■ لا شك في أن الرواية العربية حققت في المدة الأخيرة طفرة مهمة، تمثلت – بالخصوص- في التراكم الواضح الذي أنجزه الروائيون العرب كما وكيفا، وقد توزع هذا الإنجاز المشهود على امتداد الوطن العربي من الماء حتى الماء، بل شمل بلدان المهجر كذلك.
وغني عن الذكر أن عوامل عدة ساهمت في تحقيق هذه الطفرة، لا يبدو المجال مناسبا لتفصيل القول فيها ضمن هذا المقال، لكن رغم هذا التطور اللافت يلاحظ للأسف عدم وجود تنوع في موضوعات هذا المنتوج الروائي، إذ يعاني من غياب لافت لأنواع روائية معينة، أذكر على سبيل المثال لا الحصر روايات الخيال العلمي، وروايات المطاردات وروايات الشباب، ويبقى الغائب الأكبر عن هذا التنوع الرواية البوليسية، التي يعد حظها من الوجود شبه منعدم، اللهم إلا إذا استثنينا نصا هنا أو نصا هناك، يظهر في فترات متباعدة، لا تسعفنا أبدا في الاطمئنان على وضع هذا الجنس الأدبي العالمي، الذي لا يخفى على أحد أن له عشاقه، حتى من قراء اللغة العربية، هؤلاء القراء الذين للأسف لا يجدون بغيتهم إلا في الروايات المترجمة، التي قد تشبع بعضا من نهمهم لهذا النوع الأدبي، رغم اختلاف بيئة إنتاجه.
وأكاد أجزم أن غياب هذا الجنس الأدبي يؤشر صراحة إلى خلل لازب في الإبداعية العربية، فضلا عن الفقر الذي يصيب مدونة الرواية العربية ككل، ما يجعلها بالضرورة مفتقرة إلى غيرها من الآداب العالمية للاقتباس منها، فالناقد العربي مثلا الذي يوجه بحثه صوب هذا المبحث، سيجد نفسه مضطرا ـ لا محالة – إلى الاشتغال على نصوص غير عربية، ما يكرس الوضع الذي يجعل النقد العربي ضاجا بالاستشهادات العالمية، مفتقرا للنماذج العربية بسبب غيابها.
وفي رأيي المتواضع إن الروائيين العرب مطالبون بنفض الكسل عنهم، لإغناء المكتبة العربية بسرود متنوعة، خاصة في ميدان الرواية البوليسية، حتى لا نظل متخلفين عن ركب الآداب العالمية، في ظل مفارقة عجيبة تتمثل في شيوع هذا النوع من الكتابة عالميا، وتحقيقه لمبيعات قياسية، في حين ينعدم أثره أو يكاد عندنا. كما أن انكباب الروائيين العرب على كتابة الرواية البوليسية سيساهم – بلا ريب – في تطوير تكنيك الكتابة لدى الكاتب العربي عموما، من خلال الخوض في تجارب جديدة، وارتياد قارات إبداعية غير مألوفة، زاخرة بالمفاجآت، ومحفزة لمزيد من بذل الجهد في سبيل تحقيق كتابة موضوعية، تتميز بتقشف أسلوبي واضح ونفس درامي، بعيدا عن التعاطي الرومانسي مع الكتابة الروائية، الذي غالبا ما ينحو بالكتابة نحو البوح وهيمنة العاطفة الجياشة والتداعيات عليها.
ومن بين ما ابتلي به المشهد الروائي العربي أن بعض الكتاب العرب يحتقرون الرواية البوليسية، ويعتبرونها من أردأ أنواع الكتابة، ففي حقيقة الأمر أستغرب ذلك، ولا أجد تبريرا له سوى العجز عن كتابتها، فغالبا ما يذم المرء ما لا يقدر على الإتيان به، أو ربما إن بعضهم اعتاد الكسل واطمأن إلى كتابة التداعيات البسيطة، ولا يرغب عن ذلك بديلا، إذ أعتقد أن الرواية البوليسية هي رواية الخيال الخلاق الحبكة المحكمة والذكاء الوقاد بامتياز، كما أنها تتميز ببعد درامي قوي يجعلها من أعقد وأصعب أنواع الكتابة، دون التفريط في العمق الثقافي، والأبعاد الرؤيوية العميقة، التي ترقى بالنص الروائي إلى درجات التفوق، وتضمن له الخلود، ويكفي في هذا الصدد إعطاء المثال برواية «شيفرة دافينتشي» للكاتب الأمريكي دان براون ورواية «اسم الوردة» للإيطالي أمبيرتو إيكو، هاتان الروايتان اللتان لا ينكر أحد قيمتهما الأدبية والفنية عموما، بالإضافة إلى حبكتهما البوليسية، كما أنهما حققتا نجاحا منقطع النظير، وما زالتا مرجعين أساسين لنجاح الرواية البوليسية ذات الصوغ الأدبي الثقافي الرفيع.
وتتميز الرواية البوليسية بكونها رواية المطاردات والتحقيق العميق من أجل كشف ألغاز جريمة ما، وهذا الأمر يمنح النص الروائي حيويته على مستويات عدة، فهو بالإضافة إلى تحقيق الدرامية المطلوبة في العمل الإبداعي عموما، وإبعاد شبح السيرذاتي عن النص وما ينتج عن ذلك من إقحام الكاتب لذاته عبر التداعيات والتأملات والتجريد، فإنه كذلك مجال خصب لمشاركة القارئ وتفاعله المنتج مع النص الروائي، فقارئ الروايات البوليسية ، لا يظل أبدا على الحياد، ولا ينبغي له ذلك، إذ سرعان ما يتماهى مع لعبة الكاتب، ويندرج في عملية البحث عن حل لغز الجريمة، ما يطور لديه حدس التوقع، ويجد نفسه بالتالي أمام متعة التقصي والبحث وكشف المجهول.
وإذا كانت الحاجة ملحة إلى تحقيق التنوع في المتن الروائي العربي، خاصة في ما يتعلق بضمان وجود نصوص الرواية البوليسية، فإن الحل المناسب لهذه المعضلة، في رأيي، يتمثل في استثمار أجواء الجوائز الأدبية، التي طبعت لحظتنا الراهنة، وقد حققت بالفعل بعضا من أهدافها، خاصة في خلق تراكم الأعمال الروائية وتطويرها، فإن إحداث جائزة للرواية البوليسية، لا شك أنه سيلفت الانتباه إلى هذا النوع من الكتابة، وحتما سنجد من الكتاب الشباب أو المكرسين من سيدلو بدلوه في هذا المضمار، وبالتأكيد سنظفر- نتيجة لذلك- بنصوص روائية بوليسية، تغطي النقص الحاصل في هذا المجال، ولا شك أن في كل ذلك مكسبا كبيرا لا غبار عليه للأدب العربي والإبداعية العربية عموما.
٭ كاتب مغربي