هل أنت سباغتي؟
عزت القمحاوي هل أنت سباغتي؟مع رجاء ألا يُعد هذا ذماً لما يكتب الآن مصرياً، أظن ان المخيلة الجماعية أكثر استجابة لظروف الواقع من المخيلات الفردية؛ فلربما تحتاج العلاقة بين الواقع والابداع الذي ينتج فيه دراسة أكثر جدية. وعلي سبيل المثال نحن لا نعرف الي أي حد كان التشيكي الأمهر فرانز كافكا يعتمد علي الجحيم العام والي أي حد استند الي جحيمه الشخصي كي ينتج هذا الكم من المعني المتخفي في كل مظاهر اللامعني التي قادت يوزف ك الي محاكمة غامضة دون ان يكون قد فعل شراً.. تلك المحاكمة التي لا يبدو مجبراً عليها، لكنه يمتثل لها ويواظب علي رؤية قضاته ومحاميه التافهين الذين يمارسون عملهم في أماكن مفترض أنها مبتذلة أو علي الأقــل سرية وخاصة: أسرة المرض والجنس! وقد أخذت قضيته غير الموجودة أصلاً تتعقد كلما سعي الي مساعدة، بحيث ظلت مذكرة الالتماس الأولي عصية علي الانجاز الي ان تم تنفيذ الحكم عندما اقتاده مجهولان الي خارج المدينة ووضعا رأسه علي حجر في وضع ذبيحة، قبل ان يغمد أحدهما السكين في قلبه. مثل كلـــــب، قال، لكن الأمر كان وكأنما الخجل يبقي بعده ہ. ولم يوضح كافكا خجل من الذي سيبقي بعد رحيل يوزف ك مثل كلــــب؟ ولم ينجح أي من مفسريه الذين زاد عددهم علي عدد مفسري الكتاب المقدس في ان يعين لنا من سيحمل اكليل العار: يوزف ك لأنه امتثل لقوي تافهة، أم هذه القوي نفسها، أم المجتمع الذي سمح بتوحش هذه السلطة الغامضة؟ الأرجح ان الخجل من نصيب الجميع، وهو ذات الخجل المرشح للبقاء بعد هذه المرحلة الملغزة من تاريخ مصر، خجل الضحية، وخجل السلطة الهشة والمتماسكة والغامضة في آن مثل محكمة كافكا، وخجل المجتمع ـ بكل فئاته وبينها الكُتّاب ـ الذي لم يبد حتي الآن تململاً يوازي التنكيل المجاني به وبمقدراته؟احترق سبعون مسرحيا دون ان يكونوا قد ارتكبوا شراً وتم تسجيل الجريمة ضد شمعة، بينما تم التجديد لوزير الثقافة وزيراً مؤبداً، ثم أُغرق أكثر من ألف مواطن دون ان يكونوا قد ارتكبوا شراً فتم اعدام ملايين الدجاج دون ان يكونوا قد ارتكبوا شراً، بينما بقي صاحب العبّارة الفاسد علي مقعد البرلمان يشرع القوانين لمن يتبقي من شعب اجتهد في ابادته مرات متتالية علي عبّاراته المتهالكة، وبعد ان سافر الذي فعل شراً تم اصدار طلب رفع الحصانة عنه، وبعد ان لم يعد هناك وسيلة لمعاقبته صدرت ادانته التي كانت معروفة سلفاً، فخرج مواطن شاهراً سيفه ليقتل ويصيب مواطنين مصريين لم يكونوا قد ارتكبوا شراً، ويصرخ فداك يا رسول الله، متنقلاً من كنيسة الي كنيسة، لا تخفي أي منها ممدوح اسماعيل صاحب عبّارات نقل المصريين الي الآخرة، ويخرج المحافظ الطبيعي ليصرح في اللحظات الأولي من الاعتداء بأن المواطن مختل، أي ان المواطن لم يرتكب شراً، طالما أنه غير مسؤول عن أفعاله، لكن من المفترض ان المحافظ مسؤول عن أقواله، ومن شأن تصريح كهذا ان يزيد النار تأجــــجاً بين أبناء الشـــعب الواحد، أويجعلنا نؤمن ببركات سيدي المختل، لكن هذا الايمان ليس ممكناً، لأن المختل ارتكب جريمة الاسكندرية بعد ثلاثة أشهر ونصف الشهر من مذبحة بني مزار، أي أنه قطع مسافة 800 كيلو متر بين محافظتي المنيا والقاهرة في أكثر من مائة يوم، وهذه السرعة لا ترتب له أية قداسة، لأن أهل الحظوة من أولياء الله يمكن رؤيتهم في الحرم المكي وفي مسجد الحسين بالقاهرة في ذات الليلة. واقع العبث مستمر في كل لحظة. القضاة الذين نددوا بتزوير الانتخابات هم الذين يحالون الي المحاكمة، ورئيس شركة قطاع عام يكشف اهدار الثروة العامة في صفقة بيع شركة عملاقة وبدلاً من معاقبة الوزير الذي يرتكب هذا الشر، اذا به يظل في مكانه قوياً ويخرج ليطمئن الرأي العام ـ دليلاً علي أنه رجل خيّر ـ الي أنه لن يبطش بمن عطّل الصفقة! والصحافيون الذين يحاربون الفساد يحبسون في قضايا النشر، بينما يظل الصحافيون المدانون في قضايا النشر طلقاء، اذ لم تسفر المطالبات بمحاكمة رؤساء مجالس ادارة المؤسسات الصحافية السابقين الذين امتلكوا الملايين من الرشاوي والعمولات، رغم أنهم لا يعانون من أي خلل عقلي يعفيهم من المسؤولية! والخلاصة هي ان من يحاكم في مصر أو من يتمتع بمكرمة العفو هو من يكون قد فعل خيراً، بينما حوكم (يوزف. ك) دون ان يكون قد فعل شراً أو خيراً. وهذا يعني ان الواقع المصري صار بوست كافكاوي وأمام هذا العبث يواصل الأدب السير في طرقه المألوفة بينما تستجيب النكتة بشكل مدهش الي غرائبية الواقع، فلم تعد هناك النكتة الكلاسيكية المؤسسة علي المفارقات العادية. وانما نوعا سوريالياً من النكات، تقول احداها: واحد سأل الثاني: الساعة كام؟قال له: انت شايفني سباغيتي؟قام واخد الخروف وماشي!ہ جملة الختام لرواية المحاكمة في ترجمة ابراهيم وطفي، بينما وضع جرجس منسي في ترجمة قديمة للرواية تفسيره الخاص علي لسان الراوي بعد جملة يوزف. ك (ها أنا أموت مثل كلب حقير. وكأنما أراد بذلك ان يخلد العار الذي لحق بالبشرية).0