صواريخ ترامب بين خلط الأوراق وفرز المواقف

لماذا أمر الرئيس ترامب بإطلاق رشقة صواريخ توماهوك باتجاه قاعدة جوية سورية بعد اقل من 72 ساعة من اتهام النظام السوري باستخدام الاسلحة الكيماوية ضد المدنيين؟ وكيف تأكدت الادارة الامريكية من الامر بدون تحقيق دولي وبهذه السرعة؟ ألا تخشى الوقوع في مطب «أسلحة الدمار الشامل» الذي وقعت فيه ادارة جورج بوش في العراق؟
من جانب آخر، كانت الإشاعات والتسريبات تشير إلى متانة العلاقة بين ترامب وبوتين، وهو أمر أصاب الكثيرين بالتخبط في قراءة المقبل من الاحداث، والصراعات بين القوتين، فهل جاءت الضربة الصاروخية لتنهي هذه الاشاعة؟ ام ان السبب هو بزوغ مرحلة جديدة من اليمين الامريكي المتطرف، الذي يذكرنا بإدارة المحافظين الجدد؟ وهل سيرد الروس على الضربات المقبلة اذا ما حدثت ويقومون بحماية نظام الاسد حليفهم الاستراتيجي في المنطقة؟ أم سيكتفون بالشجب في المؤتمرات الدولية، منعا للتصعيد والوصول الى حرب اقليمية او ربما أزمة عالمية؟
خلفية الازمة كانت اتهام النظام السوري باستخدام غاز السارين في ضربة كيماوية لمدينة خان شيخون في ريف ادلب، التي تسيطر عليها فصائل المعارضة السورية، ثم بحسب اعلام المعارضة السورية، قامت طائرات النظام السوري واستكمالا لجريمتها بقصف المشافي التي استقبلت مصابي الضربة الكيماوية، وكانت النتيجة مقتل حوالي 100 مدني، اغلبهم من الاطفال والنساء، واصابة 400 اخرين باصابات مختلفة. بينما اتهم النظام السوري جبهة النصرة وبعض فصائل المعارضة بتصنيع الاسلحة الكيماوية وتخزينها في مبنى قامت طائراته بقصفه، ما تسبب في تسرب المواد الكيماوية السامة التي أصابت بعض المدنيين القريبين من منطقة العمليات، وأكدت وزارة الدفاع الروسية أن طائرات سلاح الجو السوري قصفت مستودعا للذخائر يحوي أسلحة كيماوية ومعملا لإنتاج قنابل تحوي مواد سامة في مدينة خان شيخون، في حين رفضت فرنسا على لسان مندوبها لدى الأمم المتحدة فرانسوا ديلاتر الرواية الروسية، حيث تعالت استنكارات المنظمات الدولية والمنظمات الحقوقية والانسانية مطالبة بفتح تحقيق دولي في الحادث، فالنظام تعهد منذ أزمة الغوطة الشرقية عام 2013 بنزع ترسانته من السلاح الكيماوي فكيف حدثت هذه الضربة؟
ولم تمنح ادارة ترامب المجتمع الدولي وبقية الفرقاء الوقت الكافي للتحقيق في الامر، بل اتخذت خطوة منفردة عبر توجيه ضربة صاروخية بـ59 صاروخا من نوع توماهوك، انطلقت مدمرات للبحرية الأمريكية في شرق البحر المتوسط بعد اقل من 72 ساعة من الحدث، لتنهال على قاعدة الشعيرات الجوية قرب حمص التي اعلن المتحدث الرسمي باسم البيت الابيض ان الطائرات السورية المحملة بالذخائر الكيماوية انطلقت منها، وقد اصيبت البنية التحتية للمطار بأضرار بالغة اخرجته من الخدمة موقتا، علما ان قاعدة الشعيرات الجوية تستخدمها القوات الروسية ومروحياتها في عملياتها، إلا ان الضربة الصاروخية لم تصب أيا من الاهداف الروسية في القاعدة، كما قتل في الهجوم ستة عسكريين من الجيش السوري وجرح عشرات الاشخاص، وبحسب المصادر الامريكية فإن هذه الضربة حدت من استهتار النظام السوري بأرواح المدنيين وستدفعه للتفكير مليا اذا حاول استخدام الاسلحة المحرمة دوليا مرة اخرى ضد شعبه.
ردود الافعال تجاه الضربة الصاروخية تباينت وأفرزت معسكرين، الاول هلل وفرح كثيرا بها واعتبرها عودة ميمونة للولايات المتحدة، التي غابت عن ساحة الشرق الاوسط طوال فترة ولايتي الرئيس اوباما. اما المعسكر الثاني فقد اعلن شجبه ورفضه، واعتبر الضربة اعتداء على دولة ذات سيادة، وخرقا للقانون الدولي، وان تصرفات كهذه لا تصب الا في خدمة الارهاب الذي يقاتله النظام السوري .
اول المرحبين بالضربة الصاروخية كانت المملكة العربية السعودية، حيث جاء ذلك عبر تصريح مصدر مسؤول بوزارة الخارجية عن «تأييد السعودية الكامل» للعمليات العسكرية الأمريكية على أهداف عسكرية في سوريا. وأشاد المصدر بـ»القرار الشجاع» لترامب، معتبرا أنه «رد على جرائم نظام الأسد تجاه شعبه، في ظل تقاعس المجتمع الدولي عن إيقافه عند حده»، كما ذكرت وزارة الخارجية السعودية في تغريدة رسمية لها على تويتر ذكرت فيها «هنأ خادم الحرمين الشريفين، الرئيس الأمريكي على القرار الشجاع الذي يصب في مصلحة المنطقة والعالم»، كما أشارت الخارجية السعودية إلى ان الرئيس ترامب كان قد اطلع الملك سلمان في اتصال هاتفي على تفاصيل العملية العسكرية ضد أهداف عسكرية محددة في سوريا.
