العراقيون بين ذكرى الغزو والمستقبل المجهول

بغداد ـ «القدس العربي»: استذكر العراقيون هذه الأيام ذكرى مرور 14 عاما على الاحتلال الأمريكي لبلدهم وهم يعيشيون أوضاعا مأساوية تنذر بانهيار دولة العراق الحديثة في ظل تفشي الطائفية والعنصرية والفساد التي نشبت أظافرها وأنيابها في الجسد العراقي وسط تصارع ساسة ما بعد الاحتلال، ليس على بناء دولة عصرية يتوفر فيها العدل والرعاية للجميع بالتساوي، بل من أجل تقاسم كعكة السلطة وخيراتها بكل الطرق والوسائل. والعراقيون لم يعد يهمهم ان يطلقوا على تلك المناسبة، تحرير أم احتلال، بل هم بصدد المقارنة بين أوضاع العراق في مرحلة ما قبل 2003 والتداعيات ما بعدها، ولم يعد أحد يخجل أو يتردد في ابداء الحنين للعديد من الايجابيات للعهد السابق الذي كان يجد المواطن فيه الأمان وراحة البال وقلة الفساد ووحدة الشعب بكل طوائفه واستقلالية القرار العراقي، مع عدم انكار السلبيات الكثيرة التي فرضها الحصار والحروب التي خاضها النظام العراقي السابق، لكنها تبقى أقل بكثير من مساوئ الحاضر.
وضمن السياق جاءت دعوة رئيس البرلمان سليم الجبوري بضرورة مواجهة كل أشكال الدكتاتورية التي تحاول النيل من مدنية الدولة، اضافة إلى تحذيرات السياسي المخضرم عزت الشابندر بان تكون معركة الموصل بوابة لمرحلة يبقى العراق بعدها موحدا أو يتجه للتقسيم، مقرا بان العراق أصبح ساحة معركة لمصالح الدول الإقليمية والدولية، ومعترفا بان قادة العراق ليس لديهم مشروع وطني لبناء دولة بل هم في صراع على السلطة.
وفي خضم الفوضى السائدة التي تهدد وحدة العراق، تواصل القيادة الكردية في الإقليم، السير الحثيث في ترتيبات اجراء الاستفتاء على تقرير مصير كردستان هذا العام مستغلة الظروف الداخلية والخارجية، حتى قبل الاهتمام بترتيب البيت الكردي وتوحيد مواقف القوى السياسية الكردية، إذ قرر الحزبان الرئيسيان (الديمقراطي والاتحاد الوطني) تشكيل لجنة عليا خاصة بعملية الاستفتاء.
وبدأ الحزبان الرئيسيان بقيادة حملة من خلال التحرك الشعبي وعلى بقية الأحزاب الكردية، كما اجتمعا مع ممثلي القنصليات في الإقليم، لكسب مواقف دولهم، وسط اصرار على عدم الاهتمام بتفعيل المؤسسة التشريعية المعطلة (البرلمان) بقرار من الحزب الديمقراطي، ودون الاهتمام بآراء الأحزاب الكردية المتحفظة وخاصة حركة التغيير التي جاءت بالدرجة الثانية في الانتخابات الماضية والتي تمسكت برفض اجراء الاستفتاء بدون تفعيل البرلمان كونه الجهة التشريعية والقانونية التي تمنح الشرعية للاستفتاء. كما أبدت المكونات في الإقليم من العرب والتركمان تحفظات للاستفراد في هذه القضية الحساسة.
وإذا كانت الأحزاب الكردية والشارع الكردي، يبدو متفقا على مبدأ الاستفتاء لتقرير المصير واقامة الدولة الكردية كحق مشروع للشعوب، إلا ان الخلافات والعقبات المعرقلة لاجراء الاستفتاء ليست بسيطة، سواء ما يخص تفرد الحزبين أو آلية إجراء خطوات تحقيق هذا الحلم التي تتطلب حكمة أكبر من مجرد اثارة المشاعر بالشعارات، اضافة إلى تأثير العامل الإقليمي في مسار هذا التوجه وهو ما عبرت عنه تصريحات قادة تركيا وإيران.
أما في إطار معركة الموصل، فالواضح ان القوات العراقية تقوم بجهود جبارة وسط ظروف قتالية معقدة، مواصلة تحرير المزيد من الأحياء في الموصل ولكن بوتيرة أبطأ مما حصل في الجانب الأيسر، وذلك بسبب الوصول إلى الأحياء الضيقة المكتظة بالسكان المحاصرين بين النيران المتبادلة.

