مزامير نجيب محفوظ لمناسبة عودة اولاد حارتنا الي عين العاصفة!

حجم الخط
0

مزامير نجيب محفوظ لمناسبة عودة اولاد حارتنا الي عين العاصفة!

فرانسوا باسيليمزامير نجيب محفوظ لمناسبة عودة اولاد حارتنا الي عين العاصفة!محاولة اغتيال: عندما قام شاب موتور في مساء الجمعة 14 تشرين الاول (اكتوبر) 1994 بطعن نجيب محفوظ في رقبته بالسكين محاولا اغتياله، كتب المعلقون وقتها ان هذا الشاب لم يكن يعرف ماذا يفعل! وعندما سمعوه يتحدث في مقابلة تليفزيونية بعد الحادث، تاكدوا من ذلك اذ انه لم يقرا حرفاً واحداً للروائي العربي والعالمي الكبير، ومع ذلك قام بمحاولة قتله بناء علي ما كان يسمعه من تحريض ضد الكاتب من بعض المتطرفين المتشنّجين الذين سمح لهم مجتمع فقد بوصلته الحضارية بان يسطوا علي منابر الجوامع ليبثوا من عليها خطب الكراهية والعدوانية التي هي بضاعتهم الاساسية. وكان البعض من هؤلاء المقيمين في عصور بائدة وفي كهوف الماضي، من خطباء الجوامع بل ايضاً من اساتذة الجامعات الذين نشروا كتبا ودراسات عن نجيب محفوظ، قد دابوا لعدة سنوات يخطبون ويكتبون مهاجمين الاديب العربي الوحيد الذي حصل علي جائزة نوبل في الادب، متهمينه بانه ليس مسلماً صحيح الاسلام، وبانه يكتب ضد الاسلام و.. وقاموا بالقاء التهمة الجاهزة لديهم التي يطلقونها بخفة وكراهية علي الكثيرين وهي نفس التهمة التي اطلقها اسامه بن لادن علي اليهود والنصاري.. انهم كفّار! فقالوا ان نجيب محفوظ كافر..!وكان من هؤلاء المحرضين علي نجيب محفوظ الشيخ كشك، الذي اشتهر وذاع صيته في ذلك الوقت في مجتمع استسلم لدغدغة اصابع التطرف والكراهية، وهو في سبات الكسل الفكري والاسترخاء الحضاري.. يتمرغ في نوم ثقيل لفرط تعبه الجسدي والروحي، ولا يسمع سوي الصراخ الذي يصرخه الارهابيون والمتطرفون من الجماعات الاسلامية فيجد فيه لذة الاثارة الوحيدة المتاحة له، بعد ان فقد ـ كمجتمع ـ لذة خلق الحضارة وابتكار المعارف الجديدة، ولذة الحياة نفسها.. فاختار لغة الحقد والعدوان والموت والقتل. وكان الشيخ محمد الغزالي نفسه، صاحب الكتب الكثيرة في الاسلام ومبادئه، قد قدم تفسيراً مجحفاً باطلا لرواية اولاد حارتنا بانها تدل علي الكفر والالحاد.. بينما اصدر الشيخ عمر عبدالرحمن المحرض علي اعمال التدمير لمبني التجارة العالمي عام 93 والمعتقل في نيويورك حالياً، فتوي بتكفير نجيب محفوظ واباحة دمه!!ولكن الذين قالوا ان هؤلاء الارهابيين بمحاولتهم قتل نجيب محفوظ لم يكونوا يعرفون ماذا يفعلون قد جانبهم الصواب.. فرغم ان الشاب الموتور الذي طعن بالسكين لم يقرا لنجيب محفوظ ولم يعرفه، فان الذين حرضوا ضد نجيب محفوظ كانوا يعلمون تماما ماذا يفعلون.. فرغم ان اتهاماتهم بالكفر وبعدم التدين هي اتهامات مشينة وباطلة.. لان كل من عرف نجيب محفوظ عرفوا فيه الرجل المحبّ الجميل بالغ الحساسية والحكمة والفضيلة.. رغم ذلك فقد كان هؤلاء المتطرفون يدركون جيداً ان نجيب محفوظ في كل كتاباته واعماله الروائية الباهرة المضيئة يمثل النقيض تماما لكل ما يمثلونه هم من فكر عدواني دموي كاره للآخر وللحياة.. لقد قراوا بلا شك بعض ما كتب نجيب محفوظ.. ويكفي ان نقرا كلمات قليلة من اي عمل من اعمال هذا المبدع الفذ لتدرك توّاً مبلغ سموّ الطاقة الانسانية والروحية