلها في تصنيف مركب يتخطى جميع الخطابات والأنواع، لأننا سنكون بصدد نوع من الكتابة التي لا تكتفي بالبحث عن نفسها بقدر ما تنشد تحقيق استقلاليتها، وهو ما يترتب عليه الوصول إلى ما يمكن وسمه بالمعالجة الهجينة، التي تقوم على خرق التمييز المنهجي الذي أقرّه فرانسيس بيكون، باعتبار أن المنهج هو المصفاة التي تمكن من تجنب عدوى الأهواء والمسبقات الفردية للذات العارفة، لغرض أن يتم تجنيد الطبيعة في خدمة الإنسانية. أما بالنظر إلى نزوع الكتابة الهجينة فلا يمكننا أن نعتبر بعد الآن أنّ المقال هو فقط هذا التصوّر العقلاني الصرف، بل يمكننا أيضا أن نتصور صنفا جديدا من خطاب المعرفة الذي يشمل المفاهيم ذات الصلة بالدراسة أو المعالجة، والتي تحدد أحيانا مجموع النصوص المرتبة ضمن متن الهلوسة من غير أن يشكل ذلك بالضرورة موطن إجماع. فحينما يتعلق الأمر بنص ما يكون من الصعب تصنيفه أو موضعته في صنف معين. وهذا ما يحيل على ما أسماه ميشيل فوكو في مقدمة كتابه كلماتٌ والأشياءُ بالفضاءات المتنابذة، وهي الأعمال التي تفك لعبة التصنيفات العلمية وتعرّيها في الآن نفسه، بدلا من نعتها ووضعها ضمن يوتوبيا الهلوسة الموصولة بالغموض. ويقود ذلك إلى استحضار أحد العناوين الشعرية لهنري ميشو: (المعرفة عبر الأغوار) وهو يشي بالمخبر الذي يستدمج الدراسات الإكلينيكية والقصائد الشعرية والتعليقات والتراكيب النقدية، أي كل ما هو أكثر رسوخا في النسقية وفي ديداكتيكية الكتابة.
إن رمزية المعرفة المحولة عن كفاءتها الأداتية تمنح الانطباع بتطعيم/تلقيح ما ضد الطبيعة، وهو ما تأخرت نظرية الكتابة عن مساءلته. هذه الرمزية غير القابلة لتصنيف المعرفة، أو كما يسميها روبير بريشون بالرمزية الأبستيمية، تظل بعيدا عن أن تكون مؤشرا مباشرا لهذا المجال أو ذاك من مجالات المعرفة، بل تظل دائما مفتوحة على الإمكانات التي تخفيها ولا تتمكن من كشفها أبدا. وبتعبير آخر إن المعرفة التي يدور حولها هذا المقال لا تكشف شيئا من الشواهد أو من التفاعلات النصية البسيطة، بقدر ما تروم إلى بث ترميزات مشفرة لإدانة متبادلة بين المعارف من جهة، وبين الأدب من جهة ثانية. وباعتباره موجها للرمزية غير الاعتيادية لمعرفة تمثل متنا موصولا بلحمة صوت متعدد الأشكال، فإن قارئ الشعر المعاصر يحاول دائما أن يجرد، يقوم بعملية جرد، عبر تقليد العلوم المعالجة أو المسترجعة والمعاد تنزيلها في متن العمل الأدبي. وفي هذا المعنى يبدو الشاعر وكأنه يعيد اختراع الكتابة ولكن بالمعنى الذي فهمه وعبّر عنه روبير موزيل بإنّ أفكار الكتابة لا يمكن فصلها عن تربة ينبت فيها الشعور والعزيمة والتجارب الذاتية وتركيبات فئات من الأفكار التي لا تستقبل أو تبث ضوءها الكامل، إلا داخل الفضاء السيكولوجي الخالص لموقف داخلي معطى. إن القراءة في أفكار الكتابة وعدم معاودة العثور على متغيرات خاصة بالمعالجة ذاتها يعني الدخول في شعرية العمل المكتوب ورفض جلب مجهول معرفة العمل لصالح معلوم المعارف التي تبددها الشعرية وتسرف في تصريفها عبر شتى الاتجاهات. ولا يتعلق الأمر كذلك بتقابل اعتباطي بين هاتين الصيغتين المراد بهما (الشعر) و(الكتابة) باعتبارهما مكونين جوهريين، ولكن بوضعهما تحت الشد والتوتر، كما يدعو إليه موقف ميشو ذاته كونه شاعرا غير مرجّح، لأنه يحرص على تجنب القصيدة أطول ما يمكن من الوقت. وإنه بتجنب القصيدة تحت أشكال هجينة على نحو عام يصير بإمكان الكتابة التفكيرية /الوصفية/الإكلينيكية للشاعر أن تتحول أحيانا إلى شيء ما يمكن أن نسميه قصيدة. فالمعالجة الهجينة ليست فقط أن ينصّب الكاتب نفسه بهلوانا أو مهووسا بلعبة الأنواع الأدبية، وإنما أيضا بأن يكون رساما وكاتبا بحيث يمكنه أن يتصرف داخل هذين النطاقين بكل المعاني التي يحتملها لفظ الكتابة، حيث النص أحيانا يحاور الرسم والمكتوب يسائل الحركة الغرافية .فالكتابة بهذا المعنى هي دائما اختراع لمسار يبدو في الوهلة الأولى غير ملائم كما الإيديوغرام الصيني لكنه يظل مع ذلك يحفظ كيانه في الذاكرة وينقل لغزه بالقوة المعهودة.
٭ كاتب من المغرب
عبد السلام ناس