النازحون أوفر حظا من المحاصرين

ويوما بعد يوم تشتد المأساة الإنسانية لسكان الأحياء المتبقية من غرب الموصل المحاصرين والمحرومين من أبسط مقومات الحياة، وسط تهديدات وقسوة بقايا عناصر تنظيم «داعش» المدركين لنهايتهم الحتمية، ومع ازدياد رقعة الدمار الواسع في المدينة وبناها التحتية بما يذكرنا بمأساة حلب.
وفي كل الأحوال يبقى النازحون الفارون من المدينة هم الأوفر حظا من المحاصرين بين الحياة والموت، ومهما كانت معاناة النازحين من غرب الموصل الذين بلغوا 300 ألف حتى الآن، حسب الأمم المتحدة، فان الجميع يتفق على انهم محظوظون للنجاة بأرواحهم، وسط تساؤلات محلية ودولية عن مدى صواب قرار تشجيع سكان الموصل على البقاء في دورهم تحت رحمة القصف ونقص مستلزمات العيش وقسوة التنظيم الإرهابي.
ولم تكن الموصل منطقة التوتر الأمني الوحيدة في العراق هذه الأيام، بل شهدت عدة مناطق خروقات أمنية نتيجة شن عناصر التنظيم هجمات هنا وهناك لاشغال القوات الأمنية والايحاء بأنهم ما زالوا موجودين.
وشهدت محافظة صلاح الدين شمال بغداد، حملة عسكرية واسعة لملاحقة عناصر التنظيم الذيم شنوا مؤخرا العديد من الهجمات الانتحارية على مدن ومواقع عسكرية حكومية في تكريت والدور والشرقاط وغيرها، انطلاقا من المناطق والجيوب التي يتخذها تنظيم «داعش» أماكن للتواجد وشن الهجمات منها.
وفي محافظة ديالى المجاورة لإيران، تجددت المخاوف وتحذيرات نواب ومسؤولين محليين من الانهيار الأمني وعودة الأوضاع الأمنية فيها إلى المربع الأول، بعد انتشار مظاهر العنف الطائفي كالاغتيالات والخطف والتهجير وقصف المدن والقرى من مجاميع عسكرية متنفذة في المحافظة.
أما في محافظة البصرة جنوب العراق، فقد تصاعدت الدعوات لاخراج مقرات فصائل الحشد الشعبي من مدن البصرة للقضاء على الانفلات الأمني وتفشي العنف والجريمة المنظمة فيها. وهذه المرة لم تأتِ الدعوة من السياسيين والنواب والحكومة المحلية فقط، بل ومن رئيس التحالف الوطني الشيعي عمار الحكيم الذي زار البصرة لتقديم وعود بتحسين أوضاعها، يعتقد أغلب المراقبون انها لن تتحقق وان هدفها التمهيد للانتخابات المقبلة فحسب.
وتبقى ملامح المشهد العراقي المستقبلية، مفتوحة على كل الاحتمالات والتوقعات، وسط صراع القوى السياسية والمكونات وانعدام الاتفاق على الحد الأدنى من الروابط الوطنية المشتركة.

العراقيون بين ذكرى الغزو والمستقبل المجهول

مصطفى العبيدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية