لندن ـ «القدس العربي»: هل يجب علينا الخوف من «السلطان التركي المتبختر، رجب طيب أردوغان؟ يقول نقاده إن فوزه يوم الأحد بـ «نعم» للتعديلات الدستورية يعني إساءة استخدام السلطة ومزيداً من القمع للحريات الفردية وإضعاف مؤسسات الدولة. ولو كان التصويت بـ «لا» فسيقوم الرئيس بتمديد حالة الطوارئ التي أعلن عنها بعد العملية الإنقلابية الفاشلة في صيف عام 2016.
وكما كتب شان دوندار، محرر صحيفة «جمهوريت» المعزول «فشل الانقلاب العسكري إلا أن الانقلاب المدني علق الحريات».
ويرى روجر بويز في تعليق نشرته صحيفة «التايمز» البريطانية أن أردوغان قوي يتصرف ضمن الضوابط الدستورية هو ما تحتاجه تركيا اليوم وبقية الشرق الأوسط. ويعتقد بويز أن «تصويتًا بنعم يضفي على سلطة الرئيس التنفيذية المنتخب سلطة رسمية ستعطيه ربما تأكيدات نفسية تدفعه للتخفيف من القيود في الداخل ويتحول لقوة استقرار في سوريا».
ويعترف الكاتب بأن أردوغان لن يكون أبداً «الديمقراطي» الذي يريده الاتحاد الأوروبي أو الليبراليون الأتراك. ويمكن أن يتحول أردوغان إلى شخصية سياسية على طريقة السياسي السنغافوري لي كوان يو، الحاكم المستبد الذي نقل جزيرة سنغافورة من بلد ينتمي للعالم الثالث إلى بلد ينتمي للعالم الأول وفي جيل واحد.
ويقول بويز إن لي كوان يو خلق نمواً اقتصادياً في وقت كان يواجه فيه أعداء خارجيين مثل الشيوعيين في أندونيسيا. وعليه سيعزز أردوغان تأثيره في سوريا مع تراجع التأثير الروسي.
ويذكر الكاتب هنا بتاريخ أردوغان الذي بدأ حياته السياسية في جهود التحديث وعمدة محبوباً لمدينة اسطنبول وقاد حزبه «العدالة والتنمية» إلى نصر ساحق في انتخابات عام 2002.
وعمل في فترة قصيرة على التقرب من أوروبا من خلال قبوله بجهود توحيد جزيرة قبرص المقسمة منذ سبعينيات القرن الماضي بين الجزءين التركي واليوناني.
ومنح الأقلية الكردية حقوقها وأخضع الجيش للقيادة المدنية ومنح الأتراك المحافظين صوتاً وأدت هذه السياسات لنمو اقتصادي داخلي.
ويعلق بويز أن هذا هو «أردوغان الماضي» (رقم1) حيث كان الشخص الذي بادر بتقديم نموذج ناجح في الحكم عندما اندلع الربيع العربي عام 2011. وبدا حزبه العدالة والتنمية ملهماً للديمقراطيات الناشئة في دول الربيع العربي قبل أن يتحول إلى شتاء.
أردوغان الثاني
ويقول الكاتب إن مشكلتين خلقتا أردوغان الثاني الذي يحب الاتحاد الأوروبي كراهيته. الأولى متعلقة بالدولة العميقة والتي تتكون من شبكة الضباط العسكريين والأمنيين والقضاة والذين شعر أنهم يحيكون المؤامرات ضده.
فقد قاد الجيش انقلابات أطاحت بأربع حكومات في العقود الأربعة الماضية وهدد بمحاولات أخرى وهمس في أذن أصدقائه في دول الناتو أن أردوغان هو إسلامي مسعور و»إذا كان أردوغان وقع في شرك الرهاب فقد كان بسبب العدو الداخلي».
وهذا يفسر عمليات التطهير التي قام بها بعد المحاولة الإنقلابية الفاشلة في تموز/يوليو 2016 حيث امتلأت السجون بالمعتقلين المتعاطفين مع رجل الدين فتح الله غولن والمتهم بتدبير المحاولة الفاشلة من منفاه في بنسلفانيا الأمريكية.
وجمدت الحكومة عشرات الأعمال المشتبه بتواطئها مع غولن وطرد الألوف من أعمالهم وعزل المدرسون المتهمون بموالاة رجل الدين وأغلقت الصحف الموالية له أيضاً.
سوريا
أما العامل الثاني الذي أسهم في ولادة أردوغان الثاني فقد كانت الأزمة السورية والتي بدأت تؤثر على استقرار تركيا. وكانت في جزء منها شخصية وتتعلق بموقف الرئيس أردوغان من الرئيس السوري بشار الأسد.