الشاهقة التي يمتلكها، والتي تقطر كل كلمة يكتبها بشهد هو شهد الحياة نفسها.. ليس الحياة بابعادها اليومية الوجودية الجسدية الغرائزية فقط، بل ايضاً، وفي نفس الوقت، الحياة بابعادها الروحية العالية، ذات الاشتياق الصوفي العظيم للكمال الاعلي، وللحقيقة الخالدة. لقد كان ارهابيو الفكر والفعل يعرفون تماماً ماذا يفعلون عندما ارتعبوا مما يكتبه هذا الانسان المرهف من كتابات تجمّعت فيها عصارة الالم والامل والخوف والحب واليقين والبحث والضمير والخطا الانساني كله.. كما تتجمع في كل انسان حيّ جدير بهذه الصفة، لكنه سبق الآخرين في انه استطاع ان يسبر غور هذه المشاعر المتلاطمة كلها ويعبّر عنها علي لسان شخصياته في رواياته وقصصه، فاذا هو يهدي الينا، ويهدي الانسانية جمعاء، اجمل هدية، هي هدية الكشف واضاءة جوانب الذات المظلمة، هدية معرفة النفس، ومعرفة الآخر، ومعرفة الوجود، والسعي الدائم لمعرفة خالق هذا الوجود. وقد فعل ذلك ليس باسلوب الوعظ المباشر المعنّف الذي لا يلمس قلب الانسان وبالتالي لا يؤثر ولا يجدي كمعظم الخطب المباشرة المعنفة المقرعة بلا جدوي.. وانما فعله باسلوب الطبيب الجراح الذي يبحث عن اصل الداء، ويضع يده علي الجزء المريض المتعب من الجسد.. لكي يمكننا بعد هذا ان نقدم العلاج، او الراحة المسكنة. كما فعله باسلوب المحبّ لكل الناس، فعندما نقرا شخصيات رواياته، حتي الشخصيات الاجرامية مثل سعيد مهران في رواية اللص والكلاب لا تملك الا ان تشعر بالعطف والحزن والمشاركة الانسانية لشقاء هذه الشخصيات الاجرامية، وتلمس فيما يكتبه نجيب محفوظ ان طاقته علي محبة الجميع تشمل حتي المجرمين الذين يصورهم ببراعة وانسانية بالغة في رواياته.. نعم ان الارهابيين قد راوا في فكر نجيب محفوظ تهديداً لهم.. لان جمال وبهاء الانسانية التي في ابداعاته تفضح قبح ودمامة مشاعر الكراهية والعدوانية التي يمثلونها هم بفكر عدواني كاره للحياة.جائزة نوبللقد عرف العالم كله قدر هذا المبدع العظيم فمنحه العالم جائزة نوبل في الادب عام 1988م. وذلك عن اربع روايات بشكل خاص، ثلاثيته الشهيرة التي تضم بين القصرين و قصر الشوق و السكرية ، وكلها اسماء حارات في حي الجمالية الذي وُلد فيه محفوظ، ثم رواية اولاد حارتنا التي قام ارهابيو الفكر والفعل بتكفيره بسببها! واذكر انني قرات اولاد حارتنا عندما كنت طالباً، وكانت جريدة الاهرام تنشرها مسلسلة في اهرام الجمعة . كما قرات بالاهرام ايضا الطريق و اللص والكلاب و السمان والخريف و ميرامار .. وكان كل جزء ينشر كل جمعة هو زادنا الحضاري والروحي للاسبوع كله، انا ومجموعة صغيرة من الاصدقاء كنا نتابع معا هذه الكتابات الباهرة التي يتحفنا بها محفوظ كل اسبوع، ونظل نتناقش ونحتدّ حولها حتي الجمعة التالية. بالطبع لا تستطيع روايات عادية او حتي جيدة ان تفعل هذا الفعل في عقول ونفوس عدة اجيال من شباب مصر والعالم العربي. فقد كان هناك كُتاب آخرون كبار وقتها مثل احسان عبدالقدوس ويوسف السباعي وعبدالحليم عبدالله وغيرهم، يكتبون الرواية ايضا، ولكن لم يقترب اي منهم من مكانة محفوظ، ولم يحصل اي منهم علي نوبل. فما الذي في كتابات محفوظ لكي يكون لها فعل السحر هذا؟ في اعتقادي ان السر في كتاباته لا يكمن في صفة واحدة منها، ولا يرجع الي سبب واحد، ولكن ان كان لنا ان نوجزها كلها في صفة اساسية شاملة واحدة، فهي ان كتاباته كانت مملوءة حتي الثمالة بعصارة الحياة نفسها وكلها.. عصارة هي مزيج من الشهد والمرّ، والخمر والعلقم، والفاكهة وماء الورد وامطار الجبال وانهار السفوح، وينابيع الشباب السحرية التي تحدثنا عنها الاساطير دون ان نجدها في مكان.. كل هذا في اسلوب يجمع بين الفلسفة والشعر.. ففي حواراته ووصفه حكمة عالية هي حكمة الفلاسفة.. وشاعرية مرهفة نافذة مثل وحي ابلغ الشعراء..ولكن من اين لمحفوظ كل هذه الفلسفة وكل هذا الفكر والشعر؟!سلامة موسياما الفلسفة فقد درسها في كلية الاداب قسم الفلسفة، والتي تخرج منها عام 1934م. ولكن الملفت ان نبوغه كان قد ظهر عدة سنوات قبل هذا، اذ بدا ينشر المقالات النقدية عام 1928م اي وهو طالب في سن السابعة عشرة، (ولد في 11 كانون الاول ـ ديسمبر 1911م).ويقول الناقد الكبير رجاء النقاش في كتابه في حب نجيب محفوظ : (الحقيقة ان نجيب محفوظ هو خلاصة الامتزاج والتفاعل في شخصيته بين استاذين كبيرين هما الشيخ مصطفي عبدالرازق استاذ الفلسفة الاسلامية بكلية الآداب، وسلامة موسي، الصحافي والمفكر الكبير.. وكان سلامة موسي ثائراً مجدداً، ومؤمنا متطرفاً بالحضارة الغربية الحديثة.. وكان في نفس الوقت من المتحمسين للحضارة الفرعونية والداعين الي احيائها، وقد تاثر به نجيب محفوظ تاثراً واضحاً، فتحمس للحضارة الفرعونية وترجم عنها ـ وهو طالب في الجامعة كتاب مصر القديمة ، وهو اول كتاب يكتبه محفوظ، وقد نشره له سلامة موسي، وتحت تاثير سلامة موسي ايضاً اصدر نجيب محفوظ رواياته الثلاث الاولي، وكلها عن مصر الفرعونية، وهي روايات عبث الاقدار و رادوبيس و كفاح طيبة .اما الشيخ مصطفي عبدالرازق، وشقيقه علي عبد الرازق، فقد كانا منارتين للفكر الاسلامي المتفتح المستنير في مطلع القرن العشرين، وهو الفكر الذي تراجع في مصر منذ السبعينات امام زحف الفكر المتطرف للجماعات الاسلامية، وبذلك تعلم نجيب محفوظ من استاذيه مصطفي عبدالرازق وسلامة موسي التدين في اعتدال، والايمان مع الانفتاح علي عقائد الآخرين بدون تعصب، وتعلم اسس الفكر العلمي الموضوعي، والثقافة الاجتماعية العلمانية، وهكذا نجد في كل كتاباته بعد ذلك فكراً متحرراً موضوعياً سابقاً لمجتمعه.ابداعاته الفلسفيةمن الضروري اولا التنبيه ان المقاطع التي ساوردها هنا ماخوذة معظمها من روايات وقصص نجيب محفوظ عن لسان شخصياته الروائية، وبالتالي لا نستطيع ان نقول ان هذه هي بالضرورة افكاره هو، فعندما يضع المؤلف كلمات عن لسان مجرم شرير، مثلا، فستكون افكاره واقواله شريرة، ولا نستطيع ان نقول ان هذه هي افكار المؤلف ايضا ووجهة نظره، ومع هذا فيمكننا من طريقة صياغة المؤلف للكلمات والافكار ان نعرف شيئاً عن فكر المؤلف حتي ولو جاء متخفياً علي لسان شخصياته الروائية.ولنبدا بعرض فكرة قالها نجيب محفوظ مباشرة في مقابلة مع محمد بركات، وهي بهذا فكره الشخصي.. ويتضح منها المنحي الفلسفي لهذا الكاتب الكبير: اعتقد ان كل انسان يبحث عن السعادة وعن الحقيقة.. ورغبة بعض الناس الشديدة في السعادة ربما سقطت بهم الي تحقيقها علي حساب الحقيقة.. كما ان رغبة البعض الآخر في نشدان الحقيقة والبحث عنها ربما كانت علي حساب ما يحققونه من سعادة.. ويبلغ الانسان مرتبة الكمال عندما يتضح له في لحظة ان الحقيقة كل الحقيقة هي السعادة كل السعادة . ويقول في قصة الحب والقناع : (الانسان يفوق الحيوان في شهوة القتل فيقتل نفسه ايضاً).