كما أعتبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الضربة الأمريكية «خطوة إيجابية ضد جرائم الأسد بالأسلحة الكيميائية والتقليدية إلا أنها غير كافية»، وقال: «آن الأوان لاتخاذ خطوات جدية قادرة على تحقيق نتائج إيجابية لصالح حماية الشعب السوري المظلوم»، كما أيدت الضربة الصاروخية الامريكية كل من الامارات العربية المتحدة وقطر والكويت والبحرين والاردن في تصريحات رسمية صدرت من جهات حكومية ومسؤؤلة، كذلك كان الموقف الاسرائيلي مؤيدا ومرحبا بالضربة الصاروخية، حيث اعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رأيه قائلا إنه «بالأقوال والأفعال بعث ترامب رسالة قوية وواضحة مفادها أن استخدام الأسلحة الكيماوية ونشرها لا يطاقان»، مؤكدا أن إسرائيل «تدعم دعما كاملا» قرار ترامب.
بينما ادانت روسيا وايران وحزب الله في لبنان والعراق الضربة الصاروخية الامريكية، واعتبرتها عدوانا على دولة ذات سيادة، وان الحل العسكري المنفرد من قبل الولايات المتحدة يمثل تدخلا سافرا في الشأن الداخلي السوري، وعلى هذا الاساس استعد الروس ومعهم حلفاء النظام السوري للجولة المقبلة اذا ما حدثت، وهنا يأتي السؤال المفصلي، ما الذي اراده ترامب من توجيه الضربة الصاروخية؟ وماذا حققت الضربة؟ وهل خلط الاوارق الحاصل الان في صالح محاربة الارهاب في سورية؟ ام اننا نحتاج لفرز واضح للمواقف؟
في تصريح لافت قال السيناتور الجمهوري، جون ماكين، رئيس لجنة الشؤون العسكرية التابعة للكونغرس الأمريكي في مقابلة تلفزيونية مع قناة CNN «إن الغارة الأمريكية ضد قاعدة الشعيرات السورية ردا على الهجوم الكيماوي في خان شيخون، ينظر إليها على أنها بداية جيدة» وتابع قائلا «السبب الوحيد لبقاء بشار الأسد في السلطة اليوم هو روسيا وإيران، وبالتأكيد ليس بسبب السوريين، وأعتقد أنها (الضربة الأمريكية) بداية جيدة وتبعث برسالة في غاية الأهمية، وأنا مسرور بأن الرئيس قام بذلك، ولكن الظن بأن ذلك كل شيء، والأمر هو ضربة واحدة لمطار واحد هو بصراحة تفكير خاطئ». هذا يعني ان هنالك تصعيدا أمريكيا مقبلا، وتحولا في الموقف والنهج الامريكيين والتحالف الذي تقوده، فبعدما كانت ضربات التحالف تنصب على المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الاسلامية، ما يعني اضعاف احد تيارات المعارضة الشرسة ضد النظام وبالتالي تقوية النظام، نجد اليوم ترامب وقد تحول، دون سابق انذار، الى ضرب قواعد الجيش السوري الجوية مما يعني اضعاف قدراته في مواجهة المعارضة.
كما اشارت شبكة سكاي نيوز الاخبارية في معرض تحليلها لدوافع الرئيس ترامب، التي حدت به لاستخدام الحل العسكري بشكل منفرد، دون الرجوع او الركون الى الشرعية الدولية لعدة اسباب منها؛ محاولة تقديم ترامب لنفسه بمظهر الرئيس الحاسم، خلافًا لسلفه باراك أوباما. كما نجح ترامب أيضا، عبر ضرب قوات الأسد، وهو الرئيس الذي تدعمه موسكو عسكريًا وسياسيًا، في استعادة الدور القيادي الأمريكي الذي تراجع كثيرا أمام الروس الذين حققوا مكاسب كبيرة أيام أوباما، حيث عززوا وجودهم في الشرق الأوسط (وتحديدًا في سوريا) وسيطروا على شبه جزيرة القرم التي كانت تابعة لأوكرانيا، إلى جانب ذلك، جاءت ضربة ترامب خطوة للإيفاء بوعوده الانتخابية في السياسة الخارجية، التي تعهد فيها بوضع حد للتمدد الإيراني، من خلال كبح ميليشيات طهران التي تدعم الأسد في سوريا. كما أن الضربة الأمريكية في سوريا أغضبت روسيا بدرجة كافية لتبديد بعض الاتهامات او الشُبُهات التي طالت علاقة ترامب القوية بروسيا والتساهل معها، والتي لطالما لاحقت الحملة الانتخابية لترامب حتى بعد وصوله إلى البيت الأبيض، كما ان الضربة الأمريكية في سوريا تُنبئ بأن التهديدات التي أطلقها ترامب ضد كوريا الشمالية وإيران «ليست جوفاء» ومن الممكن أن تُنفّذ على أرض الواقع إذا اقتضت الضرورة.
فهل نحن مقبلون على سنوات من الغضب الامريكي الدموي الذي يذكرنا بإدارة المحافظين الجدد؟ ام ان روسيا بوتين لها من القوة والنفوذ ما تستطيع به ان تلجم تهورات الزعيم الامريكي الجديد؟ هذا ما ستسفر عنه الايام المقبلة.
كاتب عراقي

صواريخ ترامب بين خلط الأوراق وفرز المواقف

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية