مفهوم الوطنية من بلدان الاحتلال الي مستخدميها العراقيين
هيفاء زنكنةمفهوم الوطنية من بلدان الاحتلال الي مستخدميها العراقيينيشكل مسخ المفاهيم والمبادئ ملمحا مهما من ملامح تكريس الاحتلال، عموما، وبدونه يقضي الاحتلال نحبه، خلال فترة وجيزة، اينما وجد. ولايختلف احتلال العراق عن غيره من هذه الناحية. اذ نشهد منذ ما يزيد علي الثلاثة اعوام صناعة ما يسمي بالعراق الجديد تبعا لخطاب الاحتلال الانكلو ـ امريكي. فبينما يتصارع مستخدمو الاحتلال، الي حد التناحر، علي محاصصة المناصب الطائفية والعرقية، يقومون بتغليف الصراع بمفاهيم مرتبطة بالذاكرة الجمعية والواقع التاريخي للشعب. مكررين اياها في خطبهم وتصريحاتهم اليومية لهدفين، الاول هو تفريغ المفاهيم من معناها الحقيقي، والثاني هو تقديم معني بديل، يسوق ضمن مواصفات الاحتلال، بعد ان يتم تحويل المفهوم الاصلي الي مفردة مبتذلة وممجوجة.ولعل اكثر المفاهيم تعرضا للتشويه تحت الاحتلال هو مفهوم الوطنية، لانه المفهوم الاكثر التصاقا بهوية المرء وتاريخه وحاضره. وهو آصرة الحب التي تربطه بارضه وشعبه وديمومة مبادئه. حيث تم الصاقه بكل ما هو منبوذ وكريه بدءا من اسماء الاحزاب السياسية الداخلة الي العراق مع قوات الاحتلال، مرورا ببرامج الاحزاب السياسية المنفذة لجدولة الاحتلال، وانتهاء بكذبة الدعوة الي تشكيل حكومة وحدة وطنية بعد تمرير خدعة الانتخابات وعرس الاصبع البنفسجي وكتابة الدستور. ويشير الواقع السياسي الي ان ما يسمي بحكومة الوحدة الوطنية، الموعودة كحل سحري ناجع ضد كل الشرور والانتهاكات وجرائم القتل، بشرط عدم مس الاحتلال، وبعد انقضاء اربعة شهور دامية علي اعلان نتائج الانتخابات، لن تزيد عن كونها استنساخا مطابقا لمجلس الحكم البائد، وفق المحاصصة الطائفية والعرقية والجنسوية التي رسخها الحاكم الامريكي السابق بول بريمر. حيث تتشبث بالمحاصصات ذاتها نفس الاحزاب والاسماء بعد اداء لعبة الكراسي الموسيقية، علي ايقاع اغنية الانتصار علي الارهاب، ولو ادي ذلك الي قتل العراقيين كافة. اما بالنسبة الي الوطنية كمفهوم ومبدأ فقد بذل مستخدمو الاحتلال اقصي جهودهم لاختزال المفهوم لابحب الوطن كامتداد طبيعي وحضاري، يستند اليه المواطن لمواجهة التفتيت الطائفي والعرقي في اللحظات التاريخية العصيبة، وفي حقبة كفاحه من اجل الانعتاق من نير الاحتلال، بل ترحيبا بقوات الاحتلال كقوة امبريالية توسعية، وتحويل الوطن بشعبه وحضارته وآثاره الي معسكر لمحاربة عدو مختلق يدعي الارهاب. وصار مفهوم الوطنية البديل هو ان تساعد وتسهل غزو بلادك وان تتوسل بقوات الاحتلال ان تبقي فيها، وان تقدم الموارد والثروات الطبيعية للمحتل امتنانا وعرفانا بالجميل وان تطعن بقيمة المقاومة وجدواها، وأن تشوه طبيعة اهلك ليصبحوا عبيدا وخدما. فصارت الوطنية هي التبعية السياسية والاقتصادية والرضوخ للمحتل وقيمه. وصار مستخدم الاحتلال الصغير اداة تكريس الرضوخ لقيم المحتل وان كان يعلم جيدا بانها قيم ومعايير مزدوجة. ناكرا علي المواطن العراقي ان يكون وطنيا حتي بمعايير دول الاحتلال. فهل يرضي المحتل الامريكي، مثلا، وهو الذي شرعت ادارته قانون الوطنية بعقوباته القاسية، بتنصيب عميل لحكومة اجنبية رئيسا لدولته او لوزرائه او حتي مديرا عاما في مؤسساته؟ كيف يتعامل المحتل البريطاني والامريكي مع مفاهيم الوطنية والعمالة والخيانة والتجسس التي يريد منا الاستهانة بها الي حد القبول بتعيين عملاء لمخابراته ومخابرات مختلف الدول الاجنبية رؤساء ووزراء وزعماء وقادة لنا؟ كمثال بسيط لنقرأ قصة السيدة البريطانية مليتا نوروود، البالغة من العمر 87 عاما، التي القي القبض عليها في ايلول 1999، بتهمة التجسس لصالح المخابرات السوفييتية الكي جي بي، في الفترة ما بين الثلاثينات وحتي منتصف السبعينات. وقامت الدنيا ولم تقعد في بريطانيا استنكارا لهول الجريمة التي وصفت بانها خيانة للوطن وانها عرضت حياة المواطن البريطاني الي الخطر. واستغرق النقاش والجدال الدائر بين ابناء الشعب واجهزة الاعلام والسياسيين حول مفاهيم الوطنية والعمالة والخيانة شهورا طويلة. فما بين مطالب بالتحقيق معها وتقديمها الي المحاكمة بتهمة التجسس والخيانة وما بين المطالبة باصدار حكم رادع بحقها يجعلها عبرة لمن اعتبر وما بين مناقشة طول مدة الحكم عليها أوابقائها حبيسة دارها. ولم يشفع للسيدة العجوز انها قامت بتسليم المعلومات لا طمعا بالمال بل اقتناعا ودعما، حسب تعبيرها، بالنظام الشيوعي العامل علي تحسين حياة الناس وتوفير الطعام والمأوي والاجور الملائمة والتعليم الجيد والخدمة الصحية الممتازة. (مما يذكرنا بتبرير تقاطع المصالح الذي كرره المتعاملون مع الاحتلال تبريرا للغزو) ولم ينفعها بان آخر مهمة قامت بها كانت منذ 17 عاما وان الاتحاد السوفييتي لم يعد موجودا اساسا. ولم يحسم النقاش غير شيخوختها وكونها امرأة مريضة علي حافة الرحيل. اما اذا انتقلنا الي بلد الاحتلال الاول، اي امريكا، فسنلاحظ ان احتقارها للجواسيس والخونة اكثر قسوة من بريطانيا. فقد ثارت ضجة كبيرة عندما القي القبض علي موظف الـ سي آي ايه المدعو الدريتش ايمز في عام 1994 بتهمة بيع المعلومات الي الكي جي بي منذ عام 1985. وكان ايمز قد استلم مبلغ 5 ملايين دولار لقاء تزويد المخابرات قائمة باسماء عملاء الـ سي آي ايه . وتسبب عمله في اعدام شخصين. ومثل كل العملاء والخونة، علي مر العصور، حاول ايمز تبرير خيانته قائلا: لقد انهار العديد من الحواجز التي كان يجب ان تمنعني من خيانة بلدي. حيث شعرت بالاحباط لان العديد من الرؤساء بدءا من ريتشارد نكسون تجاهلوا معلومات الـ سي آي ايه الاستخبارية لانها لم تتلاءم مع الاجندة السياسية للبيت الابيض. ثم انني صرت مؤمنا بان الـ سي آي ايه جهاز منحط اخلاقيا. يعمل علي تعزيز وتقوية التوسع الامريكي الامبريالي . وان اعترف اخيرا بان السبب الاول هو: المال وطريقة الحياة التي تمنيتها لنفسي وزوجتي . وقد صدر الحكم علي ايمز بالسجن مدي الحياة، وليس الاعدام، لان الولاية التي حوكم فيها لاتقر حكم الاعدام! وتتعدي وصمة الخيانة والعمالة العاملين لصالح اجهزة المخابرات الاجنبية في امريكا الي كل من يزود الشركات الاجنبية المنافسة للامريكية بالمعلومات التقنية والعلمية والتجارية. كما حدث للعالم رونالد هوفمان، مدير المشاريع في شركة ساينس ابليكيشن انك، الذي تلقي مبلغ مليون دولار، لقاء تزويده معلومات عن برامج كومبيوتر متطورة لمبادرة الدفاع الاستراتيجية الي شركات يابانية هي نيسان ومتسوبيشي، من اجل تطوير برامج جوية مدنية. وقد صدر الحكم علي العالم بالسجن عدة سنوات، وكما جاء في قرار الحكم: لأن الاسرار الاقتصادية باتت حاليا جزءا من الثروة الوطنية وتدخل ضمن مفهوم الموقف الوطني الهادف الي حماية الوطن والمواطن . انطلاقا من هذه الامثلة البسيطة، واستنادا الي المعايير التي استند اليها لاصدار الاحكام، واصغاء لاصوات الرئيس الامريكي بوش وكوندوليزا رايس ورامسفيلد وتشيني المتحمسة للوطنية الامريكية ومبادئها، ونظرا الي الآف الجنود الامريكيين المحتلين لبلادنا والذين تدمع عيونهم تأثرا وعاطفة عند رفع العلم الامريكي وذكر الوطنية الامريكية، كيف نقيم وطنية المهيمنين علي سدة الحكم في بلادنا، ومن بينهم عملاء الادارة الامريكية والـ سي آي ايه والمخابرات البريطانية والايرانية والموساد وكل من هب ودب من اجهزة المخابرات في العالم، وباعترافهم هم؟ انها ادلجة للاحتلال وتبرير لافعال الخيانة والعمالة من اجل اجبار المواطنين علي القبول بالاحتلال والعبودية، حيث لا يعود المواطن انسانا حرا ينشد التحرير الوطني بل عبدا لنخب تعتقد بانها حاملة المفاهيم الجديدة. ان التفتيت هو منطق الهيمنة الامبريالية وجوهره الغاء الوطنية العراقية الحقة من اجل ابقاء الاحتلال والتأثير الصهيوني العالمي وحماية وجود اسرائيل. ان مقاومة الاحتلال جزء لا يتجزأ من الاحساس بالوطنية. انه الاحساس بالخصوصية الهوية التاريخ والحضارة وهو، بعكس مايقال لنا، ليس بمعزل عن العالم الخارجي. انه الجسر الممتد لمصالحة الآخر عندما يتم التكافؤ بيننا وبين الآخر. وعندما لايأتي الاخر كقوة امبريالية غازية لنهب البلاد وتحويل المواطنين الي عبيد وخدم. 9