بدت الفكرة جنونية وغريبة جدا.. كثيرون لاموني شخصيا بتهمة «الاعلاء من شأن الكفاءة والاساءة لقيمة الولاء» وهي المسألة التي تطرقت لها في احد التقارير عندما تحدثت عن وزير سابق خاطب الملك في احد الاجتماعات بانفعال شديد وحماس وطني مفترض قائلا وبلغة اتهامية تطال بعض المسؤولين آنذاك: يا سيدي انهم يؤيدون الكفاءة بدلا من الولاء.
أثق تماما بان صاحبنا المسؤول السابق كان يتحدث بجدية وانطلاقا من ايمانه الحقيقي بان الولاء مسألة فوق الكفاءة والمهنية وكانت كذلك في الحالة الادارية الاردنية وينبغي ان تبقى.
لا اشكك بنوايا الرجل لكن استعارة تلك الحادثة وزجها في احد التقارير يهدف لتسليط الضوء على عقيدة مستقرة في اوساط النخبة وفي المستوى البيروقراطي خصوصا ان تلك الحادثة شهدها وزير البلاط الاسبق الدكتور مروان المعشر.
قد لا تخدم الصدمة التي شعر بها المعشر آنذاك الهدف الذي اتحدث عنه الآن لأن الحماس لفكرة الولاء على حساب الكفاءة فعل فعله سنوات طويلة في استنساخ سلسلة من الامراض الادارية والمزمنة المستوطنة في الجسد البيروقراطي الاردني قد تكون المسؤولة فعلا اليوم لا قولا عن سلسلة لا متناهية من الخيبات والاخفاقات الادارية خصوصا وان مؤسسات القرار من جانبها تعمل على تغذية وتسمين منهجية الولاء قبل المهنية بحيث ان هذا المفهوم نفسه سيطر على الكثير من النخب لكنه تطور مع الوقت وسط حالة الترهل والتراخي وازدهر واستنسخ في اكثر من اتجاه حتى غاب جوهره الحقيقي عن الواجهة وسط تلك التفسيرات المطاطة لكلمة الولاء ولمفهوم الانتماء.
ما اقصده ان الولاء الذي يسبق الكفاءة او يريد له كثيرون ان يسبقها دوما لم يعد باختصار مقصورا على الولاء للوطن او حتى للنظام والدولة ولم يعد مقتصرا حتى على المرجعية والقصر بل استعاره بعض اصحاب النفوذ واصبح طريق اعلان الولاء للدولة والنظام والوطن هو دربهم فقط في عملية انتهازية استمرت لسنوات طويلة وانتهت بوجود مقاييس فردية لاختبار الولاء بدون توافق مسبق او اجماع وطني وبدون في اغلب الاحيان وهذا الاخطر تعريف متفق عليه لمفهوم الولاء.
ما حصل وبصورة مقلقة عدة مرات ان الولاء للوطن يتم التعبير عنه من خلال الولاء لشخص او لمركز قوة او لرأس مال او لموظف بائس يستخدم النظام لمصالحه الشخصية وليس العكس.
لا توجد تقنية او وسيلة في الكرة الارضية لقياس مسألة الولاء والانتماء لا للوطن ولا للنظام لكن التسحيج لبعض المسؤولين النافذين واحيانا لبعض مفاهيم المؤسسات كان دوما العنوان الابرز الذي يختبر المواطن ويحدد من هو الموالي والمنتمي دون ان يتوافق الحكم والناس على تعريف صلب مانع لفكرة الولاء والانتماء حتى بصورتها المتعلقة بالولاء للنظام والدولة.
اللجان الاستشارية التي ارتبط تشكيلها بفكرة الاصلاح عدة مرات وانتهت بإصدار وثائق وضعت على الرف او في المتحف اخفقت علنا بتعريف من هو المواطن الاردني اصلا وعندما حذرنا من هذا الاخفاق عشرات المرات لجأ الانتهازيون في طبقات الادارة والنخب إلى علبة الاتهامات الموسمية التي تتحدث عن عكس الولاء والانتماء او تروج لتهمتي المحاصصة والتوطين.
قيل لنا ويقال لنا حتى اليوم بان هوية المواطن الاردني لا يمكن حسمها او تعريفها لسبب ذرائعي سخيف يستثمر فيه اصحاب المصالح والنفوذ وهو الصراع العربي الاسرائيلي حيث يحذر الحرس القديم ورموز التيار المحافظ وبصورة شوفينية مريضة دوما من تعريف من هو المواطن الاردني قبل حل القضية الفلسطينية.. تلك طبعا كذبة موسمية دائمة هدفها تخويف النظام من التغيير والاصلاح وبقاء النافذين في مواقعهم وامتيازاتهم وهم قلة بكل الاحوال.
غريب جدا بالنسبة لي على الاقل ان تسمح الدولة العميقة بذلك بل وتكرسه وتمنحه الشرعية وتحوله إلى مجموعة من قواعد العمل الغامضة السرية والقوانين غير المكتوبة التي تحكم الادارة بكل تعبيراتها.
غريب جدا ان يخوض بلد كالأردن تجاوز الحكم فيه سؤال الشرعية وطموحات قياداته وشعبه اكبر من حجمه ودوائر القرار فيه متميزة بالتسامح والتعايش والاعتدال.. نقول غريب جدا ان يحرم الاردنيون من بناء مستقبلهم لان الشبكة محدودة من السياسيين النافذين واصحاب المصالح تصر على عدم تعريف المواطن الاردني. كيف يمكن تعريف المواطنة اصلا وخصوصا تلك التي تتحدث عنها الورقة الملكية النقاشية السادسة فيما تمتنع لجان استشارية بعضها شكلت بغطاء ملكي عن تعريف من هو المواطن؟.
كيف يمكن بناء دولة مؤسسات حقيقية تخطو نحو المستقبل او دولة مواطنة بدون تعريف المواطن الاردني؟.
تثير ردة الفعل التي عايشتها عندما تعرضت لمفارقة العلاقة بين الانتماء والكفاءة في خيارات الدولة وفي تقلد المناصب الرفيعة شجون الحوار والتساؤل فمن غير المعقول ان نتجه كأردنيين للقرن الجديد بكل هذه الروح الحماسية عند القيادة قبل الناس فيما لازال بيننا نخب ومسؤولون بارزون يصرون على ان الولاء اهم من الكفاءة والانتماء بمفهومه الانتهازي المطاط وليس بمفهومه الوطني الدستوري ينبغي ان يكون المعيار الابرز قبل المهنية في اختيار كبار المسؤولين.
ليس سرا ان الدولة الاردنية طوال الوقت احاطت نفسها بعدد كبير من منظري الولاء ودهاقنة الانتماء بدون ممارسة فعلية.
لكن ليس سرا في المقابل ان هؤلاء ايضا استهدفوا طوال الوقت اصحاب الكفاءة والمهنية الذين اصبحوا قلة في جهاز الادارة وندرة في صناعة القرار وبالتالي اصبحنا كأردنيين في مشهد غامض ومريب حيث المئات من مدعي الانتماء والولاء يسيطرون على الايقاع ويجترحون الخطأ تلو الخطأ والكارثة بعد الاخرى متسببين بكل مظاهر القصور المؤسساتي بما فيها تلك التي يشتكي منها وعلنا او يتحدث عنها كبار المسؤولين ورأس الدولة في بعض الاحيان.
أؤمن شخصيا بان الولاء الحقيقي في العمل والجهد والالتزام المهني والانتماء الصادق بالكفاءة وليس بقصائد الشعر او الخطابات او الشعارات وأتصور بالمقابل ان حاجة الاردن بنظامه وشعبه لأصحاب الكفاءة في هذه المرحلة أهم بكثير من حاجته لكل مظاهر الرياء تحت عنوان الولاء والانتماء.
٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»
بسام البدارين