لماذا ضرب الأمريكيون في سوريا؟ ماذا كان الدافع وماذا كان الهدف؟ مر نحو اسبوع منذ اطلقت صواريخ توماهوك ولا يوجد جواب واضح. ثمة من يقولون لوسائل الإعلام، وليس دوما بصياغات ناجحة: نظام الاسد اجتاز خطا اخلاقيا لا يمكن السماح باجتيازه. ثمة من يروون للدبلوماسيين السعوديين: أمريكا تقصد بجدية حين تعد بمنع السيطرة الإيرانية برعاية روسية. وثمة من يعدون الناخبين: هذه لمرة واحدة ـ لن نتدخل (حسب الاستطلاعات، يرد الناخبون الأمريكيون على الهجوم لتأييد هزيل ومتحفظ، وفقا للمفتاح الحزبي). وثمة من يأملون في إسرائيل بأن تكون: أمريكا عادت.
لقد كان هذا بالطبع هجوم هو من أكثر الهجومات تبريرا. فقد حدد دونالد ترامب خطا في الرمال المتحركة للشرق الاوسط. مؤيدوه ـ على الاقل من يريدون منهم أمريكا قوية، وليس فقط أمريكا مهزلة ـ يمكنهم ان يكونوا راضين. فقد رد الرئيس بطريقة موزونة، مدروسة، غير متبطلة وغير معتذرة. وفي الطريق داس ايضا على اصابع قدم صديقه الافضل فلاديمير بوتين. وكما كان متوقعا، كانت هذه صداقة قصيرة. فترامب يفضل الاصدقاء الذين يخضعون لارادته. من يزعجون، مثل بوتين، وربما ايضا مستشاره المقرب ستيفان بأنون، سرعان ما يتلقون كتفا باردة.
كل رئيس أمريكي، قبل ترامب وبعده، يختبىء في المسألة الاساس للتدخل حيال الثمن في علاقات الولايات المتحدة والعالم. كل رئيس وتردداته، كل أزمة ومعاضلها الخاصة. بيل كلينتون، في بداية ولايته، تردد ولم يتدخل في الازمة في رواندا ـ في اعقاب مأساة التدخل في الصومال. ولاحقا انتبه وبعث بطائرات القصف، ولكن ليس بالقوات البرية إلى يوغسلافيا. في حينه ايضا لم يكن الروس راضين، ولكن قوتهم، بعد وقت قصير من انهيار الامبراطورية السوفياتية، لم تكن كافية لديهم كي يعرقلوا بشكل عملي.
جورج بوش كان أكثر جرأة من كلينتون واكثر حزما منه. فظروف ما بعد عمليات ايلول 2001 سمحت له بأن يحقق رؤيا كبيرة، ولكن الهبوط إلى ارض الواقع كان أليما. لقد تدخل بوش كثيرا، وأمريكاه دفعت ثمنا باهظا. وكانت النتيجة براك اوباما: رئيس يتحدث كثيرا، يتدخل قليلا ويمتنع عن دفع الثمن. في نظرة إلى الوراء تبين له، متأخرا، بأن حتى لرفض دفع الثمن يوجد ثمن. فالولايات المتحدة فقدت قوة ردعها وادعاءها بالزعامة العالمية.
في ظل هؤلاء الرؤساء الثلاثة، الذين اتخذوا قرارات تتعلق بتدخل أمريكا في العالم في عصر ما بعد الحرب الباردة، اتخذ ترامب ايضا قراره بالعمل.
كم غرق في التفكير في ظروف وفي دروس التاريخ لا يمكن ان نعرف، ولكن لبعض من مستشاريه ووزرائه الكبار توجد تجربة ومعرفة تأخذ بالحسبان ايضا تجارب كلينتون، بوش واوباما في ادارة النظام العالمي في نهاية القرن العشرين وبداية القرين الواحد والعشرين.
منها جميعها يمكن أن نتعلم بأنه ليس سهلا حفظ النظام العالمي اليوم. منها جميعها يمكن أن نتعلم بأنه في غياب القيادة الأمريكية، يكون الحال صعبا على العالم. منها جميعها يمكن أن نتعلم بأن أمريكا المتدخلة هي أمريكا التي تدفع الثمن، وان أمريكا غير المتدخلة هي أمريكا التي تفقد المكانة. فهل لها مصلحة في مكانة الزعامة؟ هل لها حاجة للعمل أيضا حين لا تكون المصلحة الفورية مفهومة غريزيا؟
ان عمل ترامب قبل نحو اسبوع يثبت أن نعم. فالأمريكيون، او على الاقل من يوجد منهم الان لدى الدفة، لم يفقدوا الطموح لقيادة العالم ولحفظ نظامه ايضا.
وصواريخ التوماهوك هي الصيغة الأمريكية لضربة المسطرة من معلم حريص على اصابع تلميذ عاق. هذه ضربة لا تحسن علاماته، ضربة لا تجعله أكثر اجتهادا، او أقل رفضا. ولكنها تحدد حدود صبر المعلم. حتى هنا وليس أكثر هو مستعد لان يحتمل. اما من هنا فصاعدا، فتتحدث المسطرة.
من طلب منكم ان تكونوا معلمين ـ يسأل السوريون، الروس والإيرانيون. وهم محقون: احد لم يطلب من أمريكا أن تعلمه الادب. لقد عينت أمريكا نفسها معلما في أنها تزودت بالمسطرة وأثبتت انها مستعدة لان تلوح بها. وبالطبع، يوجد قدر من العجب امام معلم للاداب والاخلاق في صورة دونالد ترامب. ومن جهة اخرى، فإنه من الصعب الجدال مع المسطرة.
معاريف 13/4/2017