عمان ـ «القدس العربي»: يتوجس الأردن من سيناريوهات وكلف الركوب المفاجئ على موجة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في الوقت الذي يقول فيه المسؤولون بعدم وجود خيارات متعددة أمام المملكة لتحسين بيئتها الاستثمارية في المجالين السياسي والإقليمي.
الحسابات الأردنية الداخلية تبدو متقاطعة ومتعاكسة عندما يتعلق الأمر بكلفة مشاركة الرئيس ترامب مغامرته الجديدة في المنطقة خصوصا شراسته المتواصلة في تهديد الرئيس السوري بشار الأسد أو انقلابه المحتمل على إيران.
في أوساط القرار الأردنية يتواصل التحذير داخليا من مغامرة عسكرية أمنية داخل الحدود مع سوريا خصوصا بعدما امتدح ترامب الأردنيين واصفا اياهم بالمقاتلين الأشداء ضد الإرهاب ولصالح العدالة الإنسانية.
لكن في الأوساط المقربة من رئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي يتداول الوزراء والساسة تشخيصات عن ممر واحد آمن واضطراري ومتاح معروض على المملكة حاليا لإنجاز مصالحها وان كان ينطوي على بعض المجازفة خصوصا وان تجاهل برنامج ترامب الجديد في عمق المعادلة السورية لم يعد خيارا بالنسبة للأردنيين وهم يراقبون تزايد العمليات الإرهابية في حضن منطقة الركبان المحاذية لأكتاف حدودهم.
يركب بعض الأردنيين موجة المغامرة الجديدة بعد سلسلة الاستشعارات التي برزت عند التقارب الكبير من إدارة ترامب وطاقمه مؤخرا في الوقت الذي يشكو فيه صناع القرار من انغلاق ملموس في آفاق معالجة الأزمة المالية والاقتصادية حيث الرهان الوحيد المتبقي يتعلق بمسألتين لا ثالث لهما.
الأولى التوظيف في المجال الأمني واختبار وعود إدارة ترامب بزيادة وتعزيز المساعدات على خلفية عسكرية للأردن نظرا لدوره الاستثنائي فيما يسمى تثبيت استقرار المنطقة، والثانية الحرص على التواجد في أي منطقة حيوية لها علاقة بالاستثمار في إعادة الإعمار ومشاريعه في الجوار السوري.
المشكلة تكمن في ان تلك العوامل مهما تطلب الأمر تحتاج فعلا إلى روح المغامرة وقد تحتاج لاحقا إلى مستويات غير مسبوقة لإسقاط بعض قواعد اللعبة في الجانب الأردني حيث الجزء المتعلق بعدم التدخل عسكريا في الأزمة السورية وهو أمر قد لا يبقي من الخيارات المتاحة للأردن في ضوء المشروع المستجد للرئيس ترامب.
تغيير قواعد اللعبة أردنيا يعني على نحو أو آخر التدخل والتداخل باعتبارهما ملاذا لمعالجة مشكلة الاستعصاء المالي والاقتصادي بعدما اعتذرت السعودية مباشرة وبلغة صريحة عن تقديم معونات مالية نقدية مباشرة للأردن بحجة انها لا تريد فتح المجال أمام حكومات أخرى في المنطقة تطالب الدعم المالي من ضمنها العراق ولبنان وهو الأمر الذي دفع الرياض لإبلاغ عمان بانها تحتاج لحزمة مشاريع استثمارية مشتركة تدعمها ولن تخوض في مسألة تقديم دعم مالي مباشر للخزينة الأردنية.
العديد من الاعتبارات بدأت تضغط على حكومة الملقي الأردنية فحتى الاستثمار في مؤتمر لندن الشهير لدعم اللجوء السوري لم يعد منتجا وبدا واضحا ان خيارات وزير التخطيط الدولي الأردني الدكتور عماد الفاخوري الذي يترأس الطاقم الوزاري الاقتصادي خالية تماما فقد نقل الرجل اهتمامه بعد خيبة مخرجات مؤتمر لندن إلى مؤتمر بروكسل.
يبحث الفاخوري ورفاقه بهوس عن مدخل مناسب لإنصاف بلاده في مجال تقديم المساعدات للاجئين السوريين، حيث صرح الملقي الاسبوع الماضي مجددا ان اللجوء السوري يضغط بشدة على البنية الاقتصادية لبلاده.
بعد قواعد اللعبة النقدية السعودية الجديدة والاخفاق الحكومي في تدبير مساعدات لملف اللاجئين تضيق الخيارات مجددا أمام مسؤولي التخطيط والخزينة في الأردن، الأمر الذي يحشر صانع القرار في ظل الملاذ الاضطراري الذي يمكن ان يتوفر عند الاستثمار في يافطة محاربة الإرهاب ودعم استقرار وأمن المنطقة.
هنا تحديدا تبرز ملامح اللعبة الجديدة مع ترامب الذي يستثمر بدوره في اللحظة الراهنة باعتباره كبير المقاولين وبصورة دفعت الأردنيين لتغيير حساباتهم وقد تدفعهم لاحقا لتغيير قواعد اللعبة الاستراتيجية التي حكمتهم طوال الوقت عندما يتعلق الأمر حصريا بالعراق وسوريا.
وفقا لهذه المستجدات والظروف يتحرك الأردن مثـقــلا بهـــمـــومه المـــالية والاقتصادية وشغوفا بالبحث عن ملاذات واختراقات في فناء الاستراتيجية الجديدة للرئيس ترامب.
هي حــركة تبدو لبعض المراقبين والمتحفظين محلـــيـــا اعتـــبــاطية وتنطوي على مغامرة غير محسوبة وتورط في التفاصيل واعـــلان مواجـهة مفتوحة مع تنظيم «الدولة» الذي يتربص بجنوب الأردن وشماله.
لكنها مغامرة اجبارية بالنسبة لدوائر القرار الرسمي التي تحسب أمورها بناء على معادلة تقدر ان كلفة البقاء على الحياد في مواجهة التطورات الحادة التي يشهدها الإقليم والنمو الكبير لاستراتيجية ترامب تحديدا أعلى بكثير من كلفة عدم المشاركة أو البقاء على الحياد خصوصا وان تصرفات النظام السوري تمنح خصوم بشار الأسد في المجتمع الدولي يوميا ذرائع جديدة للتدخل حتى عندما لا يحتاج ترامب لذرائع أصلا.
عمان هنا تحسب معطياتها بدقة والعبور عبر لافتة الاشتباك مع الإرهاب في سوريا وداخل الأرض السورية من الواضح انه أصبح في ظل الواقع الجيوسياسي أولا واستقرار الأزمة المالية الاقتصادية ثانيا، بمثابة الخيار اليتيم المتاح، لأن استراتيجية الأردن من البداية في القضايا الإقليمية والاشكالية تؤمن أصلا بضرورة البقاء في حالة البحث عن خيار حتى عندما تغلق أبواب كل الخيارات.