تونس ـ ضياء بوسالمي: المزود، آلة موسيقية معروفة في تونس، منها استمد هذا النوع الموسيقي اسمه. مع الدربوكة البندير وغيرها من آلات الإيقاع اتخذ المزود كآلة موسيقية مكانة هامة في الأوساط الشعبية نظرا لارتباطها بالتعبير عن هموم الناس ومشاغلهم. ولعل المفارقة تكمن في أن المزود كنوع موسيقي أصبح منذ عقود موحدا لجميع التونسيين، إذ يسجل حضوره في حفلات الزفاف وغيرها من المناسبات الإحتفالية.
«الربوخ» كما يسميه التونسيون هو الحفل الذي تحييه فرقة متكونا من مجموعة من «المزاودية» الآلة الرئيسية هي طبعا المزود بألحانه الصاخبة التي ترافق إيقاعات الدربوكة ولكن ومع مرور الزمن شهدت فرق المزود تطورا فتمت إضافة عدة آلات كالكمنجة والاورغ الكهربائي لتصبح للتوزيع مكانة هامة في هذا النوع الموسيقي. قد يحدث أن تسمع أغنية مزود تفتتح بنوتات بيانو ولكن تبقى آلة المزود هي التي ترتكز عليها البنية اللحنية لجل الأغاني من هذا النوع.
ولئن ارتبط المزود أساسا بالطبقات الكادحة والأحياء الشعبية فإنه أصبح منذ سنوات ونظرا للنجاح الذي حققه وجهة لمجموعة من الفنانين الوتريين الذين قاموا بثنائيات مع فنانين شعبيين. لقد تطورت هذه الموسيقى سواء كان ذلك على مستوى الكلمة أو اللحن. فكتابة الأغاني تخلصت من اقتصارها على مواضيع معينة أصبحت منبثقة من المجتمع ومشاغله بافراحه واتراحه. أما على مستوى اللحن، فحركة التجديد الموسيقي التي قادها ثلة من الفنانين كالفرزيط وسمير الوصيف وغيرهما ساهمت في إنتشار المزود ومسه لمختلف الطبقات والأجيال.
يروي المزود أحزان الفنان تارة ولكنه أيضاً، يتحول إلى مرآة عاكسة للوضع العام وهموم الشباب الذي يعاني من الوضع المتردي. وقد تتغنى أغاني المزود بقصص الحب وتمنع الحبيبة وشقاء العاشق فتخلد لحظات العذاب وتساهم في إثارة المشاعر الجياشة عبر المواويل الطويلة التي ترافقها ألحان المزود فتترك في النفس أثرا لا يمحى. إنها موسيقى تتفجر من قلب الأحياء الشعبية ترافق العربدة والسهر والليالي الطويلة، فالمزود أنيس السمر وصديق الجلسات في الحوم. هناك تؤلف الأغاني وتلحن وتغنى. من الشارع تنطلق وإليه تعود.
في سنة 1991، كانت حفلة «النوبة» من أهم الأحداث الثقافية في البلاد آنذاك وهي عبارة عن تجميع لمئات العازفين ومغني المزود المشاهير ومحاولة تقديم عرض متكامل من إخراج الفاضل الجزيري مع ألحان وتوزيع للموسيقى سمير العقربي. لقد ظلت هذه التجربة محفورة في أذهان التونسيين وقد مثلت كذلك قفزة نوعية لهذا النمط الموسيقي من خلال انفتاحه على مجموعة من الأنماط الأخرى في مزج محكم بين الأغاني الصوفية والإيقاعات السريعة كما كان العرض فرصة للالتقاء بين موسيقى الجاز بانسيابيتها وآلة المزود بألحانها الحادة. لقد أعاد كل من الجزيري والعقربي إلى الفن الشعبي بريقه وإحتفيا به وأحيا أغاني كانت في غياهب النسيان كل هذا مع ركحي متفرد وتوظيف للموسيقى الغربية بطريقة متناغمة مع الإيقاعات التونسية لكي لا تفقد أغاني المزود القها وروحها. «الغيطة»، «الفزاني» و»المربع التونسي» كلها إيقاعات تكون البنية اللحنية لغاني المزود، نمط موسيقي تجاوز حدود الفن ليصبح جزءا من التاريخ والمخيال الشعبي وقد ترسخ هذا أكثر مع تطور وسائل الإعلام والاعتراف بأحقية الفنانين الشعبيين في الظهور.
وفي فترة ما بعد الثورة، فقد أصبحنا نشاهد مجموعة من الثنائيات التي تجمع بين فنانين شعبيين وفناني راب وهو ما يؤكد إنفتاح هذا النمط الموسيقي على مختلف الأنواع الموسيقية الأخرى والسعي المتواصل إلى التجديد والإثراء.