عن الإسلام التركي المعتدل ، والاتحاد الأوروبي، وفلسطين
د. أسعد عبد الرحمنعن الإسلام التركي المعتدل ، والاتحاد الأوروبي، وفلسطين كانت تركيا من أوائل الدول الإسلامية غير العربية التي استقبلت وفدا لحركة حماس بعد نجاحها في الانتخابات الفلسطينية. وقد أحدثت الزيارة في حينه توترا جديدا في العلاقات الدبلوماسية بين تركيا وإسرائيل وذلك بعد عامين علي اتهام رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان لتل أبيب بانتهاج سياسة إرهابية ضد الفلسطينيين . وقد رفضت تركيا الانتقادات الإسرائيلية لزيارة رئيس المكتب السياسي لحماس إلي أنقرة وقالت ان مقارنة المتحدث الرسمي الإسرائيلي بين الحركة الفلسطينية والمتمردين الأكراد في تركيا لم يكن مناسبا . وفي سياق متمم، يري البعض أن دخول تركيا لعضوية الاتحاد الأوروبي ـ إذا ما تم ـ قد يكون عاملا مساعدا للقضية الفلسطينية وصوتا إضافيا يدافع عن الحقوق الفلسطينية داخل أوروبا. غير أنه لا تزال هناك عقبات تحول دون دخول تركيا للاتحاد الأوروبي لعل أهمها النفوذ المستمر والقوي للجيش في المجتمع التركي والسياسة التركية، الأمر الذي قد يعرقل في النهاية جهود الحكومة التركية ذات التوجه الإسلامي المعــــــتدل للانضمام إلي الاتحاد الأوروبي. وعلي عكـــــــس ما هو عليه الحال في أوروبا الغربية فإن الجيش التركي يتدخل في السياسة التركية، بل انه قام في السنـــوات الماضية بثلاثة انقلابات سياسية كان أهمها الحد من النفوذ الإسلامي المتنامي. ومثل هذا التطور، في المعايير الأوروبية، غير مقبول ولا يمكن التسامح معه. ولكي تتأهل تركيا للانضمام للاتحاد الأوروبي يصر الأخير علي تنظيم العلاقة بين الجيش والحكومة بشكل صارم بحيث يمنع العسكر من التدخل في السياسة ويتولي المدنيون الإشراف علي الجيش وليس العكس. وحتي الآن، فإن العسكر الأتراك لا يأخذون مطالب الاتحاد الأوروبي بالجدية اللازمة. وبعد فوز الإسلام التركي المعتدل (حزب التنمية والعدالة) بزعامة أردوغان في انتخابات 2002، استطاع إحداث اختراق داخل الاتحاد الأوروبي، وبدأ التفاوض الرسمي مع أنقرة حول عضويتها بالاتحاد الأوروبي رغم استمرار المعارضة القوية لذلك. ہہہمن جهته، يواجه الاتحاد الأوروبي عقبتين أساسيتين: أولاهما الكلفة المالية الضخمة التي يترتب عليه دفعها للنهوض بالاقتصاد التركي ليصبح علي قدم المساواة مع اقتصاد الدول الأوروبية، وثانيتهما النمو الديموغرافي. فتركيا في حال انضمامها للاتحاد ستصبح ثاني أكبر دولة بعدد السكان بعد ألمانيا وستتفوق عليها بعد سنوات قليلة بسبب نسبة الولادة المرتفعة لسكانها، الأمر الذي ينعكس علي عدد الأتراك في البرلمان الأوروبي والمجالس الأخري، فالتمثيل في هذه يتم بالتناسب مع عدد السكان. هذا بالإضافة إلي التباين الثقافي والتراثي (الإسلامي) مع الثقافة والتراث الأوروبي، خصوصا بعد إصرار الفاتيكان علي كون الدين المسيحي أحد المكونات الأساسية لأوروبا. هذا علاوة علي مشاكل أخري منها، مثلا، مشكلة الأقليات، كذلك الخوف من لعب تركيا (حليف الولايات المتحدة القوي) دور حصان طروادة في الاتحاد الأوروبي إضافة لبريطانيا. ومع ذلك، استطاع أردوغان، بإصلاحات معينة، التقريب بين المعايير التركية والمعايير الأوروبية. فقد استطاعت حكومته، التي تضم أطياف السياسة التركية ـ عدا الشيوعيين ـ تنفيذ جزء كبير من برنامجها الإصلاحي في وقت قصير نسبيا. ومن هذه، إلغاء عقوبة الإعدام، وتغيير أنظمة السجون وإنهاء التعذيب، وتعزيز حرية التعبير والشفافية ودولة القانون، وإلغاء محاكم أمن الدولة والمحاكم الاستثنائية، والاعتراف بأولية التشريعات الدولية علي حساب القوانين الوطنية في مجالات حقوق الإنسان، واعتمادها في المحاكم التركية. كما عززت حكومة أردوغان سلطة البرلمان، وقوانين المساواة، ومراقبة نفقات القوات المسلحة، حيث أنيطت بديوان المحاسبة السلطة لمراقبة جميع المصاريف العامة بما فيها العسكرية. إلي ذلك، قلصت الإصلاحات من صلاحيات مجلس الأمن القومي، وأدي تغيير سلطات الجيش إلي خفض تأثيره في إدارة العلاقات الخارجية بخاصة مع اليونان حيث تمكنت الدبلوماسية التركية من القيام بدور إيجابي في حل أزمة جزيرة قبرص ودخول الأخيرة عضوية الاتحاد الأوروبي. كذلك ساعد رفع حالة الطوارئ في تمكين سكان أقاليم الجنوب الشرقي من ممارسة الحريات الأساسية علاوة علي تحسين مستوي حياة الأكراد بالرغم من النكسة الأمنية الأخيرة علي هذا الصعيد. وقال وزير الخارجية التركي عبد الله غول في مؤتمر صحافي: نعتزم مواصلة عملية الإصلاح.. المهم الاتجاه الذي نسير فيه.. المزيد من الديمقراطية وحقوق الإنسان والتي ستقوي من مركزنا . كما تم مؤخرا تعيين محقق للفصل في الشكاوي التي تقدم ضد الدولة. ويقول الاتحاد الأوروبي ان هذه الخطوة من شأنها دعم الحرب علي الفساد الرسمي وإحكام الرقابة علي الإنفاق العسكري.ہہہمن ناحية أخري، ثمة تعهد تركي بالدفع باتجاه إصدار قانون جديد لتعزيز حقوق الأقليات غير المسلمة في تركيا في تملك عقارات. ولا يزال الجدل محتدما بين الحكومة التركية والاتحاد الأوروبي حول إلغاء المادة (301) من قانون العقوبات التي تجعل من انتقاد مؤسسات الدولة جريمة يحاسب عليها القانون. ويشمل ذلك المؤسسة العسكرية والهوية التركية. وقال السيد عبد الله غول وزير الخارجية: ليس هناك سجين في تركيا بتهمة التعبير عن الرأي.. في هذه اللحظة لا نتوقع أي تعديل لهذه المادة ولكن إذا ثبت أن هذا ضروري فإن التغيير ممكن . ومما يجدر ذكره أنه، بمقتضي هذه المادة، حوكم العديد من الكتاب والأكاديميين الأتراك، علي الرغم من أن غالبية المحاكمات تنتهي بدفع غرامة أو إسقاط الاتهامات. ومع ذلك، يبقي السؤال عن مدي القرب الذي حققته هذه الإصلاحات من عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، وهو الأمر الذي لا يزال مثار جدل كبير سواء داخل الاتحاد الأوروبي أو داخل تركيا نفسها مع أن المسافة التي قطعتها الدولة التركية في مجال التشريع هي مثار إعجاب. وحقا، بات علي الاتحاد الأوروبي إرسال رسالة قوية إلي تركيا بأنه جاد في قبولها في النادي الأوروبي. وعلي الاتحاد الأوروبي تقع مسؤولية تشجيع العناصر الإصلاحية والليبرالية في تركيا. وسواء قبلت تركيا كعضو كامل العضوية في الاتحاد الأوروبي أو قبلت كشريك بمزايا خاصة، فإن هذين الخيارين يشكلان قضية محل نقاش حاد بين مختلف الدول والأحزاب الأوروبية. والخلاصة، ان إحباط المسعي التركي سيصب حتما في مصلحة التطرف الإسلامي إذ قد تسقط عندئذ نظرية الإسلام المعتدل الذي تحاول أوساط في الغرب الرهان عليه بدءا من تركيا، مرورا بمــــصر والأردن، وليــس انتهاء بفلسطين!.ہ كاتب من فلسطين8