وهي الروايات التي صاغها مؤلفوها معبرين عن علاقات نشأت وتكونت في عالم الإنترنت، أي أنها تصوّر العالم الافتراضي الجديد بتقنياته المختلفة، راصدة العلاقة التي نشأت بين الإنسان وهذا الواقع، فهي من جانب تطبع ورقية، ومن جانب آخر نشأت في بيئة افتراضية؛ لأنَّها صوّرت الشخصيات بتجاربها المتنوعة في واقع افتراضي لم يكن مألوفا من قبل، وفي إبداع سردي يحلق ما بين الفضاء الإلكتروني، حيث نشأت العلاقات وتفاعلت، وما بين الواقع اليومي الذي جاءت منه الشخصيات ونمت.
وتقترب من هذا الشكل، نماذج روائية فيها توظيف كلي على مستوى الموضوع نظريا، مع إغفال الشكل التقني، حيث اهتمَّ هذا التوظيف بتقديم موضوع الإنترنت وعلاقته بالشخصيات في صورة سرد تقريري تقليدي عن طريق الراوي العليم أو الذاتي، أي أنَّ الموضوع افتراضي والشخصيات افتراضية، لكنّ شكل الرواية لا يختلف كثيرا عن الصورة التقليدية.
والمثال الحاضر هنا رواية «في كل أسبوع يوم جمعة» للروائي المصري إبراهيم عبد المجيد، كُتِبت هذه الرواية خلال عامي 2007 ـ 2008. وهي تتناول مجموعة صنعت موقعا على الإنترنت للتفاعل في ما بينها، وهذا هو الإطار الافتراضي الذي تلاقت فيه المجموعة، ومنه تعارفوا، ووقفنا على أبعاد كل شخصية، وقد اختاروا يوم الجمعة موعدا ثابتا لتلاقيهم، فلا عجب أن يأتي عنوان الرواية معبرا عن هذا اليوم، حاصرا زمن التقائهم الأسبوعي في يوم واحد أسبوعيا، فأسبوعهم يوم يروون فيه ما حدث خلال الأسبوع، أو بالأدق سيكون فيه حدث مفارق في حياتهم كلها وليس في أسبوعهم.
يعد الثنائى «عماد» وزوجته «روضة» محور النص، فقد دعت «روضة» لتشكيل «الجروب» من أجل التعارف والبوح، ونتعرف عبر الأسطر، أنها من خلال هذا الجروب تقتنص الرجال؛ لتشبع رغبتها في الجنس، ورغبة عماد زوجها المنغولي في الاستمتاع بالقتل في كل يوم جمعة من الأسبوع . ففي هذا اليوم، يمارس عماد شهوته في تقطيع الجثث والإجهاز عليها.
ونصادف من خلال الجروب، نماذج من شخصيات عديدة، ونرصد العديد من التحولات التي طرأت على المجتمع عبر النماذج الشخصية المقدمة في الرواية.
سندرك عبر تقنية سرد «الشات»، حقائق عن ثماني عشرة شخصية. أولهم «روضة» الفتاة الجميلة ابنة عسكري بسيط، يعمل مستخدَما عند الضابط الكبير والذي في الوقت نفسه يبحث عمن يمكن أن تهتم بابنه المريض بما يسمى «الشخص المنغولي»، وهو متواضع في الذكاء والقدرة. يقترح العسكري ابنته «روضة» لتقوم بالمهمة المطلوبة، وعندما يراها الضابط الكبير، يزوجها بابنه ويخرجها بالمطلق من أهلها وعالمهم، نظير بضعة آلاف من الجنيهات. وهكذا تجد «روضة» نفسها، مع زوجها المنغولي هو سلوتها وأزمتها، شخص مريض، عاجز عن القيام بواجباته الزوجية، فليس أمام الزوجة الشابة إلا عالم الإنترنت، تتواصل به مع العالم لإشباع حاجاتها النفسية من حب ودفء، وحاجاته الجسدية الجنسية.
أقنعت نفسها بداية أنها داخلة للتعلم وتجديد حياتها، ولكنها في الواقع، تدخل عالم الرجال وتسقط في علاقات جسدية محرمة، وتألف المسألة تدريجيا، وتتكرر الحالة. وفي إحدى المرات يختلف العشيق مع روضة وهما في منزلهما، ويراه زوجها المنغولي فيقتله، وبمساعدة روضة، يقوم بتقطيعه وإلقائه في النيل ويقيد الحادث ضد مجهول. المفارقة كامنة في شعور مرضي، يظهر في نفس «روضة»، وزوجها المنغولي، فهي تحصل على الجنس مع الشخص، وزوجها يعيد ما قام به سابقا في فعل القتل.
لقد عرض المؤلف رؤية للشخص المنغولي، بصورة صافية عن الجنس البشري في مرحلة الوحشية، عندما يتلذذ بالدماء، وأعضاء الجسد الممزقة، وكأنه يعرّي الإنسان، عندما يكون من شهواته القتل.