ويقول الكاتب إن أردوغان شعر بالغضب من رسالة ألكترونية تم اعتراضها وتتحدث فيها أسماء الأسد عن العطلة الصيفية المملة التي قضتها في تركيا ومرافقة زوجة أردوغان المدمنة كما يبدو على التسوق. كما دعا أردوغان إلى تنحي الأسد عن السلطة.
وأدت جرائمه إلى إثارة الغضب في كل أنحاء العالم في وقت بدأت فيه دول الخليج بدعم الفصائل السورية المعارضة وشعرت تركيا بالتهميش نتيجة لذلك.
وبدأت المصاعب تتوالى، فقد تدفق اللاجئون عبر الحدود وأنشأ تنظيم «الدولة» خلايا نائمة له داخل الأراضي التركية. ودفع النزاع في سوريا الجماعات الكردية لإحياء نشاطاتها خاصة بعد انهيار قرار وقف إطلاق النار. ومن هنا فأردوغان الثاني مستبد يقف على الحافة ولا يثق بأحد. ولهذا فقد يؤدي استفتاء يوم الأحد لولادة أردوغان رقم 3.
ويعلق الكاتب قائلاً إن أصدقاءه الأكراد يصرخون في وجهه عندما يدعو للتصويت بنعم.
ويعلق أن ظهور زعيم تركي قوي لا ينظر خلفه وفي موقع يجعله يتعامل مع السنوات الأخيرة لنظام الاسد هو ما تحتاجه تركيا والمنطقة. فمع تراجع قبضة فلاديمير بوتين على دمشق ستزداد قوة تركيا الإقليمية.
ولأن تركيا هي عضو في الناتو ملتزمة بنتيجة تخدم مصالح التحالف فإن زعيماً تركياً قوياً سيكون قادراً على الإعتراف بأن نقاده ليسوا إرهابيين لأنهم يقدمون بديلاً مختلفاً.
فلو فعل هذا وأوفى بوعوده بمنع تدفق اللاجئين إلى الدول الأوروبية فسيتوقف الغرب عن التعامل معه كنسخة مستنسخة من بوتين.
وفي حالة أراد الغرب إعادة تأهيل أردوغان فيجب أن يحل مشكلة الميليشيات الكردية التي تستخدم كقوات راجلة للغرب (وروسيا) في سوريا. فهذه القوات لو كانت في الجبهة الأمامية لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية فستنتهي لاحتلال مدينة عربية سنية أو تسليمها لنظام الأسد. ونتيجة كهذه ليست مريحة لتركيا.
ويختم الكاتب بالقول «علينا التخلي بلطف عن الأكراد، فلن يسمح لهم بترسيم دولة كردستان المستقلة وعاجلاً أم آجلاً ـ فسنقوم ـ نحن الأوروبيين والأمريكيين والروس ودول الخليج وخاصة الأتراك – بإعادة إعمار سوريا ودفن الكثير من الجثث.
الرهانات عالية
ويعتقد ديفيد غاردنر في صحيفة «فايننشال تايمز» أن رهانات الاستفتاء التركي عالية، فأردوغان هو أقوى زعيم يمر على البلاد منذ مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك ويحكم بأوامر رئاسية في ظل قانون الطوارئ المعلن عنه منذ الصيف الماضي.
ويهدف استفتاء يوم الأحد لجعل ما هو فعلي شرعيا ويمنح الرئيس الحصانة أمام المحاكم وعدم محاسبته أمام البرلمان.
ويقول الموالون له إن تركيا في حاجة لرئيس قوي كي يخرجها من مشاكلها العديدة مثل الاقتصاد المتعثر والتصدي للهجمات الإرهابية المتعددة وقيادتها إلى الطريق الصحيح.
ولو فاز، وقد فاز في كل الانتخابات منذ عام 2002 فلن ينهي فوزه التشاركية في تركيا. لأن الأتراك متنوعون ولا يمكن لرمز مثل أردوغان وحزبه من الإسلاميين الجدد «العدالة والتنمية» الهيمنة عليهم. إلا أن فوزه يعني صعوبة التخلص منه خاصة في ظل التهلهل الذي تعاني منه المعارضة المنقسمة والملاحقة.
ويشير غاردنر هنا إلى أن الحزب أصيب بالذعر قبل ثلاثة أسابيع عندما أظهرت استطلاعات أن نصف الأتراك لا يدعمون الاستفتاء. إلا أن استطلاعات الحزب الداخلية كشفت عن تغير الوضع هذا عندما بدأ أردوغان جولاته وخطاباته النارية «فمن الصعب التفكير بسياسي آخر يملك هذه الدفعة الخارقة التي تجمع الحشود المعجبة به».