ونقرا له في روايته الحرافيش (افرح عند كل شروق شمس، ولا تحزن عند غروبها.. و.. يا لتعاسة القلوب الغافلة)..!وفي حضرة المحترم ، نقرا هذه الكلمات الرائعة التي هي مزيج من الفلسفة والشعر والصلوات: علي الارض تطرح اسرار الهية لا حصر لها لمن له عين وبصيرة..ان الله لم يخلقنا للراحة ولا للطريق القصيرة..بالحزن يتقدس الانسان ويعد نفسه للفرح الالهي..لم يعد يبالي بما كان ولا بما هو كائن ولا بما سوف يكون .ونلاحظ في هذه المقاطع تعبيرات متاثرة بالعهد القديم.. كما نلاحظ في الكثير من كتابات وشخصيات محفوظ تاثيرات اسلامية واضحة، وهكذا فالرجل مسلم في اعتدال وانفتاح.. ولذلك اتهمه الارهابيون بانه ليس مسلماً صحيح الاسلام! اي ليس مسلماً علي طريقتهم العدوانية. ولكني لا اريد ان اعطي انطباعاً ان نجيب محفوظ رجل شديد التدين بالمعني الفقهي للكلمة.. فكتاباته تنضح بقدر عظيم من عنفوان الحياة وشهواتها وتقلباتها.. فهو من ناحية له جانب صوفي روحي ينشد الحقيقة ويبحث عن المطلق، ومن ناحية اخري لا يمنعه هذا من اجتراع عصارة الحياة حتي الثمالة. دون ان يعني هذا انغماسه في اي نوع من الابتذال في حياته الشخصية بل بالعكس فحياته الشخصية كتاب مفتوح للجميع فهو زوج واب محبّ محافظ ليس له نزوات ولا عادات اجتماعية سيئة، وتتجلي محبته للناس وللحياة في حفاوته بالناس وحبّه للضحك الصافي وللسخرية والنكتة والقافية علي طريقة المصريين جميعا.. فهو مصري في كل قطرة من دمائه وبكل مشاربه.. لكنه يمثل اجمل ما في الاخلاق والطبائع المصرية.. وله في وصف المصريين كلمات جميلة قالها في مقابلة مع الفريد فرج..قال في المصريين: المصريون لطاف واهل مودة، يحبون الحياة ويعشقون مسراتها، وبخاصة المسرّات الحسية، وفيهم من طبيعة النمل، ذلك هو داب الواحد منهم.. وحتي لو لم تكن همته عالية، الا انها همة متصلة باستمرار.. تثمر في النهاية عملا ضخماً، ومن صفات المصريين العجيبة انهم تمرسوا بالاستبداد.. وهم من اقوي الناس علي كراهيته وعلي الصبر عليه. انهم يحتملونه كما يحتمل الشخص مرضاً مزمناً لا يحبه ولكنه يصبر عليه. يخيّل لي انهم من اكثر شعوب العالم احساساً بالحاكم. وسبب ذلك ان الحاكم كان له دائماً وفي كل العصور اثر في كل تفاصيل حياتهم اليومية.. وهم من الشعوب المتدينة جداً.. ويغلب عليهم التعلق بالطقوس والمراسم والعادات الدينية.. وان اي نقائص في الشخصية المصرية ـ كالقدريّة وندرة الروح العلمية والسلبية في كثير من الاحيان ـ انما ترجع الي ما ورثته من عهود الظلام التي شملتها آلاف السنين .ولنجيب محفوظ كلمات اخري بها نقد عظيم للشخصية المصرية وللمصريين ـ علي قدر حبه العظيم الواضح لهم ـ نقراها علي لسان شخصياته الروائية. ومنها: كان كالثور المصري عظيم الخوار عديم الاذي .وتمنحه الروايات فرصة استخدام كلمات قد لا تكون لائقة لا يقولها هو ولكن تقولها شخصياته الروائية بشكل معبر قوي.. فنقرا في السكرية : الحق ان الاستبداد هو مرضهم (المصريين) المتوطن.. كل ابن كلب غرّته قوته يزعم لنا انه الوصي المختار وان الشعب قاصر.. نحن شعب قليل الادب!.. لا اعرف شعباً كالشعب المصري ولعاً بالخوض في اعراض الامهات.!.. ان الزمن ادّبنا اكثر مما ينبغي، والشيء اذا زاد عن حدّه انقلب الي ضده، ولذلك فنحن غير مؤدبين! ولكن تغلب علينا الطيبة رغم ذلك ..