من الشخصيات التي نجدها في الموقع، ذلك المغامر الذي يتحرك في كل الفصول في البحر ليحصل على صيد وفير، وهناك أب فقدَ ولديه التوأم وهما يحاولان الهجرة غير الشرعية، ويريد سلوى لحزنه المتراكم، فيفضي في «الشات» بكل ما في أعماقه. وهذه فتاة امتهنت الدعارة، ثم صارت على قناعة أن الرجال لا يستحقون الحب، ومن ثم دخلت في علاقات سحاقية. وذلك السائق المتقاعد الذي يبحث عن أناس يشاركهم جلسات الأنس والشراب. وأستاذ الجامعة الذي يحاول استثمار نفسه في هذه الأجواء لعله يحصل على صيد ثمين، وهناك نساء تحت الطلب، وهذا شخص متدين يرى العالم من زاوية الحلال والحرام كما يفهم الدين هو. وآخرون هم سيدخلون تباعا، نعيش مآسيهم وآلامهم، ونقرأ بوحهم وأمنياتهم.
تتطور الأحداث، حيث تسقط «روضة» الصياد البحري، لينعم بليلة جنس مجنونة معها، ثم يصبح بين أيدي زوجها المنغولي، الذي يتلذذ وهو يقطعه، ويرميه في النيل. وتحاول سيدة صحافية مساعدة الأب الفاقد لولديه ولكنه يكون قد يأس هو زوجته من الحياة فيقرران الانتحار معا. تتحرك الصحافية أكثر، فتتواصل مع السحاقية، وتعيشان أياما جميلة، وقد قررتا ألا تفترقا، فكلتاهما كارهتان للرجل.
سنتعرف من خلال «الجروب» على القاع السفلي لمدمني المخدرات وأجواء حياتهم، وانتشارهم في مجتمع يتعامل معهم بوصفهم قدر محتوم، على قناعة أنه لا توجد سلطة تردعهم. كما سيدخل الموقع، شاب أُدخِل السجن وفقد كرامته وظُلِم وخرج يحمل قضية ويناضل من أجل كرامة كل مسجون مظلوم، كما ستتقاطع أقدار شخصيات عديدة، فبعضهم يدخل ثم يسقط في حمأة الجنس والقتل، وبعضهم يخرج قبل الأوان، تنتهي الرواية، بأن الجروب مستمر، يستقطب ضحايا جددا، وتتالى الجثث المهترئة في النيل، وكلها ضد مجهول، في إشارة إلى أن الجريمة مستمرة، لا أحد ينتبه، ولا سلطة تتحرك، ولا أناس يرتدعون، ولا قيم تبقى.
جاء بناء الرواية على مستويين متتاليين: الأول: مستوى أفقي، تمثل في عرض شخصيات السرد، وكأنه يقدم رؤية كلية لطبيعة الموقع/ الجروب، وما فيه من شخصيات وأفعال . المستوى الثاني: وهو تال ولاحق للمستوى الأول، حيث التعمق رأسيا في حياة كل شخصية على حدة، لنعرف تكوينها، وما الأسباب التي جعلها تفضي لما أفضت إليه، وكل هذا عبر البوح الحر المنفتح في «الشات»، خاصة أن عنوان الرواية يوحي بالديمومة، في ضوء أن الشخصيتين الرئيستين روضة وعماد؛ استمرتا في أفعالهما، وفي استقبال الجدد، واللامبالاة بالقدامى.
لقد كان الإنترنت هنا ميدانا للتلاقي الافتراضي، ثم الالتقاء الحي المباشر، سواء بإقامة علاقات محرمة تفضي إلى القتل، أو تستمر بعيدا عن المجموعة، أو تخرج من الموقع، وتغرق في هموم الحياة. ولكن بلاشك، فإن الشخصيات تعبر عن أزمة مجتمعية وسياسية وفكرية ونفسية: فردية وجماعية، مجتمع متخبط ضائع، وإذا عنّ سؤال عن كم السوء الذي لمسناه في الرواية، فإن الجواب أنه منطقي، فالجروب الافتراضي شارع خلفي للكشف، ومن الطبيعي أن تبدو الشخصيات في عنفوانها وقسوتها وتبحث عن متعها وشهواتها المكبوتة بعيدا عن رقابة المجتمع الخارجي، وقيود الذات نفسها عندما تكون وسط القريبين منها.
إن النص يكرس في جوهره التعدد والتنوع عبر بنية سردية ولغة تفاعلية تستند إلى البوح والتواصل، وتعتمد على نبذ التمركز حول القوة الذاتية؛ لتفتح حوارا وحكيا وسخرية، كأنه يقدم شخوصه على مسرح هوائي غير متعين إلا من خلال شبكة غير مرئية، وتتفاوت القضايا المطروحة، فهي إما مغرقة في اليومي والعادي والشخصي، أو قضايا جريئة تندفع باتجاه الجنس أو الشذوذ ورفض القمع.
وفي جميع الأحوال فإن السرد الروائي كشفَ ما يحدث على مواقع الشات بشكل عام، حيث تتعرى النفوس وهي مستترة خلف أسماء مستعارة، وهي تمارس شغبا وتمردا ورغبات تكتمها خوفا من رقابة مجتمعية، أو أوضاع اجتماعية وعرفية.
٭ كاتب سعودي
مصطفى عطية جمعة