ولم يصل أردوغان بعد إلى ما يريد فعليه الحصول على اصوات من الأكراد والقوميين الذين يعارضونه.
ويقول إن الحكومة ليست مبرأة من اللعبة «القذرة» فهي تلعب على فكرة «الرافضين» و»الإرهابيين» من أتباع فتح الله غولن وكذا الموالين لحزب العمال الكردستاني (بي كي كي) الذي استأنف الحرب ضد الدولة التركية التي يشنها منذ أكثر من ثلاثين عامًا.
ونقل عن مصطفى سينتوب، مسؤول حملة الرئيس «لا نقول إن من يصوت بلا هو إرهابي» ولكننا «نقول إن الجماعات الإرهابية تقول لا، كلها».
وفي حالة فاز أردوغان في الإستفتاء فهو مرشح للبقاء في السلطة حتى عام 2029. وسيسيطر على السلطات القضائية ويعفي رئيس الوزراء ويعين الوزراء. ويمكن أن يتولى رئاسة الحزب والبرلمان الذي سيخسر الحق في الرقابة عليه.
ونقل عن ليبرالي مشهور قوله «إن لم ير الأتراك ما نراه قادماً فهم يستحقون هذا».
ويرى الكاتب أن استحقاقات الإستفتاء عالية جداً فقد تم إخضاع كل السياسات الخارجية كي تتواءم مع طموحات أردوغان. ففي الشهر الماضي حرق كل الجسور المتبقية لتركيا مع أوروبا عندما وصف قادة ألمانيا وهولندا بالنازيين لمنعهم وزراء حكومته من حضور تجمعات للاتراك في الدول الأوروبية دعماً للإستفتاء. واقترح الرئيس فكرة تخلي تركيا عن طموحاتها الطويلة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
ويشير الكاتب إلى أن ألمانيا وفرنسا وإن لعبتا دوراً في وضع العراقيل أمام انضمام تركيا للقلعة المسيحية الأوروبية إلا أن هذا لا يعفي أردوغان من استخدامه الملف لخدمة مصالحه. ويضيف الكاتب أن تركيا في مرحلة ما بعد الانقلاب الفاشل وعمليات التطهير للأكاديميين والصحافيين والجنود فقدت الحق بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
ويقول إن الحكومة تملك المبرر للتطهير وهو اختراق جماعة فتح الله غولن لمؤسسات الدولة. مع أن هذا الاختراق ليس على المستوى الذي تزعمه. بل وصار عصا تستخدمه الدولة لإسكات النقاد مثل الرئيس السابق عبدالله غول ورئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو الذي أعفي من منصبه العام الماضي.
معركة حامية
ونظرًا لتقارب أصوات المعسكرين نعم ولا فالمشاعر حارة في الأيام الأخيرة التي تسبق العاصفة والتي ستغير مسار تركيا منذ ولادتها بعد الحرب العالمية الأولى وعلى أنقاض ما تبقى من الدولة العثمانية.
وفي تقرير لموقع «بازفيد» حول الإجراءات محل التصويت قابل مراسله بورزو دارغاهي سيرا كادجيلي التي عبرت عن مواقف معارضة في تصريحات لمحطة «سي أن أن» التركية.
وجاء فيها «لا أقدم رأياً شخصياً حول أردوغان» و»لكن إن تم تمرير التغييرات فأي شخص سيتم انتخابه بناء على هذه التغييرات قد يعين ابنه نائباً للرئيس ويمكن لهذا استخدام كل السلطات الممنوحة له ضمن التغييرات ولو وجد غير هذا في المسودة أخبرني وسأعتذر» وتم التحقيق مع كادجيلي النجمة الصاعدة في حزب الشعب الجمهوري.
ووجهت لها تهم في الإستهانة بالدين لأن أحداً وجد تعليقاً لها على وسائل التواصل الإجتماعي تشتكي فيه من صوت الأذان. وتعتقد أن مشاكلها هذه مرتبطة بتصريحاتها المعارضة للاستفتاء. وقالت معبرة عن موقفها في تصريحات للموقع «لا أريد ملكاً أو العيش في ظل ملك».
وأضافت «هناك أناس يظهرون على التلفاز ولا يقولون شيئاً لأنهم خائفون» و»ذهبت هناك وقلت الحقيقة، وهي أنهم يحاولون تغيير النظام الديمقراطي في تركيا، وهذا هو الواقع. ويريدون انتخاب شخص سيقوم بتقرير كل شيء».
خدمة الديمقراطية
وعلى خلاف ما تقوله المعارضة هذه يرى المدافعون عن التغييرات أنها تطور يخدم الديمقراطية من خلال منح سلطات لمسؤولين منتخبين فوق المؤسسات والبيروقراطية. ويشير داعمو الإستفتاء إلى أن الفكرة ليست من اختراع حزب العدالة والتنمية ولا أردوغان بل وناقشتها كل الحكومات التركية المتعاقبة. ولن يتم العمل بالمادة التي تسمح للرئيس بقيادة حزبه إلا في عام 2019.
ويقول داعمو الاستفتاء إن «نعم» يعني نهاية لما يسمونه «بيروقراطية القضاء» حيث كان القضاة يعارضون ويلغون قرارات المسؤولين المنتخبين.
ويقول غونشتا بيرقتار ديرغان، المحاضر في العلوم السياسية في جامعة أنقرة «يجب إنهاء سلطة البيروقراطية غير المنتخبة»، مشيرًا أن «البيروقراطية غير المتنخبة يجب أن تخدم السلطة المنتخبة». ومن أجل ضبط السلطة التنفيذية اقترح تعديل يرفع الحصانة عن الرئيس الذي لا يحاكم الآن إلا بتهمة الخيانة.
ويقول المدافعون عن التغيير في النظام الرئاسي إن التغييرات تم رسمها كي تتناسب مع تاريخ تركيا الإستثنائي وما شهدته في العقود الماضية من انقلابات بدعم من الدولة العميقة. وبناء على التغييرات المقترحة ففي أية أزمة تواجه البلاد يلجأ الأتراك لصناديق الإقتراع بدلا من الجيش.
وحسب محمد أوجوم، الذي يعمل مستشارا لأردوغان «اليوم عندما تحصل أزمة يتدخل الجيش أو القضاء» و»بناء على المقترح ففي حالة اندلعت أزمة فسيتم البحث عن مصالحة وإن لم تنجح هذه يحدث تجديد عبر الانتخابات».
وفي المقابل يرى النقاد أن تغيير النظام الرئاسي سيعزز من سلطة الرئيس ويضعف السلطات غير المنتخبة التي تعمل عادة كموازن ورقيب لحماية الحريات والأقليات.
ويرى إليكي طويغور، المتخصص بتركيا في معهد إلكانو الملكي في مدريد «في مجتمع مستقطب مثل تركيا، فلو قمت بمنح السلطة لطرف حتى لو كان منتخباً فإنك تلغي الآلية التي تحمي بقية المجتمع».
شكاوى
ويشير الكاتب هنا إلى غياب المناخ المحفز على النقاش حول التغييرات حيث اشتكى دعاة «لا» من عدم السماح لهم بالحملات الإنتخابية بالمساحة نفسها التي منحت لدعاة نعم.
وقالوا إن عمدة أنقرة ورئيس الوزراء بنعلي يلدريم وصفوا دعاة «لا» بالإرهابيين.
وأشار الكاتب لانتقادات وردت في تقرير لمنظمة الأمن والتعاون الأوربي حيث أشار إلى حملة استقطاب وقيود أضرت بحملة المعارضين للاستفتاء. وأشار تحديداً إلى سجن زعيم حزب الشعوب الكردية.
ويقول طويغور إن «التغييرات الدستورية تحتاج للمشاورة بما في ذلك أفكار المعارضة». مشيراً إلى أن الاستفتاء يجري في ظروف تعيش فيها تركيا حالة طوارئ.
وينفي معسكر «نعم» مظاهر القلق. وينقل الكاتب عن أوجوم، مستشار أردوغان قوله إن فرنسا تعيش في ظل قوانين الطوارئ منذ عامين واستمرت في عقد الانتخابات.
وينفي معسكر «نعم» المزاعم بأن البلد يعيش حالة استقطاب. وقال أوجوم «لا أحد اعتقل بسبب دعمه معسكر لا».
وقال إن تركيا تعيش انتخابات ديمقراطية «ومن أجل تغيير شيء ولا تنتظر الوقت الطبيعي، فالتغيرات تحدث عندما تنضج». ويقول معسكر «نعم» إن الإعلام أساء تقديم التعديلات الدستورية.
واشتكى آخرون من أن بعض اللاعبين الدوليين مثل ألمانيا تدعم حملة «لا». وأشاروا إلى صحيفة شعبية ألمانية «لو كان اتاتورك حياً اليوم لصوت بلا».
وفي الوقت الذي سيصوت فيه الأكراد واليساريون والليبراليون بلا إلا أن الإسلاميين والمحافظين سيدعمون التعديلات أما القوميون فهم منقسمون.
إبراهيم درويش