اما في ميرامار فيصرخ عامر وجدي في غضب: ايها الانذال، ايها اللوطيون، الا كرامة لانسان عندكم ان لم يكن لاعب كرة؟ .. ويقول عامر وجدي ايضا في نفس الرواية: لقد سلبت (الثورة) البعض اموالهم وسلبت الجميع حرياتهم . اما حسني علام، شخصية اخري من شخصيات (ميرامار) فيخاطب المصريين قائلا: اني اتبرأ منكم!.. اتبرا منكم يا فتات العصور البالية ! وفي المرايا نقرا علي لسان شخصية تدعي عبد الرحمن شعبان هذه السخرية اللاذعة: هكذا انتم ايها المصريون، لن تزالوا غارقين في اوهام الكلمات حتي تموتوا.. لو لم اكن مصرياً لتمنيت ان اكون مصرياً! ولِمَ لا تتمني ان تكون حماراً فيكون لك نفع علي الاقل؟!.. وفي موضع آخر من المرايا ايضا يقول عبدالرحمن شعبان: اتعرف ما هي اكبر نعمة اغدقت علينا؟ هي الاستعمار الاوروبي، وسوف تحتفل الاجيال القادمة بذكراه كما تحتفلون بمولد النبي .ولكننا نعرف من كل هذا النقد القاسي، ان الذين يحملون للوطن حباً حقيقياً هم الذين ينتقدونه اشد النقد، بينما لا يقدم المنافقون سوي الطبل والزمر في الزفة.مزامير نجيب محفوظ:في مقطع جميل من كتاب في حب نجيب محفوظ يصف رجاء النقاش النفحات الشعرية الخلابة في كلمات محفوظ هكذا: نحس ان الكلمات مليئة بندي الشعر الجميل، كما نتذكر ونحن نقرا هذه المقاطع مزامير داود التي جاءت بالعهد القديم والتي تعتبر ـ بعيداً عن قيمتها الدينية ـ مجموعة من اجمل الاغاني التي عرفتها الانسانية في تعبيرها عن همومها وجروحها وآلامها ومناجاتها الصوفية للكون والحياة.. ويمكننا ان نسمي هذه المقاطع مزامير نجيب محفوظ ولعل نجيب محفوظ قد تاثر بهذه المزامير وليس عندي من دليل الا تشابه الروح التي تتامل وتغني وتفكر وتصوغ خواطرها صياغة شعرية جميلة .وليس اجمل من هذه المزامير اختم بها هذا المقال، اخترتها من عدد من اعمال نجيب محفوظ:ـ في ظل العدالة الحنون تطوي آلام كثيرة في زوايا النسيان.. ولكن هل يتواري الضياء والسماء صافية؟ـ عاد الي دنيا النجوم والاناشيد والليل والسور العتيق. قبض علي اهداف الرؤية، وانتفض ناهضاً ثملاً بالالهام والقدرة، فقال له قلبه لا تجزع فقد ينفتح الباب ذات يوم تحية لمن يخوضون الحياة ببراءة الاطفال وطموح الملائكة.ـ انه فقير ولكنه غني بحمل هموم البشر.ـ ما اكثر العفة المتولدة عن العجز.ـ اننا نابي التسليم بالمثل العليا من طول انغماسنا في الماء الآسن.ـ ماساة الآدمية انها تبدا من الطين، وان عليها بعد ذلك ان تحتل مكانتها بين النجوم.ـ الدنيا بلا اخلاق ككون بلا جاذبية.ـ لماذا لا يسود النقاء؟ ما الذي حال دون ذلك طوال القرون؟وهل يوجد في مكان ما من الارض انسان يعيش بلا خوف ولا رذائل؟ـ تساءل الا يمكن ان يؤكد انتسابه الي الانسان ويتناسي انتسابه الجبري الي هذا الوطن؟ـ ثمة آلام اعنف من ترف الضمير!ـ الانسان اما ان يكون الانسانية جمعاء واما ان يكون لا شيء.وقد استطاع هذا الانسان الجميل نجيب محفوظ ان يكون اقرب ما يكون الي الانسانية جمعاء.كاتب من مصر يقيم في امريكا[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية