لا يكاد المرء يلمس أي شكل من أشكال التجانس بين دول الاتحاد الأوروبي الـ28، ولا بين دول منطقة اليورو الـ17 لا ثقافيا لغويا ولا ميثولوجيا دينيا ولا حتى أي شيء آخر. فالبريطانيون مثلاً لغتهم الإنكليزية والفرنسيون الفرنسية والألمان الألمانية وهلم جرا. وثقافات التعاطي مع المناشط الحياتية مختلفة جذريا تقريباً، فالإنكليزي يفكر بطريقة تختلف عن الفرنسي وهذا طريقته تختلف عن الألماني، وثقافة الأكل راديكاليا مختلفة، فالفرنسي يجلس مع عائلته بالأربع ساعات على العشاء، وطبقهم المفضل الضفادع التي يُعضعضون سيقانها، والإنكليزي يتناول (الفيش والجبس) بشكل فردي وعملي، ودائما في عجلة من أمره، ولا يتجمعون كأسرة في الغالب إلا يوم الأحد على عشاء الأحد أو (الروست دينر). وكم يكثر التندر بين الشعبين، فكل منهما عنده صورة نمطية عن الآخر نتيجة العداء السوسيوتاريخي بينهما. وإذا كان هذا هو الحال مع شعوب أوروبا الغربية من انعدام التجانس، فما بالك بالفرق بينهم وبين اليونانيين والكرواتيين والقبارصة والإسبان والطليان في الجنوب الأوروبي وغيرهم، فعدم التجانس بينهم من جانب، وبينهم وبين الأوروبيين الغربيين في الشمال أكبر بكثير. إذن؛ الأوروبية ء ، رغم انعدام وليس فحسب محدودية التجانس في كل منحىً من مناحي الحياة تقريباً، للأمة ، جة الحاد اللا تجانس يا وثقافيا وغير ذلك.
ومع أن دول منطقة اليورو الـ17 أُضطرت إلى التخلي عن ثقافة عملتها التاريخية واستبدالها بثقافة عملة جديدة موحدة منذ 2001، مما أدى إلى تغير صارخ في الشروط السوسيواقتصادية التاريخية للمواطن والحكومة على حد سواء في كل دولة من دول منطقة اليورو إلا أن الجميع بادر الى التضحية، وفي بعض الدول تم استمراء ذلك على مضض من أجل ماذا؟ من أجل المصلحة العليا لأوروبا قوية تواجه العالم تكتليا، رغم انعدام كل مقومات الأمة من تجانس وغيرها، مما أشرنا إليه آنفاً. ومع أنه بعد عقد تقريبا من إنشاء منطقة اليورو عانت الدول الفقيرة في أوروبا، كاليونان وإسبانيا وإيطاليا وايرلندا وآيسلندا والبرتغال وغيرها من تأثير اليورو، لاعتياد مواطنيهم على عملاتهم التاريخية التي كانت تساعدهم على العيش بشكل مريح نسبيا، في حين جلب لهم اليورو الأسعار المرتفعة، كما هي مرتفعة في فرنسا وألمانيا. المعروف أن مستوى الدخل والمعيشة في هذين البلدين أكبر بكثير مقابل النقيض في تلك الدول. طبيعي أن يؤدي ذلك إلى إفقار تلك الدول وكان لزاما على فرنسا وألمانيا الدولتين الأقوى أن يدعما دول منطقة اليورو، رغم احتجاجات قطاعات كبيرة بين شعبيهما. صحيح أن ثمة من يذهب إلى أن فرنسا وبريطانيا تتعمدان إفقار بقية دول منطقة اليورو لدعمها وبالتالي السيطرة عليها لخلق أوروبا قوية من خلال ‘المنوبولي’، وإلى أن ثمة صراعا بين هاتين الدولتين على قيادة أوروبا. الأهم الآن أن الاتحاد الأوروبي يتوسع وكذلك منطقة اليورو، ووصل الأوروبيون، رغم الصعوبات والمعضلات أحياناً وانعدام التجانس والتفاوت الحاد اقتصاديا، إلى نقطة اللاعودة إلى التشرذم، والاستمرار في الاتحاد. إنه الوعي بالمصلحة العليا وعدم الانجرار للضغوط الخارجية كالأمريكية للحد من استمرار الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو لتأثيرها سلبا على الاقتصاد الأمريكي إلى حد كبير. وإذا جاز لنا إسقاط كل تلك التجربة الأوروبية على العرب نسأل: ما بال العرب إذن لا يتحدون؟ وبينهم تجانس يكاد يكون مطلقا؟ ومتى سيتحدون؟
عندما تنضب آبار النفط وتجف حقول الغاز، أو كما يتندر القطريون في مجالسهم ‘عندما يحج البقر على قرونه’؟ إذا كان عرب البلد الواحد غير متحدين، كالفلسطينيين مثلاً سلطة في رام الله وأخرى في غزة، وعرفنا أخيراً حلقة أخرى من حلقات تآمر سلطة رام الله على سلطة غزة، كما كشفها المؤتمر الصحافي للبردويلي يوم 30 تموز (يوليو) نتيجة الارتهان للأجنبي، أي الصهيوني. وقس على ذلك ما شئت الانقسام بين المصريين والعراقيين والسوريين والبحرينيين واليمنيين والسعوديين وغيرهم، فكيف يمكن أن ينشأ اتحاد عربي أو منطقة عملة عربية موحدة، ونحن نحفر لبعضنا بعضا، ونتآمر لمصلحة إسرائيــــل وأعداء الأمة وأحيانا نتآمر مع إسرائيل ضــد بعضنا بعضا، وكل منا يسعى لإرضاء إســــرائيـــل وأعداء الأمة على حساب مصلحة الأمة، ونحن على عكس أوروبا وأمريكا نمتلك كل مقومات الأمة؟ كلمة أخيرة كل المؤشرات تدل الى أن إسرائيل هي التي خططت ودبرت الانقلاب على الشرعية المصرية، وما الفريق السيسي إلا أداة تنفيذ ليس إلا. والسبب هو أنه لأول مرة في تاريخ الصراع حركة حماس تفرض شروطها على إسرائيل خلال الحرب الأخيرة على غزة بسبب وجود حكومة ديمقراطية في مصر، بصرف النظر عن ماهية الرئيس وانتمائه.
‘ أستاذ جامعي وكاتب قطري